لا أحد في السلطة أو على ضفاف السلطة في الأردن يريد الاقرار بان نحو 3800 قضية مسجلة وقيد أمني حتى منتصف الشهر الحالي مصنفة بالمخدرات مسألة ينبغي ان تقرع كل أجراس الخطر في الكون لكي تقول بان المجتمع الاردني المحافظ بطبيعته اجتماعيا ودينيا يواجه خطرا محدقا وكمينا ثقيلا يحتاج لما يتجاوز مجرد وقفة بل لقرار سياسي من أعلى المرجعيات بالمراجعة والتقييم والحل.
هذا العدد من قضايا المخدرات التي سجلت رسميا لا يشمل بطبيعة الحال القضايا التي لم تكشف، وهو عدد رقمي مرعب ويثير الهلع إذا ما عرفنا انه يتحدث عن حوالي 75 يوما فقط من العام الحالي وبالتالي نتحدث عن نحو 12 الف قضية إذا استمر المعدل الرقمي حتى نهاية العام الحالي دون ان تراقب الاجهزة الحكومية والسلطة القضايا التي لا تكتشف او يرصدها الأمن..
الأمن الاردني بإمكانات مالية محدودة وبكادر ضيق جدا يدير بعبقرية وبجهد خارق المواجهة المعقدة مع امبراطورية الشر والانحراف التي تواجه المجتمع.
تحدث محام صديق متخصص بهذا النوع من القضايا عن شعوره الشخصي بالرعب بسبب النمو الكبير في قيود تعاطي المخدرات، ويتحدث الاردنيون في مجالسهم يوميا عن مناطق مغلقة ومعروفة بالمتاجرة بكل ما هو ممنوع وأمام الملأ، و يتحدث رئيس الجامعة الاردنية الأسبق الدكتور اخليف الطراونة عن تعاطي مخدرات في أوساط الطلبة.
المدارس لا تخلو ايضا من المرض العضال وقوات الدرك اقتحمت مؤخرا مزرعة يزرع فيها الحشيش داخل الأردن، وسط أنباء عن مزارع اخرى معروفة يديرها نافذون تعرفهم السلطة ويحتك بهم المجتمع بل أن بعضهم يتصدرون كمصدرين لصنف بهيئة رجال أعمال وفي بعض الأحيان بهيئة ممثلين للناس.
أربعة على الأقل من وزراء الداخلية في الأردن حدثوني شخصيا عن همومهم المتصدرة معترفين بالقلق الشديد جراء التنامي الغريب في ظاهرة تجارة المخدرات وتعاطيها حيث يتحدث الخبراء ولأول مرة عن سوق محلية لأسوأ وأردأ أنواع الحشيش والمخدر خصوصا وأن الصناعة المحلية البائسة موجودة لمادة الجوكر التي تعسف بالعقول وتهلك الأجساد في أوساط الشباب.
الأجهزة الأمنية تقوم بواجباتها لكنها ليست المسؤولة عن تثقيف ووقاية المجتمع، والدولة هي المتضرر الأبرز من الضغط والابتزاز الناتج عن مشكلات عوالم المخدرات التي تنمو وتتسع في مملكة كان شعبها دائما في المواجهة الأولى اجتماعيا وثقافيا مع ظواهر الانحراف والجريمة.
المخدرات هنا كالإرهاب تماما لا تعرف اصلا او منبتا، وليس سرا ان الأرقام الأكبر في المدن المركزية وليس فقط في الأطراف وهي مرض يجتاح المخيم والبادية والقرى البائسة وسط ذهول الناس واقرار رموز المجتمع بنمو مشكلة لا ينتبه لها الكثيرون.
أعلم بحكم الاطلاع وعبر الانترنت عن تلك الإشارات التي تظهر على وجه الإنسان خصوصا الشاب بعد تعاطيه لأنواع رخيصة من المخدر، وقد قابلت مباشرة وجها لوجه بعض هؤلاء مؤخرا، خصوصا وأن المدارس بما فيها مدارس البنات لم تسلم من هذه الموجة التي تلطم قلب المجتمع ووجه الدولة والقانون والنظام.
أمام عائلتي وبعد ملامسة بالسيارة وقفت مباشرة امام شابين يافعين بدت عليهما كل مظاهر التحشيش وسرعان ما أدركت ورطتي و«نفذت بريشي» من مواجهة قال صديقي الشاعر باسل الرفايعة أنها ينبغي ان لا تحصل.
بكل الأحوال المتخدرون أو المتعاطون أو حتى المخدرات نفسها أصبحت رجلا يمشي على رجلين بكل الشحم واللحم وبدون عقل وسط المجتمع والمئات من القضايا المصنفة جنائيا يتبين اليوم انها حصلت بفعل المخدرات الرخيصة التي يصنعها بائسون مرضى أو عاطلون عن العمل أو مراهقون فاشلون بلا أمل في أقبية المنازل والكهوف المجاورة وبعض كراجات السيارات حيث لا يتطلب الأمر اكثر من مبيد صراصير وحشرات يخلط مع مسحوق حبوب البندول ومواد لاصقة واشياء اخرى غريبة لكي ينتج مخدر رديء ومصنع محليا وفتاك بعقل وصحة الإنسان.
طبعا لا تستطيع اي دولة في العالم تخصيص رجل أمن لمراقبة كل مواطن.
لكن الدول تستطيع ان تبدأ بإعلان مواجهة حقيقية مع آفة مثل المخدرات عبر الإقرار أولا بالمشكلة والتحدث عنها وتجنب لفلفتها أمنيا، ثم عبر تحديد مسؤوليات الجميع لأن المشكلة اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وبيروقراطية وليست ولن تكون أمنية فقط.
الوقاية ينبغي ان تبدأ من المنزل والبيت وتستمر في المدرسة والجامعة ولا مناص من الاعتراف هذه المرة بأن المجتمع الاردني يغرق فعلا في وحل آفة المخدرات وهي آفة مطلوب لتحديها إرادة سياسية جادة وفعالة وواضحة ولا تقبل القسمة على اثنين خلافا لقضايا وملفات اخرى.
لا تقوم المؤسسات البيروقراطية المدنية بواجبها ويميل المسؤولون للإنكار وعدم المواجهة، وبالتالي تنحصر الحرب في رجل الأمن المسكين المطالب دوما بإصلاح ما يفسده او ينكره السياسيون.
اذا كان جذب الاستثمار لم يحظ بعد بإرادة سياسية حقيقية وكذلك مكافحة الفساد أو حتى الإرهاب والتطرف والاصلاح السياسي والاقتصادي فان مكافحة المخدرات ملف يختلف بكل التفاصيل ولا يقبل الإرجاء او التأجيل ولا يحتمل التسييس ولا اجتهادات السياسيين السقيمة. مهما تطلب الأمر وللحفاظ على البنية الأخلاقية في المجتمع من أجل النظام قبل الحكومة، والسلطة قبل الناس، ينبغي التحرك وبسرعة لأن المخدرات الرخيصة تنتهك المجتمع في أزقة المخيمات وطرق القرى والأطراف وساحات المدن المكتظة وفي الشمال والجنوب والوسط معا.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين