سوريا تتنفس شعرا.. مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا

حجم الخط
0

احتضنت مدينة كولن يومي 19و20 آذار/مارس 2016 مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا تحت شعار «لأن القصيدة ممكنة فالحياة ممكنة»، مهرجان جمع شعب سوريا «المشتت».
شعراء (مها بكر، لينة عطفة، فدوى كيلاني، رشا حبال، يونس الحكيم، رائد وحش، خضر الآغا، مروان علي، عساف العساف، وداد نبي، ريبر يوسف، عمار الجمعة، حسن شاحوت، حسن إبرهيم الحسن، صدام العبدالله، أحمد الشمام، فواز القادري، عارف حمزة، فايز العباس، ومحمد المطرود) و جمهور جاؤوا من مدن ألمانية مختلفة تجمعوا ليتشبثوا بالحياة ولا شيء غيرها.
الشاعر محمد المطرود صاحب فكرة المهرجان وأحد منظميه، أكد على أن المهرجان ينتصر لجوهر المعنى «لأن القصيدة ممكنة فالحياة ممكنة»، مؤكدا على حرص منظمي المهرجان والمشاركين فيه على تبني الشعار السالف انتصارا للحياة، وركلا لكل الخراب الذي سببته الحرب، مستندين إلى الكتابة باعتبارها فعل خلق وجمال. فايز العباس أحد منظمي المهرجان و المشاركين فيه لم يحد عما قاله محمد المطرود «هل يستطيع الشعر جمع المهشّم وتحويله إلى حالة جمالية؟ ربما هذا هو السؤال الذي كان يدور في رأسي أثناء التحضيرات لهذا المهرجان الذي كان الهدف الأهم المراد منه هو أن نعيد لم شمل الثقافة السورية التي تشتت كما تشتت الشعب السوري في الأصقاع، من هنا كان التفكير بعقلية البحث عن أكثر من شكل وحالة وطريقة كتابة شعرية لدى الشعراء والكتاب السوريين الموجودين في ألمانيا، والاختيار تم بناء على حالة التمايز الكتابي، وعدم تكريس الأسماء المكرسة أصلا. المهرجان حقق نجاحا كبيرا على أكثر من مستوى؛ من حيث الحضور الجماهيري والإعلامي، ومن حيث مستوى النصوص التي قُدّمت، ومن حيث كونها تجربة رائدة ومنفردة على مستوى الوجود العربي عموما والسوري خصوصا في أوروبا، وهو خطوة واعدة لإثبات الهوية الثقافية السورية، ورسالة للعالم تبين أن الشعب السوري قادر على خلق ذاته ضمن أي ظرف وفي أي مكان».
ضمن السياق نفسه، تحدثت فدوى الكيلاني عن مشاركتها «خرجت أسماك الشعر من محيطها الأم إلى محيطها الاغترابي لتقول لا للموت.. نعم للحياة ولتثبت أن أحلام الشعراء لا تموت أبدا، وأن دموع أصحاب الكلمة تسقط على الأرض لتنبت شعرا وإبداعا. فكان مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا بعنوانه الذي يدل عليه تظاهرة ثقافية متميزة وهي الأولى من نوعها في ألمانيا، استطاعت أن توصل رسالة واضحة بأننا، نحن السوريين، مستمرون بالحياة والإبداع، رغم كل الظروف التي نعيشها ويعيشها وطننا الحبيب، فكان الإبداع حاضرا من خلال القصائد التي استمتع بها جمهور متعطش للشعر، استمتع بقصائد مختلفة الإيقاع والمضأمينبمشاركة واسعة من شاعرات وشعراء أتوا ليثبتوا أن الكلمة هي رصاصة في وجه المستبد الظالم، فتآلف الشعراء وأبدعوا وأمتعوا الحضور التواق والمشتاق.
لقد كان المهرجان انتصارا للثقافة السورية وارتقاء بثقافة الموت إلى ثقافة الحياة، ولقد كان خطوة مهمة في رحلة البحث عن القصيدة السورية في المهجر، وفرصة للتواصل وتقديم رسالة للعالم بأن سورية ليست بلدا للإرهاب، وأن السوري ليس لاجئا فقط، بل صاحب رسالة سامية وثقافة راقية وفكر متحضر».
ومن جهة أخرى عبر ربير يوسف عما منحه له المهرجان كسوري أولا وكشاعر ليعيده لطرقات الشعر والحياة «ثمة سحر خفيّ، يظّاهر آن تعقّب المرء ذاك الصوت الغريب في داخله، هو صوت كائنٍ يوثّقنا بالزمن أبداً. مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا وضعني في مرمى صوتي، تماماً في اللحظة ذاتها التي هاتفني فيها الصديق الشاعر محمد المطرود مدير المهرجان بخصوص الفعالية، توجّست بتلك الفكرة العميقة بالنسبة إليَّ، وهي كيف سأسمع صوتي لحظة القراءة، خروجي من سوريا قبل ستة أعوام وعيشي في عاصمة واسعة ومنظمة، دفعاني إلى الإنحسار نحو داخلي مثل سلحفاة تشعر بأخطار لا متناهية، لم أقرأ الشعر طوال تلك السنوات، كان كل شيء صامتاً وداخلياً، لم أك قد سمعت كل ما كتبته في هذا البلد بصوتي، إذن، كانت ثمة مواجهة حاسمة وجديدة وضعتني على حجر زمن جديد، هو الزمن لحظة القراءة بصوت عالٍ جار الزمن لحظة الكتابة، تمرنت على صوتي كما لو كان كائناً حديث الولادة وينبغي عليّ التنقيب في روحه فأكتشفه لأعرفه واعتاد عليه فلا أخافه ولا يخافني. ارتجف صوتي لحظة القراءة بين أصدقاء كلّ منهم كان متوجساً بصوته، أصدقاء كانوا في مثابة القماط الأولى للوليد، هناك، في المهرجان، حدثت معادلة سحرية أخرى ذات علاقة بالعين، إذ أن أغلب الأصدقاء – الشاعرات والشعراء – لم أكن قد التقيتهم من قبل، كان تواصلنا عبر تلك النوافذ الزرقاء الافتراضية، ثمة سحر ظاهر يتفتّق في العيون، هناك، في كولن، انفتحت النوافذ التي من لحم ودم في ما بيننا، تلك النوافذ الموجودة في رؤوسنا والتي نكنّها بالعيون، ثمة ثورتان حقيقةً، ثورة مواجهة الصوت – صوتك اللاسري، وأخرى مواجهة العين التي تغتالها وسائل التواصل الافتراضية وقوانين صارمة في مجتمع رأسمالي، وحده الفن يعيد للمرء توازنه فيه. هاتان الثورتان تلمست النصر فيهما خلال مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا».
الشعراء الوافدون للمهرجان لم يقتصروا على الأسماء المدرجة ضمن الفعالية، بل ثمة من جاء فقط للاستماع واللقاء بأصدقائه وعناق سوريا في حضن أصدقائه، الشاعر محمد زادة كان من الحاضرين المشجعين الجائعين للشعر والحياة «أعيش في ألمانيا منذ عشرين عاما وكنت أزور سوريا كل ليلة بخيالاتي معتمدا على صور الذاكرة، التي تعود لما قبل عام 1996 إلى أن حدثت المفاجأة الجميلة وقيل لي أن سوريا في الطريق إلى كولن. وصلت قبل نصف ساعة إلى هناك وانتظرت بشغف من ينتظر أمه إلى أن دخلت سوريا إلى المكان، دخلت بكل عشاقها.. بكل فراشاتها وقالت للجميع أنا سوريا أما تلك التي ترونها على الشاشات فهي المكائد التي حطت بي وستزول.. فكما كانت الحرب ممكنة فالحياة أيضا ممكنة والقصيدة قالت هذا الشيء إن الحياة ممكنة. إنه مهرجان الشعر مسرح الكلمة التي ستبقى، الكلمة التي حملها شعراء وشاعرات يمثلون الوجه الحقيقي لسوريا الصامدة، سفراء الكلمة، سفراء الوجدان سفراء الحب الأبدي لأرض غسلتها الدماء. المهرجان الذي قدم للغرب صورة صادقة عن النسيج السوري، فسوريا بلد الحضارات ولم تكن يوما بلد الإرهاب بل كانت ضحيته الثمينة. لو كان عندي متسع من الوقت لكنت علقت على صدر كل مشارك وردة بيضاء وهمست له بأنني سأنتظر بشوق مهرجاننا المقبل».
يومان من الشعر والكثير من الحب شهدناه في عيون وكلمات الشعراء، حسن شاحوت تحدث بعفوية وفرح طفل «ثمة فرح نعجز التعبير عنه، أعجز التعبير عن فرحتي بهذا المهرجان، استطعنا أن نجتمع رغم المسافات، وشتاتنا، غسلنا بدمعنا ما تركه أحمر وأسود الحرب فينا، هل تستطيع الكلمة أن تضمد جرح الحرب؟ نعم تستطيع، مهرجان للقصيدة السورية، شعراء وجمهورا جاؤوا من مدن مختلفة رغم المسافات وكلفة التنقل.. بتأكيد تستطيع.. لن تصدقي فرحتك بسوري مثلك حمل حقيبته الصغيرة وجاء فقط ليعانقك».
بالفرح والحماس ذاتهما تحدث خضر الآغا عن مشاركته «لعدة أسباب شكل المهرجان طاقة إيجابية، منها أنه أعادني، بصفة شخصية، لكتابة الشعر حيث انقطعت عنه لفترة. وأعاد حميمية الشعر للمشاركين، وربما أيضاً للحضور، إذ أن الحضور لم يقتصر على القاطنين في مدينة كولونيا فحسب، بل ثمة من جاء من أماكن بعيدة جداً، وعادوا بانطباعات –غالباً – جيدة. كذلك التقيت بأصدقاء لم ألتق بهم منذ زمن.. وتعرفت إلى شعراء كنت أقرأ لهم فحسب، كان هذا أمراً رائعاً.
تضمن المهرجان أشكالاً شعرية متعددة بين قصيدة المجاز والقصيدة اليومية والشفوية والسرد.. وبهذا تجلت، على نحو راق، ديمقراطية الشعر، بالإضافة إلى مشاركة أجيال شعرية متعددة. الأكثر أهمية من هذا وذاك، أنه تزامن مع الذكرى الخامسة للثورة السورية، كانت قصائد الشعراء بيوتاً للحزن والألم والدمع، حضرت المدن السورية والأحياء والبراميل المتفجرة وأوديسة السوريين التي يكتبونها يومياً وعلى مدار الساعة في الطرقات المجهولة والغابات والبحار وبوليس الحدود في الكرة الأرضية.. هذا المهرجان كما هو للشعر، فإنه للسوريين في كارثتهم الفريدة».
مهرجان القصيدة السورية الأول سجل حضورا لافتا للعنصر النسائي، لينة عطفة شاعرة شابة مازالت في بداياتها تحدثت عن مشاركتها وعن المهرجان «خطوة رائعة على صعيد شخصي وعلى صعيد جمعي. لقد منعني النظام السوري من المشاركة في أي فعالية ثقافية منذ عام 2006 كنت وقتها في السابعة عشرة من عمري، وبعد كل هذه السنوات أشارك في مهرجان للقصيدة السورية الأول في ألمانيا، الأقدار التي ساقت السوريين إلى الموت والمنافي مرعبة، لكننا أبناء الحياة ونرفض الموت بكل أشكاله، والكتابة شكل من أشكال المقاومة ومن أشكال التشبث بالحياة. الشعر يمثل الحالة العليا للفن عبر التاريخ البشري والألمان يقدرون الفنون والإبداع كثيرا، وهو لغتهم في الخطاب الإنساني وينظرون إلى الآخر من خلال الفن الذي يقدّمه، كان رائعا أن يتيح المهرجان فرصة لنقدم هويتنا السورية الأصيلة من خلاله، يعقد المهرجان في مدينة كولونيا التي وقعت فيها أحداث صدمت الغرب، وتمت محاولات لإلصاق تلك الأحداث المريعة باللاجئين السوريين الهاربين من الموت. فكان المهرجان رسالة حبّ وفنّ وشعر لنقول للآخر إن الوصول إلى هذا البلد الجديد ليس نهاية الحكاية، بل هو بداية جديدة ومتصلة بالحكاية السورية الأصلية، نحن نحاول استغلال كل فرصة لنخبر العالم عن سوريا وقصتها ومأساتها.. وإننا نحاول أن نندمج في هذا المكان والمجتمع الجديد وقصائدنا التي نتحدث بها عن حنيننا وانكسارنا وتوقنا للرجوع فيها نوع من التشارك مع الآخر، إذ أننا نبوح له بجروحنا الداخلية وحزننا وخيبتنا، خصوصا أن المجتمع الألماني يستعد لاستيعابنا كجزء منه، ساعدتني معلمتي الألمانية لترجمة وحفظ كلمة ترحيبية باللغة الألمانية، كان الحضور الألماني لافتا وتأثرهم جميلا ويحمل الكثير من الدعم لتكريس هكذا لقاءات ثقافية، كذلك الحضور السوري، وتمّت تغطية المهرجان بكافة الوسائل المكتوبة والمرئية والمسموعة وكانت له أصداء إيجابية بين السوريين والألمان. إنجاز جميل أن يجتمع هذا العدد من الشاعرات والشعراء السوريين عربا وكردا بعد تلك الهجرة القسرية وأن ينجحوا في إيصال روح القضية السورية في الذكرى الخامسة لانطلاق الثورة السورية وتحت علم الثورة. أعتقد سيكون المهرجان سنويا وسيكون هناك الكثير من الفعاليات الثقافية مع مشاركات أوسع من شعراء وكتّاب أيضا».
مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا ولد كبيرا بتمسكه بجوهر رسالته بشهادة السوريين الذين قطعوا مسافات كبيرة فقط ليكونوا قلب سوريا وبشهادة الأصدقاء المغاربة والألمان الذين حضروا المهرجان، ورغم غياب الدعم المادي إلا مساعدات الأصدقاء، فإن المهرجان كسب الرهان تنظيما ومحتوى ليبقى رهان الاستمرار.

مبروكة علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية