بين الحين والآخر، يطلع علينا الإسرائيليون وداعموهم الأمريكيون والأوروبيون بنظريات عجيبة مرتبطة بإعادة إحياء عملية المفاوضات المتعثرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من أجل الوصول إلى حل الدولتين وإحلال السلام الدائم بينهما. وكان آخرهم جون كيري، وزير الخارجية الأمريكية عندما طرح خطته لإقامة ‘السلام الاقتصادي’ كخطوة تمهيدية لتحقيق ‘السلام السياسي’ وفق زعمه، بعدما فشل – خلال زياراته المتكررة إلى المنطقة – في التوصل إلى نتائج إيجابية مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وتحريك عجلة المفاوضات بينهما مجدداً، التي تجمدت منذ ثلاث سنوات. تقضي خطة سلام كيري الاقتصادية بالعمل على جذب نحو أربعة مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأخذ كيري في التسويق لها بعدما شرح أهميتها معتبراً أنها ستزيد الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 50′ خلال ثلاث سنوات، وستعمل على رفع متوسط الرواتب وتأمين عدد جديد من الوظائف يكفي لخفض معدل البطالة. باختصار شديد إنها ‘ستبث الحياة بصورة واسعة في الاقتصاد الفلسطيني الضعيف’، كما يدعي كيري. وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد طرحت اليوم نظرية ‘السلام الاقتصادي’ وتسعى لتطبيقها، فيمكننا القول إنها إسرائيلية الصنع والمنشأ بامتياز، عندما طرحها أولاً موشي دايان، وزير الدفاع الإسرائيلي عام 1968، عقب احتلال كامل التراب الفلسطيني وأراض عربية أخرى لتحقيق ما سماه بالتكامل الاقتصادي، والانخراط بين إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين حديثاً، ثم جاء بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ليتبنى هذه النظرية من جديد. أما مطلقها الرسمي فكان توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، بعدما أصبح رئيس اللجنة الرباعية الدولية المكلفة الإشراف على المسيرة السلمية، باعتبارها الطريق الوحيد نحو السلام المنشود، بعدما فشل في دعم العملية السياسية السلمية. وأتى خلفه غوردن براون ليتحدث أيضاً عن ‘السلام الاقتصادي’ بين الفلسطينيين والإسرائيليين وعن امتلاكه ‘خطة طريق’ لذلك. وبذلك تأتي طروحات كيري وبلير وبراون وسواهم لتتماهى مع طروحات إسرائيل وتدعم مخططاتها بصورة فاضحة. أما ‘السلام الاقتصادي’ من وجهة نظر إسرائيل، فهو محاصرة الفلسطينيين وتجويعهم وسلبهم ما يملكون من مقومات سياسية واقتصادية واجتماعية لبناء مجتمع سليم متكامل ودولة حرة ذات سيادة، ثم طرح المشاريع الاستثمارية الأجنبية في الأراضي الفلسطينية بحجة حرصهم على إنعاش الاقتصاد الفلسطيني، هذا الاقتصاد الذي دمره الإسرائيليون بأيديهم، كي يسهل عليهم إحكام قبضتهم على الشعب الفلسطيني. ولتحقيق ذلك وأهداف استيطانية أخرى، شرعت إسرائيل في تشييد الجدار الفاصل على امتداد الضفة الغربية وإلى الشرق من الخط الأخضر، بطول يقدر بنحو 700 كيلومتر. أدى تشييده إلى نتائج كارثية على الفلسطينيين واقتصادهم، فقام بعزل بعض التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، وعن بقية مناطق الضفة الغربية، وتشتيت السكان الفلسطينيين وإفقارهم في المناطق المتضررة، وعرقلة عملية تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية والتبادل التجاري، وإضافة قيود جديدة على حركة البضائع والأفراد، مما فاقم من المصاعب الناجمة عن التردي الاقتصادي المرافق للإغلاقات وحظر التجول وانتشار الطرق الالتفافية والحواجز الاسرائيلية. كما أدى الشروع في بنائه إلى تجريف أعداد كبيرة من الأشجار المعمّرة والمثمرة (الزيتون والفاكهة) وتدمير كيلومترات من شبكات الري والطرق الزراعية، ومصادرة الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وتدمير المنشآت الزراعية أو منع الناس من الوصول إليها، وإلى تراجع ملحوظ للمشروعات الاستثمارية. فبات الفلسطينيون يعيشون في معازل بشرية أشبه بـ’الغيتوات’ أو في سجن كبير. وإذا أرادت إسرائيل تطوير الاقتصاد الفلسطيني كما تدعي، فلماذا وهي منذ البداية، عملت جاهدة لتدمير هذا الاقتصاد وقتل بناه التحتية ومقوماته الطبيعية المتواضعة، إذا لم تكن تسعى إلى فرض معادلة استعمارية جديدة قديمة – باتت واضحة للجميع – وهي معادلة الهيمنة الإسرائيلية والتبعية الفلسطينية، لضمان تعاون الفلسطينيين معها، إن لم نقل خنوعهم لها في الحفاظ على الأمن الإسرائيلي ومنع محاولتهم التمرد على السجن الإسرائيلي الكبير الذي باتوا يعيشون فيه، حفاظاً على لقمة عيشهم ومصالحهم الاقتصادية المستجدة و’عيشهم الرغيد’. ونقول إن من يملك الاقتصاد يملك القرار، ويملك الفعل، ويملك ردات الفعل. فالسلام الاقتصادي الاسرائيلي أو الأمريكي أو الأوروبي المزعوم لن يعدو عن كونه شكلاً آخر من أشكال الاحتلال والهيمنة الاسرائيلية لسلب الفلسطينيين إرادتهم الحرة. وكان على كيري بدل أن يحاول التودد إلى الفلسطينيين ويجول على محالهم التجارية ويتناول من وجباتهم الشعبية (ربما ظناً منه بأنه يدعم اقتصادهم المحلي)، أن يزور الجدار الفاصل ويتعرف عن قرب الى تداعياته الكارثية على حياتهم. فلنجعل الجدار الفاصل معلماً من معالم الضــــفة الغـــربية، ليس كالمعالم الأثرية والسياحية التـــي يزورها الناس للاستئناس بجمالها، ولكن معلماً فاضحاً على عنصرية إسرائيل وهمجيتها، التي يجب أن تكون قد أصبحت غير مقبولة مطلقاً في يومنا هذا، الذي أزيلت فيه الحواجز الفاصلة بين البشر، وهدمت فيه جدران الاغتصاب والاحتلال والفصل العنصري جميعها، ومعلماً صارخاً على حقيقة أهداف إسرائيل تجاه الفلسطينيين واقتصادهم. أزيلوا الاحتلال والجدار الفاصل وأعيدوا للفلسطينيين أراضيهم وبيوتهم ومياههم وأشجارهم التي اغتصبتموها، فلن يستقيم الاحتلال وأساليبه العنصرية والاستيطانية مع مختلف طروحات السلام مهما كان نوع هذا السلام أو شكله.