يعيش المواطن المغربي تمزقا نفسيا على كافة المستويات والأصعدة. نتيجة التحولات التي يعرفها المشهد الاجتماعي للصراع القائم بين ما هو حداثي وما هو تقليدي.
واقع إشكالي لفكر حداثي محمل بالاختراق والإغراء، استطاع أن يتقوى داخل وطننا كما اكتسح أنحاء المعمورة، لطبيعته التسربية ولتراكماته ولمشروعه القادر على إحداث التغيرات والتحولات عبر الهدم والخلق، ولشمولية برنامجه وقدرته على الاستقطاب.
هل حصل دمج للمفاهيم والأفكار الحداثية في الحياة اليومية للمواطن المغربي بدون أن يحدث تمزقا وتورطا؟
هل استطاع الإنسان المغربي أن يحافظ على روحه وبنية حياته وتفكيره؟
هل الإغراءات الحداثية الاختراقية عبر الوسائل المتعددة والمتنوعة كانت أكثر تسلحا وصلابة من صلابة وسلاح الفكر التقليدي؟
يصعب على كل مشروع حداثي أن يخترق البنيات التقليدية ويستحوذ عليها. للتقليد أساليبه في المقاومة أمام الانتشار الكاسح للحداثة، وطرقه في التكيف معها ومحاولة احتوائها. كما أن للحداثة قدرتها الخاصة على تفكيك المنظومات التقليدية وأساليبها في ترويض التقليد واحتوائه. الصراع بين الاتجاهين معقد جدا. فكثيرا ما يلبس التقليد لبوس الحداثة ليتمكن من التكيف والاستمرار، بينما تتلفع الحداثة بالتقليد أحيانا لتتمكن من أن تفرض نفسها.
التداخل بين التقليد والحداثة في مجتمعنا، تتحكم فيها مجموعة من السلط :
سلطة دينية روحية مرجعية تطبع ذهنية المواطن في الدفاع عن ذاته وهويته وتحصينها من التفكك. سلطة أسطورية /خرافية باعتبارها تفكيرا هداما طفيليا تجذر في بنيتنا الثقافية لأسباب متعددة. إضافة إلى سلطة فقهية تأويلية تستمد سلطتها من تراتبية فكرية واستحواذها على الرأي العام بفرض موقف احادي ملتبس مستندة على شرعية دينية مستمدة من السلف ومن القرآن والسنة، زاعمة أن تأويلها هو القراءة الصحيحة والنهائية.
تداخل البعد الديني في أصوله التاريخية الصافية – حديث، سنة -بالأبعاد التأويلية القرائية المتعددة والمتناقضة، والتي يحكمها الصراع السياسي الاقتصادي والاجتماعي، والتي تقفز فوق الأصول لتصبح نموذجا مفتعلا متحكما في كثير من الأحيان. كذا البعد الاسطوري الخرافي الذي يمتح من الجهل ويغذيه. لتختلط الأمور لدى المواطن الذي لم يعد يميز بين الأسطورة والدين، بين الثقافة والخرافة، بين العلم والشعوذة.
في خضم هذا الواقع المفكك تطلعنا نحو حداثة الغرب الاستعماري، الذي أرسي أسس المؤسسات، عبد الطرقات وبنى المدن، وسير الإدارات وفتح المدارس، وغير مناهج التفكير والتعبير والمعاملة، وأعطى إمكانيات خلق حياة ووعي متجددين. انبهرنا بهذه الانجازات الجبارة التي أصبحت مكسبا من مكاسبنا التاريخية، وخلقت بكل توابعها خلخلة ورجة في حياتنا اليومية. فبعد البساطة في العيش والاعتماد على الوسائل المتواضعة في الكسب، تغيرت عقلياتنا وتبدلت أحوالنا نحو الأفضل. فأصبحت المعتقدات والبديهيات والمقدسات موضع تساؤل وإعاقة لوجودنا العصري نظرا للدينامية التي أنتجتها الحركة الاستعمارية بكل عيوبها وتسلطها. هكذا دخلنا العصر والحضارة بشكل هجين ومركب ومرتبك.
للحداثة ايجابياتها ولها القدرة على التسرب والتغيير. للتقليد وسائله في المحافظة على وجوده بحكم تاريخيته وتصلبه، وبحكم البنى الفكرية التي تحكمه وتسوده وتدافع عليه لما لديها من قدرة على توجيه الوعي الجماعي بضبطه.
نعيش فصاما فكريا باختلاط الأمور علينا لهشاشة فكرنا وبنانا ووعينا، ولطبيعة مجتمعنا غير القادر على استيعاب روح الحداثة ولا على تطليقها. إن البنية التقليدية العربية تمتلك وسائل دفاعية قوية. وقد استطاعت رغم الاكتساح الحداثي أن تبقي قواعدها متحكمة في سير الأحوال المجتمعية. كما استطاعت دمج الأفكار الحداثية بطريقة تلفيقية فيما يفرضه عليها منطق العصر والتقنية بإغراءاته وجدارته خدمة لمصلحتها المتحكمة. فالأفكار والبنى والاختيارات الحداثية التي تفرض نفسها تتغلغل عبر تبني الفكر التقليدي لها، لحاجة ولواقعية عملية أملاها منطق العصر.
أما الأفكار التنويرية التي لا ترتبط باليومي غالبا ما يرفضها المجتمع بتقليدية فجة ويتغاضى عنها. ان عمق الحداثة التحرري الانفتاحي الحضاري – حرية الإنسان، العقلانية، حقوق الإنسان -لا يقبل بسهولة لتضارب المصالح ولوقوف التقليد كحاجز مانع لتغيير المسار العام. قبول المجتمع لمجموعة من الأفكار الحداثية التي تدخل في صميم الواقع اليومي يمر بشكل تلقائي مفروض يمليه منطق التحول والتطور الذي لا يستطيع أحد مقاومته والوقوف ضد تياره وتلك ضرورة تاريخية لا محيد عنها ويتقبلها الجميع لما فيه من مصلحة وضرورة.
لقد استطاع المواطن الغربي أن ينهل من معين الحداثة وأن تصبح أساسا لوجوده وبناء مجتمعاته. لم تترك الموجة الحداثية آثارها السلبية هناك مقارنة مع آثارها في مجتمعاتنا المتخلفة المغرقة في التردي والظلامية والفكر الخرافي، وغير القادرة على فك عزلتها بالشكل المطلوب لانشطارها وتصدعها. أثرت الذهنيات المتحجرة الفاقدة لروح الاختلاف والتعايش سلبا على مواطن هش مهمش غير جاهز لاستيعاب وفهم تلاحق التطورات، والمرتبط بأفكار وتصورات ماضوية تخلى عنها الزمن، مواطن منفعل منبهر ضائع لا محاور أو مقارع.
إن صدمة الحداثة في مجتمعنا تركت تصدعا فاجعا على ذهنية ونفسية المواطن حيث الموجة عاتية والواقع متشابك والمدارك فقيرة والذهنية مشتتة والثقة في الذات والوطن والجماعة تكاد أن تكون منعدمة.
منصف بندحمان ـ كاتب من المغرب