جمالية الانزياح في «عائد إلى فيفا» للمغربي حسن برطال

حجم الخط
2

عبر مجموعاته السبع في القصة القصيرة جدا، والممتدة لعقد من الزمن ( 2006 ـ 2016 )، نجد القاص المغربي المقتدر حسن برطال قد رسخ قلمه كمتخصص في هذه المسافة السردية القصيرة جدا، فأرسى لنفسه نهجا جماليا لا تخطئه العين، حتى بات يتفرد بهذا الأسلوب بين أقرانه الكبار في هذا المسرد القزم، ونقصد به تقنية الانزياح كأسلوب فني ودلالي يسم تجربته رهانا وقصدية؛ فتجربته السردية تقوم على استثمار توترات المفردات وإيحاءاتها الدلالية، كأنها عالم معجمي قائم الذات، مفردات فصيحة أو عامية تجترح لها دوال لها مدلولات تُدرَك عبر النسق الاجتماعي المغربي خاصة والعربي عامة؛ هي مغامرة لغوية وجمالية استراح لها القاص، باعتبارها تراهن على الميتا ـ لغة، إذ يوظفها بأسلوب انزياحي يتعاضد مع المفارقة الحاصلة بين المتحقق الواقعي والمتوقع التخييلي، وفق ثلاثة اشتغالات: 1ـ انزياح الحروف، 2ـ انزياح الكلمة 3ـ انزياح التركيب.
في عمله الأخير «عائد إلى فيفا» يواصل حفرياته الإنزياحية لغة وصورة بما يخالف توقعات القارئ، عبر خلخلة المفردات ولملمتها معجميا ودلاليا، مفرغا إياها من محتواها المعياري ليلبسها لبوسا دلاليا آخر مغايرا، لكأنها تحتاج إلى قاموس نسقي وسياقي خاص، وهو الانشغال والاشتغال الفني الذي يخص به قارئه حتى يحفز جهازه التأويلي ويشركه في كتابة النص في صيغته النهائية، التي تليق بمؤلف يحترم أفق قارئه وذائقته وهمومه، بعيدا عن أي متعاليات عصية تعصف باستراتيجية التلقي وغايتها. ولعل عنوان المجموعة، وهو بالمناسبة عنوان لإحدى قصص العمل، خير دال على الانزياح في صنفيه الحروفي والتركيبي، إذ انزاح بنا عما ألفناه بخصوص هذا المركب العنواني العائد إلى رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، لقد كان انزياحا حروفيا (حيفا / فيفا) خالقا بذلك طاقة تناصية تباعد بين دلالتي المفردتين، انحراف وتحوير ولعب بالحروف يقودنا لا محالة لاكتشاف حجم السخرية الممضة، وأيضا انزياح ومقابلة بين التركيبين ككل تحيلنا إلى الانقلاب التام في قناعاتنا القومية والسياسية، التي جعلت الإنسان العربي يولي ظهره لقضية العروبة والإسلام (فلسطين) نحو ملهاة أخرى أدهى هي كرة القدم، أفيون الشعوب.
وكم هي كثيرة مثل هذه الانزياحات التي تؤدي انزياحات دلالية تحيلنا إلى أكثر من مرجع اجتماعي كهذهوثقافي، يسعى القاص إلى أن يدفع بالقارئ إلى تمثل السياق العام الذي ينضح بمواقف وسلوكات وقيم عوجاء ، وفق قالب ساخر، لكنه لا يخلو من وجوب انتقاده ومراجعته ضمنيا. هكذا هو حسن برطال يقدم نفسه دائما فكها ساخرا، يمازح قارئه ويلاطفه حتى يزج به في دائرة متعة القراءة وفائدتها، ومن ثم يقف على حجم الخسارات التي تعتور الواقع بكل تناقضاته وإنسلاخاته؛ في قصته «الزوجة الثانية» تصور التحول الذي طال قدسية عش الزوجية نحو استغلال مادي لا غير، يقول: «عاشرتُها طويلا، كانت تعُدُّ خطواتي والدراهم… ولما أثقلتْ كاهلي بـ(عدادها)، غيرتُ سيارة (الأجرة) هذه بوسيلة نقل عمومية»؛ فمفردتي (عدادها) و(الأجرة) تفصحان عن الدلالة التي أسفر عنها هذا الانزياح الدلالي للكلمتين بكل ما تحملانه من معان مشتركة في استنزاف الجيوب والركوب، لذلك يتبرم الزوج أخيرا بأن يستبدل زوجته بأخرى أشبه بسيارة أجرة تحترف الركوب العمومي، إذا كان لابد من دفع المال في كل مرة.
يواصل اشتغاله بهذا النسق اللغوي الماتح من حدة توتر المفردة وقابليتها للتحول والتحوير بما يخدم دلالة النص وقصديته، حتى إنه يفرغ المفردات من معانيها وأبعادها المتعارف عليها ويملؤها، ككيميائي ساحر، بمياه لغوية جديدة تجري سائرة في سياقنا اليومي، فدلالة ألوان الورود بأبعادها المناسباتية، تتغير عنده، إذ لم يعد للأصفر ولا للأحمر أي دلالة معيارية أثناء اختيارهما كهديتين لمناسبة ما، بل انزاح بهما وحولهما خدمة لغايتين أخريين، استعملتهما المرأة في قصته لرد الرجل كاستعارة رادعة من دلالة أضواء الطريق، يقول في «إشارة المرور»: «باقة الورد التي في يدها (بالأصفر ) و(الأحمر) أجبرتني على الاستعداد للوقوف، ثم التوفق بعيدا… ليس فيها من (الأخضر) شيء». فوفق هذه الرؤية الانزياحية التي يراهن عليها القاص، لا يمكننا فقط أن نعتبر ما يضعه بين قوسين مجرد توظيف مجاني للكلمات، بل يدعو من خلال ذلك قارئه إلى تكثيف وتبئير رؤيته ووقفته، فهذه الكلمات المقوسة هي مرابط نواصي النصوص، ومفاتيحها المسننة التي تفك شيفرتها، وقد تكون كلمة واحدة مقوسة كفيلة بخلق مفارقة كبيرة، وتناصا عجيبا ينأى معه المعنيين المختلفين للكلمة الواحدة، فمفردة (الحساسية) مثلا ترِد في النص بوجهيها المغايرين، من حيث هي مرض يصيب جهاز التنفس، وكونها أيضا مصطلحا يدل على النقلة والطفرة الجمالية التي تحصل في مجالات الإبداع والفكر وغيرهما… فنجد شخصية النص تصاب بحساسية مرضية جراء تقادم ورق الجرائد التي يتصفحها يوميا، في وقت يبحث فيه عن درجة التجديد والتغير (الحساسية الجديدة) في صحافتنا الثقافية الراهنة، انزياح ومفارقة وتناص وسخرية، كل ذلك وظف بمهارة عالية بالاعتماد على هذه المفردة من دون التصرف فيها، أمر يضحكنا بقدر ما يحزننا، يقول في «صفحات من غبار»: «(الحساسية) الجديدة التي بحث عنها طويلا، انتقلت من الملحق الثقافي إلى (أنفه)، إنه يشم ولا يقرأ». الاشتغال نفسه يشمل نص «لغة الطير» الذي لا يحتاج إلى تفسير: «طلبتُ يدها، وتكلمتُ عن (العش)، (البيض) وتربية (الفراخ)… فأشارت علي بشجرة.
لم تخْلُ سخرية ومفارقة القاص في مرجع اجتماعي بعينه، بل وسع من دائرته الانزياحية وتجاوز ذلك إلى الخوض والاقتراب من النص الديني عبر الانزياح التركيبي، مفرغا تماما الحمولة الدلالية لعبارة (الجنة تحت أقدام الأمهات) من معطاها المقدس إلى الدنيوي في أبسط غاياته (اللذة)، جرأة طريفة، لكنها مستساغة في سياقها النصي، ليستبدل التركيب ومعناه كما يلي في نص « تفاحة آدم»: «لما وقفتُ أمامها، ورأيت التفاحتين، قلتُ لابني: الجنة في صدرها، وليس تحت قدمها… يا ولدي».
قصص حسن برطال طريفة وفكهة، ساخرة وناقدة، لذيذة الاستهلاك في قراءاتنا اليومية السريعة، فهي تقدم نفسها واضحة فاضحة، سلسة الصور، وعصية الدلالة، لا نستسيغ متنها إلا إذا تسلحنا بمعرفتنا لوظيفة الانزياح كأسلوب جمالي رامز ومشفر، يستهدف الحروف والكلمات والجمل، وحتى لا ننسى يجب علينا أخيرا أن نعي النسق العام الذي تتغير فيها لغتنا ومواقفنا ورؤانا وثقافتنا ككل.

كاتب مغربي

سعيد السوقايلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية