لندن ـ «القدس العربي»: كشفت هجمات الأسبوع الماضي على مطار زافنتيم ومترو مالبيك في بروكسل عن مشاكل تعاني منها المؤسسات الأمنية الأوروبية.
وجاءت تصريحات مسؤولين أتراك نقلت عنهم صحيفة «الغارديان» يوم السبت لتظهر إنعدام التعاون الأمني بين الدول الأوروبية في ملاحقة المشتبه بتورطهم في نشاطات إرهابية ومحاولاتهم السفر إلى سوريا.
وقال مسؤول أمني تركي إن بلاده طلبت منذ عام 2012 قائمة بأسماء المشتبه بهم حتى تقوم بترحيلهم وتسليمهم لسلطات بلادهم. وبدون هذه القائمة فليس أمام السلطات التركية إلا خيار حبس وترحيل من يحاول السفر إلى سوريا بتهمة خرق الحدود بطريقة غير قانونية.
وقدم المسؤولون سلسلة من الأمثلة عن سفر بريطاني مشتبه به وبجواز سفره المقيد لدى الشرطة الدولية «انتربول» ونجاح ألماني في الوصول إلى تركيا ومعه منظار وزي عسكري، فيما استطاع نرويجي تهريب زي عسكري ومخزن ذخيرة وقطع من بندقية إي كي ـ 47 في حقيبته وأكد للمحققين الأتراك أنه كان يرغب في السفر إلى سوريا.
وجاءت تصريحات المسؤولين الأتراك بعدما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن سلطات بلاده رحلت الشخص الذي فجر نفسه في المطار وهو إبراهيم البكراوي العام الماضي بينما أطلقت السلطات البلجيكية سراحه لعدم وجود أدلة لتورطه في الإرهاب. وقال الأتراك إن الذين تم ترحيلهم عادة ما يحصلون على جوازات سفر جديدة ثم يعودون مرة أخرى ويدخلون إلى سوريا.
وفي تفسير للموقف الأوروبي «المتهاون» قال مسؤول آخر إن الأوروبيين ربما رغبوا في تصدير مشكلة التشدد التي يواجهونها إلى سوريا والتخلص من الرموز المرتبطة بالإرهاب. فيما قال مسؤول آخر إن عدم التعاون ربما كانت له علاقة بعدم ثقة المسؤولين الأوروبيين بأردوغان الذي جاء من أرضية إسلامية.
مشاكل
ومهما كانت تصريحات الأتراك إلا ان حادث بروكسل يكشف عن عدم نجاح السلطات الأمنية البلجيكية في تجميع الخيوط وربط النقاط فيما بينها بطريقة كانت ستمنع الهجمات الإرهابية التي سقط فيها 31 شخصاً وجرح المئات.
ويرى دان دي لوتش من مجلة «فورين بوليسي» أن الهجمات الأخيرة تكشف عن مشاكل عدة تواجه المؤسسات الأمنية الغربية التي تحاول إحباط العمليات الإرهابية التي يقوم بها متطرفون تابعون لتنظيم «الدولة» والمتمثلة في البيروقراطية وعدم التشارك والتنسيق بين المؤسسات الأمنية واستغلال الجهاديين الحدود الأوروبية المفتوحة والإختفاء بين المجتمعات الإسلامية المعزولة والمهمشة والتي تعيش داخل الأحياء الفقيرة في مولنبيك/بروكسل والضواحي الباريسية «بانلو».
ويقول إن حملات المداهمة والاعتقالات في الفترة التي تبعت الهجمات وشملت مدنا في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا تكشف عن الحاجة للتوازي مع نشاط الشبكات الإرهابية التي تواصل القتل.
وتقول المخابرات في الدول الأوروبية إنها تكتشف في كل يوم مؤامرات لو نجحت لأدت لقتلى على قاعدة واسعة.
ويرى دي لوتش أن مستوى التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الإرهاب عادة ما يكون أقل رغم سلسلة الهجمات التي تعرضت لها خلال الخمس عشرة سنة الماضية. وعبر السناتور الأمريكي أنغوس كينغ الذي قال انه قابل مسؤولين في باريس وبرلين عن قلقه من مظاهرالتنافس والتدخلات السياسية التي تمنع تدفق المعلومات بين دول الإتحاد الأوروبي ولكن بين الدول نفسها، تماما كما كان الوضع بين الإستخبارات الأمريكية «سي آي إيه»، ومكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي أي» قبل هجمات أيلول/سبتمبر 2001.
وقال «من المفارقة انه لا يوجد هناك تشارك في داخل بروكسل نفسها» مضيفاً أن «الأوروبيين في الوضع نفسه الذي كنا فيه قبل 9/11».
وأضافت المجلة أنه تم تحذير القادة الأوروبيين بشكل متكرر. بعد هجمات مدريد عام 2004 والتي قتل فيها 192 شخصاً وبعد هجات تموز/يوليو 2005 في لندن والتي قتل فيها 52 شخصاً وبعد هجمات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 والتي قتل فيها 130 شخصاً حيث تم حث المسؤولين الأوروبيين على التأكد من تبادل الشرطة والمخابرات وسلطات الهجرة المعلومات وأن يكونوا متقدمين على المتشددين في خططهم.
فجوة
ورغم حدوث تقدم إلا أن الفجوة لا تزال واسعة. وبحسب إريك روساند، المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية والمتخصص في مكافحة الإرهاب «ولكن مؤسسات الإتحاد الأوروبي بطيئة الحركة».
وأضاف أن منسق مكافحة الإرهاب وهو المنصب الذي استحدث بعد هجمات مدريد عام 2004 لا يتمتع بأي سلطة «فهو ذو لقب كبير ويصدر تقارير رائعة لكن صلاحياته محدودة وبدون مصادر».
وكان منسق شؤون مكافحة الإرهاب في الإتحاد غايل دي كيرشوف قد أصدر تقريراً هذا الشهر حذر فيه من أن التشارك المعلوماتي بين دول الإتحاد الأوروبي لا يعكس خطورة التهديد ودعا إلى تشارك إضافي في المعلومات وأمن الحدود. وتحدث التقرير عن أن الكثير من الدول الأوروبية ليست جاهزة بما فيه الكفاية من ناحية قاعدة بيانات الحمض النووي والبصمات وأرقام لوحات السيارات التي تعود للمشتبه بعلاقتهم بالإرهاب.
وفشلت دول في الإستفادة من قاعدة البيانات المتعلقة بمن تمت إدانتهم في قضايا إرهاب. ولم تقم كل الدول الأوروبية بالتواصل مع قاعدة البيانات المتوفرة لدى الإنتربول.
ويتحدث الكاتب عن الحواجز البيروقراطية المتعلقة بقوانين الخصوصية الفردية التي تؤثر على عمل المؤسسات الأمنية وقدرتها على ملاحقة المشتبه بهم والتنصت عليهم.
ولم تلغ السلطات البلجيكية قانوناً يمنع الشرطة من القيام بمداهمات ليلية إلا بعد هجمات باريس. وعبر مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون عن حالة إحباط مزمنة مع الدول الأوروبية التي لم تتخذ إجراءات سريعة لتعزيز جهود مشاركة المعلومات حول المسافرين على الطائرات.
وبحسب مسؤول في الخارجية الأمريكية «هذا لم يكن ليمنع الهجوم ولكن سيستمر في المستقبل في حال استمرت أوروبا بعدم التشارك في المعلومات حول كل مسافر فيما بينها». وكانت الدول الأوروبية قد ناقشت موضوع التشارك في قوائم المسافرين على الطائرات من وفي داخل دول الإتحاد الأوروبي عام 2011 واتفقت في كانون الأول/ديسمبر على القانون والذي سيقوم البرلمان الأوروبي بالتصويت عليه هذا العام.
وفي الوقت الذي تقوم فيه الدول الأوروبية بالرد على الهجمات بإجراءات متشددة كما فعلت فرنسا التي قررت العمل بإجراءات موسعة لقوانين الطوارئ عبرت منظمات حقوق الإنسان عن مخاطر من مبالغة الحكومات الأوروبية في ردودها التي تؤثر على الحريات المدنية. وتواجه مؤسسات مكافحة الإرهاب الآن شبكة واسعة من الناشطين الإرهابيين أوسع مما توقعت.
ونقلت المجلة عن مصادر قضائية في بلجيكيا يوم الجمعة تأكيدها وجود روابط بين هجمات باريس وبروكسل. فقد قام نجم العشراوي المسؤول عن صناعة الأحزمة الناسفة التي استخدمت في باريس بتفجير نفسه في بروكسل يوم الثلاثاء.
ونقلت المجلة عن مسؤول أمني فرنسي سابق قوله إن مشكلة أوروبا تكمن في دمج ما لديها من معلومات في عمل الأجهزة الأمنية ـ المخابرات والشرطة ومكافحة الإرهاب. ووصف المسؤول السابق هجمات بروكسل وباريس بأنها موجة جديدة من الإرهاب في أوروبا.
ولا تشبه الهجمات التي واجهت أوروبا في السبعينيات من القرن الماضي مثل بادرماينهوف ألمانيا والكتائب الحمراء في إيطاليا.
ولا تشبه العنف الذي مارسته الجماعات الإسلامية الجزائرية في فرنسا في العقد الأخير من القرن العشرين.
وقال «المشكلة ليست قتال العدو البعيد» في إشارة لتنظيم «الدولة» في سوريا والعراق بل والقريب «فالعدو ليس في الخارج ولكنه في الداخل».
وعلى خلاف الحقب التاريخية السابقة فقد سهلت الحدود المفتوحة حركة الجهاديين الذين تركوا أحياءهم المعزولة في المدن الفرنسية وانطلقوا للانضمام لجماعات الجهاد في سوريا. وأصبحت بلجيكا في الأعوام الماضية نقطة التجنيد الجهادي «الساخنة» في أوروبا.
وبدأت الشرطة البلجيكية في الآونة الأخيرة ببناء علاقات ثقة مع المجتمعات المسلمة في الأحياء الفقيرة ـ عائلات وائمة وعمال خدمة اجتماعية.
رائحة كريهة
وفي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» قابلت فيه مالك العمارة التي أقام فيها المنفذون الثلاثة مصنعاً مؤقتاً للسلاح بشارع ماك ـ روس كشفت كيف لم تقم السلطات البلجيكية بالربط بين الخيوط.
ويقول صاحب العمارة الكسندارينو رودريغوز «كانت هناك تحقيقات قبل وبعد الأحداث» مما يعني أن الشرطة كانت لديها شكوكها «فلا يمكنك القبض على الأرنب بدون أن تعرف أين يعيش»، ومع ذلك فمعروف أن بلجيكا لم يكن لديها تاريخ استعماري مع العالم الإسلامي كما في حالة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
وتنبع المشكلة من وجود أعداد كبيرة من المسلمين الذين يعيشون في الأحياء المعزولة جعلت من بلجيكا في مركز صراع أوروبا مع الإرهاب.
ومع ذلك فقد أثارت التحضيرات الطويلة للهجمات وبدون أن تعرف السلطات الأمنية بها وعلاقتها مع هجمات باريس غضب السياسين والرأي العام والحلفاء في أوروبا وفي الخارج. وسأل النائب في البرلمان البلجيكي ماركو فان هيس وزير الداخلية «لماذا كل هذا العجز المستمر».
وترى الصحيفة أن بلجيكا مثلت مشكلة كبيرة في الكفاح ضد المتشددين. وكان تفكيك شبكة إرهابية في فيرفييه في جنوب البلاد والتي أحبطت عملية كبيرة نصراً للسلطات الأمنية لكنه غطى على المشكلة ولم يحلها وقد انفجرت لاحقاً في هجمات باريس وفي بروكسل الأسبوع الماضي بقنابل صنعت في حي سكاربيك.
وتساءل النواب عن قدرة الأخوين إبراهيم وخالد البكراوي على التخفي في شارع ماكس-روس نفسه منذ بداية العام رغم تاريخهما في الجريمة ومحاولة الأخ الأكبر السفر إلى سوريا. وفي حالة صلاح عبد السلام الناجي الوحيد من هجمات باريس تساءل النواب عن سبب بقائه طليقاً لمدة أربعة أشهر حتى اعتقاله في 18 آذار/مارس.
وتساءل عدد من النواب عن سبب تأخر التحقيق مع عبد السلام الذي كان سيكشف عن معلومات كافية لإحباط الهجوم.
ولكن المدعي العام أصدر بياناً يوم الجمعة قال فيه إن التأخر نابع من تعرض عبد السلام للإصابة استدعت نقله للمستشفى. وبحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية فقد سأل المحققون عبدالسلام عن الأخوين البكراوي وقدموا له صوراً لهما ولكنه نفى معرفته بهما.
نجم العشراوي
وسواء عرف عبد السلام مخططي تفجيرات بروكسل أم لا إلا أنه كان يعرف بعضاً منهم مثل نجم العشراوي الذي نشأ في حي سكاربيك وقام بصناعة الأحزمة.
وقبل الهجوم على باريس أوقفته السلطات النمساوية على الحدود المجرية ولكنها لم تعتقله وقام بعد ذلك باستئجار شقة في حي أوفليه استخدمها مفجرو باريس. وكان العشراوي مثل عبد الحميد أبا عود من المحاربين السابقين في سوريا.
وقال بيرنارد كليرفيت، عمدة سكاربيك إنه كان يعرف عن سفر العشراوي إلى سوريا ولكنه لم يكن يعرف ماذا يفعل. واعتقد أنه لن يعود وقام بشطب اسمه من قوائم الناخبين عام 2015 ولم يكن بيده عمل أكثر من هذا. وعلى خلاف مولنبيك التي تعيش فيها غالبية من المهاجرين فحي سكاربيك يقدم مزيجاً من الغنى والمهاجرين.
ومن هنا فمعرفة العشراوي بالمنطقة ولكون والد الأخوين البكراوي يدير محلاً للجزارة فيها تفسر سبب اختيار سكاربيك كمكان للتحضير وصناعة الأحزمة الناسفة. ويقول صاحب العمارة إنه شاهد العشراوي يزور البناية ثلاث مرات تقريباً وأن البناية كانت فارغة منذ شرائه لها عام 2015 حيث بدأ عمليات إصلاح فيها.
وكان الأخوان البكراوي هما أول من استأجر عنده وقدما له وثائق مزورة للحصول على عقد إيجار.
ويقول إنه كلما زار الشقة وجد باب غرفة المعيشة مغلقاً والنوافذ مفتوحة والروائح الكريهة منبعثة، رائحة منظفات أو مواد كيميائية ورغم هذا فلم يشك في شيء غير طبيعي دفعه للإتصال بالشرطة.
إلا أن دخول وخروج سكان الشقة في الطابق العلوي أثارا شك رشيد غادي الذي يعيش في المنطقة منذ سنين. ودفع السكان للفت انتباه المسؤول عن التحقق من هويات السكان في الحي. ولم يكشف عن هوية الأخوين البكراوي إلا متأخراً.
ومهما كان العجز الأوروبي في الكشف عن خلية إرهابية محكمة متشابكة ومرتبطة فيما بينها وتتصل ليس بباريس ولكن بالهجوم على مجلة «تشارلي إيبدو» الساخرة. فالسؤال الحاضر الآن هل تمثل عملية بروكسل نهاية للعمليات الخارجية لتنظيم «الدولة» أم انها بداية لموجة هجمات منسقة؟
هل هي العملية الأخيرة؟
وفي هذا السياق نقلت صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية ما قاله وزير العدل البلجيكي كوين جينز «يجب علينا أن لا نكون فخورين بما حدث»، «فربما فعلنا أمراً ما كان يجب عمله». فلو قرأت الشرطة تقرير الأتراك عن البكراوي لتحركت سريعاً وألقت القبض على المشتبه بهم.
وأشارت الصحيفة إلى راوبط الدم والصداقة التي لعبت دوراً في تشكيل الشبكة الإرهابية. ففي باريس كان صلاح عبد السلام وشقيقه إبراهيم.
وتكرر المشهد في علاقة إبراهيم وخالد البكراوي وقبلهما الأخوان كواشي اللذان هاجما المجلة الساخرة «تشارلي إبيدو».
ويرى ريك كولسيت من معهد جيت للدراسات الدولية «ارتبط كل الأفراد ببعضهم البعض، سواء التقوا في العراق وسوريا أو ارتبطوا بروابط الصداقة في بروكسل. وهو ما نراه منذ تشرين الثاني/نوفمبر وقد تذهب أبعد من هذا إلى شارلي إيبدو».
وأضاف «يقوم المقاتلون الأجانب بتجديد الصلات مع المتعاطفين معهم ممن لم يسافروا إلى سوريا والذين يعرفونهم من المدرسة ونوادي الرياضة. ولهذا يكون لديك أشخاص لديهم خبرة في الأسلحة والقنابل وأصدقاء محليون يقدمون لك الدعم اللوجيستي».
وتشير الصحيفة إلى ان أعضاء الشبكة إما فجروا أنفسهم، او قتلوا في مواجهة مع الشرطة او اعتقلوا. وهناك ما يزيد عن 20 شخصاً ممن يشبته بعلاقتهم بالإرهاب خلف القضبان.
وكان أبا عود قبل مقتله العام الماضي قد حذر من 90 انتحاريا في أوروبا يحضرون لعمليات. وهو ما يراه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، الذي قال للصحافيين إنه تم سحق خلية وهناك بالتأكيد خلايا آخرى.
ويقول كولسيت «كل الأدلة تشير إلى أن هناك خلايا أخرى في دول أوروبا المختلفة تعمل غير هذه التي تم تفكيكها».
ويقول إن هناك 130 عائداً من الحرب في سوريا ومن الصعب التفريق من هربوا منهم بسبب خيبة أملهم بما شاهدوه في «الخلافة» من المقاتلين الآيديولوجيين الذين يريدون القيام بهجمات.
وهناك عدد من العائدين ممن سجنوا. ولهذا فمراقبة كل الذين عادوا تظل مهمة صعبة ويحتاج كل فرد منهم 30-40 شرطياً لمراقبته 24 ساعة. كما أن العلاقات الوثيقة بين الأشخاص والذين قدموا الدعم لعبد السلام بعد هروبه من باريس عقدت من مهمة الشرطة.
استمرار الخطر
وعلى العموم فالرسالة الأخيرة من بروكسل وبعد التعرف على المشاركين كما تم مع الذين خططوا ونفذوا هجمات باريس هي أن الحكومات الغربية لم تعد قادرة على توفير الحماية للمواطنين.
فبعد أكثر من عقد ونصف عقد على هجمات أيلول/سبتمبر التي قتل فيها 3.000 شخص لم يكن الناس خاصة في العالم الإسلامي بعيدين عن مخاطر التهديد الإسلامي.
فتفكيك خلية أو شبكة في أوروبا لن ينهي تنظيم «الدولة»، وحتى لو تم القضاء على الأخير فهذا لا يعني نهاية التشدد الإسلامي الذي يرى جيسون بيرك أن عمره 150 عاماً وارتبط في البداية بالنقاش الداخلي بين المسلمين حول التعامل مع الحداثة الأوروبية وأخذ أشكالاً عدة إلا أن العنف بدأ في الستينات من القرن الماضي ثم جاءت القاعدة والجهاديون في أفغانستان وما تبع ذلك معروف.
فالأجواء التي تبعت غزو كل من افغانستان والعراق خلقت ظرفاً للتشدد الإسلامي.
وفجر المتشددون أنفسهم من مراكش إلى بالي. ورغم تراجع مخاطر الظاهرة بحلول عام 2011 إلا أن تداعيات ما بعد الربيع العربي خلقت ظرفاً جديداً سمح للتفكير الجديد من التشدد الإسلامي الذي ولد في بوتقة غزو العراق بالظهور.
فالمشروع القديم لإحياء الأمة وبناء مجتمع مسلم حقيقي عبر العنف تمظهر عام 2014 من خلال تنظيم «الدولة». وهو في النهاية مظهر من مظاهر الإرهاب الذي يعيش العالم الحديث معه. وتنظيم «الدولة» في النهاية يمثل احدى دورات العنف التي تختفي ثم تحل محلها أخرى جديدة. وإن كنا لا نعرف ماهية التهديد المقبل لكننا سنواجه واحداً هو في طور التشكل.
إبراهيم درويش