بغداد ـ «القدس العربي»: لا يمكن فهم ما حدث للثقافة العراقية الآن، ورمي الكرة في أحضان المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، من دون البحث عن جذور ما نسميه (خراباً)، ففي رأي أحد الباحثين الاجتماعيين أن عمق الخراب الذي طال الثقافة العراقية لا يمكن اكتشافه من خلال إبداع المثقفين ونتاجاتهم فقط، وإنما هناك حلقات متصلة وقاموس كامل من مفردات في حياة الشعب العراقي منها، العسكرة والتلفيق الديني والنفاق السياسي، فضلاً عن الخراب الذي لحق بمنظمات المجتمع المدني… ما الأسس التي يمكن من خلالها اكتشاف الجذور الرئيسة للخراب الثقافي؟ وكيف؟
مسارا الثقافة
يحدّد علي طاهر الحمود مسارين متلازمين ومتناقضين يلتصقان بالثقافة في آن: الأول مسار التجرد من الانتماءات والعصبيات، وصولاً إلى الموضوعية المنهجية في التعاطي مع حقائق المجتمع، والثاني هو الاندماج العضوي بالمجتمع ذاته وقضاياه… وانطلاقاً من هذه الثنائية النظرية يمكن تحليل الواقع الثقافي في العراق، ففي هذا البلد طالما اختلطت الموضوعية المنهجية باستحقاقات مسايرة أيديولوجيا السلطة (القومية أو الإسلامية) حيناً، وعدم الرغبة بالتقيد بمسطرة العقل العلمي لانقطاعه عن العالم الخارجي أحياناً أخرى. ولعل السبب الأساس لهذا الانجرار الثقافي نحو الأيديولوجيا المهيمنة، يعود إلى ريعية الدولة، وتمكّنها من ربط عملية الإنتاج الثقافي بماكنتها، فما عاد المثقف في العراق سوى موظف ينتظر راتبه الشهري، بدلاً من أن يكون أستاذاً جامعياً منتمياً إلى جامعة مستقلة اقتصادياً وسياسياً، أو فناناً أو صحافياً منتمياً إلى مؤسسات القطاع الخاص المستقلة.
وفي جانب معتم آخر؛ يقول الحمود، إن ضرورة الاندماج العضوي بالمجتمع أخلى مكانه لصالح، ما سماه عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي، أبراجا عاجية، تمسك المثقفون بها ليتعالوا على هموم الناس وما يدور على أفواههم وفي قلوبهم. وقد يعود بُعد المثقفين عن المجتمع إلى اهتمامهم بالإنتاج اللغوي أكثر من اهتمامهم بالإنتاج البحثي، وأيضاً انعدام تقاليد العمل الجماعي، وشيوع الفردية التي لا تنتج تراكماً معرفياً ثقافياً بالضرورة. مضيفاً: إن الانحراف عن مساري الثقافة المتلازمين، أصاب الثقافة العراقية بأمراض متعددة منذ هيمنة الشمولية القومية حتى اليوم، حتى أصبح الحديث عن مثقف طائفي أو قومي أو قبلي أمرا غير مستهجن. وفضلاً عن كل ذلك فإن من الغريب البحث في عراق اليوم عن مثقف غير مسيس. وعلى الرغم من أن الثقافة في الأساس هي موقف سياسي، إلا أن انغماس المثقف في الفعل السياسي هو علامة فارقة تخص المثقف العراقي، لا سيما بعد عام 2003، وكأن دوره انحسر إلى ملء فراغ المشروعية التي يعاني منها السياسي في العملية السياسية الجارية في البلاد.
ترميم الخراب
غير أن الثقافة العراقية من وجهة نظر الكاتب سلام مكي الجنابي لم تستطع؛ بقطبيها: المثقف والمؤسسة الثقافية، أن تتحرر من الأزمات التي يعاني منها المجتمع والميادين الأخرى، إذ تم إقحام الثقافة، في أوحال السياسة ودهاليز الأحزاب، وأقبية المؤسسات الرجعية، لتكون جزءاً من الخراب الذي يمارس بشكل علني. وهذا الإقحام، جاء بفضل المثقف نفسه، الذي ارتضى أن يكون مهادناً للسلطة، خاضعاً لتوجهاتها، مبرراً لسلوكيات الحكام، أو الطبقة السياسية. وتوسعت محنة الثقافة العراقية، عبر حصر المثقف بخيارين لا ثالث لهما: إما مهادنة السلطة، أو التهميش. وهذا متأتٍّ من طبيعة تلك السلطة، خصوصاً التي جاءت بعد التغيير، التي ترى في المثقف خصماً عقائدياً، لابد من تركيعه على أعتاب الأيديولوجيات الدينية والقومية. وهذا ما حصل فعلاً، فبعد أكثر من عقد من الزمن على إنهاء حقبة الاستبداد، والدخول في حقبة التعددية والحرية، لم نجد سوى ثقافة ملوثة بأدران السلطة، لدرجة أنها أنتجت أفكاراً أشبه ما تكون بفيروسات فكرية داخل بنية الثقافة، لتسبب تآكل ذلك الجسد يوماً بعد يوم.
ويشير الجنابي إلى أن اغلب سمات الثقافة العراقية، يمكن اكتشافها بسهولة، من دون عناء اللجوء إلى نتاجات المثقفين العراقيين، ففي كل مجال حياتي عام، يمكننا إيجاد الثقافة، خصوصاً تلك الميادين التي لوثتها الأحزاب، وجعلتها أطلالاً، ومكبَّاً للنفايات الثقافية والسياسية على السواء، فالثقافة العراقية، يمكن أن نلمسها في خطاب السياسي، ورجل الدين، ورجل الأعمال، يمكننا أن نعثر عليها في أكثر المناطق الفكرية إشكالية وخراباً وعنفاً. المنجز الأدبي أصبح آخر مكان يمكننا البحث فيه عن سمات الثقافة، وهذا يعود إلى أسماء ثقافية معينة، لها الفضل في توريط الثقافة في مخلفات السياسة. وفي الوقت الذي يجب أن تكون الثقافة في مأمن من الخراب الشامل، نجدها وللأسف، جزءاً أساسياً من ذلك الخراب، بل إن خراب الثقافة يفوق خراب السياسة، فهو أكثر فداحة، فوظيفة المثقف يجب أن تكون ترميم الخراب، فهو أداة بناء لا معول هدم.
ويمكننا اكتشاف مدى خراب الثقافة وهشاشة الموقف الثقافي من السياسي، عبر النظر إلى المؤسسة الثقافية أولاً والمثقف نفسه ثانياً، فالمؤسسة الثقافية متمثلة باتحاد الأدباء ووزارة الثقافة، تحاول أن تظهر بمظهر الراعي للمثقف والثقافة، في حين أن وجودها جزء كبير من مشكلة الثقافة، فرغم سكوت الكثيرين على عمل تلك المؤسسة، وعدم إشغالها أي حيز في نقاشات المثقفين إلا نادراً، لكننا نجد أن بذور الخراب، دست في تربة المؤسسة الثقافية، وسقيت بموقف المثقف، المتخاذل والمهادن، لكل سلطة تواجهه، حتى لو كانت سلطة بائسة مهزوزة.
سلّة الفرص
وبرؤية جاسم السدر، فإن المشهد الثقافي العراقي الراهن تعترضه عقبات تمنعه من المضي قدماً نحو ما يأمل تحقيقه، ضبابية تشوش ذهنه المثقل بذاكرة ثقافية عشوائية، تجعله لا يحسن ترتيب جدول أولويات علاقاته البينية، وإصابات فكرية تدمي جسده العليل ابتداء، وسكونية نتجت عن عجزه في تشخيص حاضره، وصناعة رؤية يدخل بها نحو المستقبل، أضاع الفرص الثمينة وأهدر موارده الثقافية، حين لم يفرق بحسم بين ما يريد وما لا يريد، ولم يحدد بوضوح ساحة اشتغالاته، وما الأدوات التي يجب أن يمتلكها؟ بقي لسنوات غافياً مسترخياً في أفياء رومانسية حالمة، واستسلم ببلادة لمثالية عدمية، غادر معانداً توظيف الممكنات، ولم يتفهم اشتباكات واقعه وإكراهاته، ففقد بوصلته الثقافية متردياً في قعر المتاهة الاجتماعية ليصبح صدى لها وسط صراع صفري يشتعل من حوله، وتصله شظاياه.
ويقترح السدر للخروج من اشتباكات المشهد الثقافي وتداعياته المريرة، لابد أن ندرك أن الثقافة في عالم اليوم صناعة، لم تعد مجرد شعر يتلى أو أغنية تصدح، أو مسرح يشرع أبوابه أمام رواده، أو حديث بارد في معطيات الحداثة التي تنتسب إلى سياقاتها الثقافية وأطرها الفكرية ورؤاها الحضارية… مفترضاً أن الخطوة الأولى على طريق النقاهة الثقافية تبدأ بتشكيل مؤسسات تبتكر برامج وفعاليات ثقافية، تجسد رؤية وأفكارا مُؤسِسة، تحوز خريطة معرفية، وتمتلك بوصلة تؤشر بفاعلية أي ابتعاد عن الرؤية والأهداف الموضوعة سلفاً. كما أن البكاء على الفرص المهدورة لم يعد مجدياً، والنواح على أطلال المشهد لن يعدل المسار الثقافي، لذا آن لصناع المشهد الثقافي ونخبه والفاعلين فيه بشتى تصنيفاتهم أن يضعوا رؤية إستراتيجة تطويرية تشخص ابتداء نقاط القوة التي يمتلكها المشهد الثقافي، سعياً لتوظيف واستثمار أفضل، وعدم التغاضي عن نقاط الضعف سعياً لمعالجة تزيل الورم ولا تودي بالجسم النحيل، واستذكارا واعيا للتحديات والمخاطر التي تحيط بالمشهد الثقافي أملاً باستيعابها وتجاوزها بسلاسة ومرونة. وأخيراً استثمار سلة الفرص عبر ابتكار حزمة من آليات العرض والتسويق، لعلنا نقترب من خط شروع يضعنا بفاعلية في قلب المشهد الثقافي الذي نصبو إليه ونأمل فيه.
صفارة الإنذار
يقدّم الشاعر هيثم عيسى احتمالات عدّة يقرأ من خلالها بعض جذور الخراب، قائلاً إن كنا نثق تماماً بأننا في حرب دائمة، حرب لا تخمد إلا بولادة حرب أخرى، يصبح الحديث عن الثقافة ومنظومتها نوعاً من التلويح بخرقة حمراء لمجتمع مصاب بعمى الألوان.. وإذا افترضنا وجود مثل هذه المنظومة الثقافية فمن يقرر نوعية خطابها؟ مضيفاً أنه بشكل أو بآخر تبدو منظومتنا الثقافية كما لو أنها مدرسة على سطحها صفارة إنذار.. كان المعلم يقرر نوعية الخطاب لتلاميذه، بوصفه رسولاً أو يكاد، يقف بتجمل وثبات، بربطة عنقه وزرقة بدلته اللامعة، حتى إذا أطلقت صفارة الإنذار تحذيرها، يترك سبورته وتلاميذه ويركض بفزع نحو ملجأ يحتمي فيه، يركض فيركض التلاميذ من خلفه، يفقد توازنه فيسقط عند باب الصف فيمر التلاميذ من على جسده واحداً واحداً، يدوسونه بأحذيتهم ويعبرون، وحين ينتهي الوقت المحدد للإنذار ينهض المعلم، ينفض ما عليه من ألم ومهانة، ويعود إلى وقفته أمام السبورة، يتجمل ثانية ويحاول أن يقرر فلا يستطيع.
ما عاد القرار بيديه، القرار الآن بيد صفارة الإنذار وعليه أن يصغي إلى نوعية الخطاب الذي تقرره، هي لا هو، بينه وبين تلاميذه. ويبين عيسى أن صفارة الإنذار شكلت المجاز الذي نحيا به.. حل الطارئ محل نظام الكفاءة وأصبح التلاعب بالأدوار أمراً شائعاً ومخيفاً، وشيئاً فشيئاً صرنا نفقد لهجتنا الاجتماعية وغدونا عميان محشورين في مكان واحد، ما أن تقع الصفعة على أحدهم حتى تنشب معركة بين الجميع، معركة تبدأ ولا تنتهي… «ليست الحرب وحدها تملك صفارة الإنذار، الدين أيضاً حين يغدو مشروعاً لسلطة ما. القبيلة حين تكون أقوى من القانون. الطبيعة حين تكون نهباً وفريسة. الثقافة حين لا تستجيب لقضايا المجتمع وتشبعها تأويلاً. التاريخ وهو يتحدث عن جحا، العقل السياسي المنظم، من خلال حماره فحسب».
مشهد الانهيار
يعتقد كاظم عودة أن يكون الأساس المعرفي والثقافي مقوِّضاً للفعل المستند إليه نفسه، أي أنَّ هذا الأساس الذي كوَّنته عناصر ثلاثة وانتظمته على نسق تبادلي براغماتي هي: منشئ الرسالة أو المثقف، ورسالته- أثره، ومتلقيها؛ دلفت إليه معايير لا تتفق والمفهوم الثقافي، ولا تتحد والمصداق المعرفي، منها معيار الخداع ومعيار التكسب والتَّنفّع الماديين حتى أصبح المنشئ- سواء أكان مثقفاً أم معلماً أو عالماً- يدّعي استدراكه ما لم يدركه أحدٌ من قبل في نتاجه، فإذا نص الادّعاء مَسْطوّ عليه والحقيقة استحالت منى، وإذا الأتباع يسوغون نوايا صاحبهم. قِس هكذا على من دارَ أمر المعرفة والثقافة وكتبَ فيهما. والرأي هنا، إن الثُلة تبغي الظَّلة تحت اسم المفكر العربي أو العالمي المُوهم أمر فكره، وصولاً إلى علم النفوذ والنبوغ بعلم لا يستقى وفق إرادته، إنما يستقى من مُراد النفع به.
وهل المنتج الثقافي يسلم من هذا المعيار القاتل، إذا قُوبل بإعادة تركيب وفهم، أي إذا اشتبكت به القراءة؟ تعرف أن صاحبَ الصاحِب ليس بمخلٍّ صاحبه كما ليس عدو الصاحب بمسلِّم رأيه للاثنين، لكنه الصائب الرأي، النقي من شائبة الانتفاع المادي، وقِس على هذا الأخير كل قارئ صادق، وطالب علم ومثقف، وهؤلاء قليل في المجتمع، بل عكسهم يشكل السواد الأعظم في ساحتنا الثقافية والمعرفية، إذاً تشكّل الأساس الاجتماعي على رأس الأساس الثقافي ليرسما البعد الاقتصادي في مشهد الانهيار الثقافي العربي.
صفاء ذياب