مشكلة التحالف الإسلامي العسكري

أعادت أحداث بروكسل الأخيرة إلى الواجهة مرة أخرى الحديث عن «التحالف الإسلامي العسكري»، الذي نشأت فكرته كمبادرة سعودية بعد أحداث باريس الأخيرة، بغرض إتاحة فرصة للدول العربية والإسلامية لإثبات جديتها في مكافحة الإرهاب.
ما فهمه معظم المراقبين من التصريحات السياسية هو أن هذا التحالف سيأخذ زمام المبادرة من القوى الغربية، وسيتحرك وفق تعريفه الخاص الذي لن يقتصر على «داعش» ولن ينحصر بمكان واحد، بل سيوجد حيث يوجد تهديد للمصالح العربية والإسلامية. إلا أن تصريحات تالية لمسؤولين سعوديين وأتراك خلقت حالة من الالتباس عند أولئك الذين تحمسوا لتلك القوة العسكرية الإسلامية، التي ستفرض نفسها كمعادل موضوعي جديد في المنطقة. تلك التصريحات كانت تؤكد وتشدد على أن هذا التحالف، الذي ما يزال قيد التشكيل، لن يتحرك إلا بتنسيق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. إذا قرأنا ذلك مع التصريحات الأمريكية التي اقترحت منذ البداية تدخلاً برياً في سوريا، لكن بأفراد من المنطقة وليس بواسطة جنود أمريكيين، فسيكون الافتراض بأن هذه القوة الإسلامية الجديدة هي مجرد لواء تحت القيادة الغربية، وجيهاً، لكن خطراً في الوقت ذاته، حيث سيهدم كل الدعاية التي رافقت الدعوة لهذا التحالف على أساس أنه مبادرة مستقلة.
لقد مر عام على تشكيل تحالف الحزم العربي الذي تشكل من عدة دول لهدف إعادة الشرعية اليمنية وحماية الأمن السعودي من التهديدات الإيرانية، ويرى كثير من صناع القرارات في المنطقة أن نجاح ذلك التحالف، كان المشجّع الأكبر للتفكير في التحالف الإسلامي الجديد. والسؤال: لماذا نحتاج لتحالف جديد إذا كان لدينا تحالف الحزم الذي استبشر به الناس وحرضوه على التوجه إلى سوريا بعد الفراغ من الحوثيين؟ وإذا كان تحالف الحزم مكون في الأساس من الدول العربية فلماذا احتجنا مرة أخرى لإنشاء ما سيسمى بالتحالف العربي أو قوة الدفاع العربية المشتركة أو غيرها من الأسماء؟ الإجابة الواضحة التي لا يمكن التهرب منها تتلخص في أن دول المنطقة، في معظمها، لم تؤمن بعد بمبدأ الدفاع الجماعي، رغم كل ما تتغنى به من عبارات عن وحدة التاريخ والمصير المشترك، فقد ثبت بالتجربة أن الأولوية تعطى دائماً للمصلحة الوطنية على حساب كل ما هو قومي عربي أو إسلامي. لكن هل هناك تعارض بين المصلحة الوطنية والدفاع الجماعي؟ الأصل ألا يكون هناك تعارض، وأن يكون الدفاع الجماعي مكملاً للدفاع عن الأمن الوطني، وأن يتزايد الاعتماد على التكتل الدفاعي الذي بإمكانه أن يقدم ما لا تستطيع دولة واحدة تقديمه لنفسها. ويحدث ذلك فقط حين تمتلك تلك الدول استراتيجية وأولويات موحدة للدفاع والعلاقات الخارجية.
هل توجد تلك الاستراتيجية الموحدة حالياً، لا أقول على امتداد العالم الإسلامي ولكن حتى على المحيط الخليجي وفي مقابل مسألة حساسة كالعلاقة مع إيران؟ إن المنعطفات التي مرت بها العلاقة مع الجار الإيراني وحلفائه منذ «عاصفة الحزم» وحتى خلال الأزمة السعودية الإيرانية الأخيرة، أكدت أن هناك تباينات مهمة في وجهات النظر الخليجية. قد يجمع هؤلاء على إدانة الطرف الإيراني لتعديه على حصانة البعثات الدبلوماسية أو لتدخلاته في شؤون غيره، لكننا لن نجد إجماعاً موازياً فيما يخص قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع طهران، أو التعامل معها كونها خصما معاديا تستحق تصرفاته الرد. هذه التباينات ستتسع بالتأكيد لو انتقلنا للإطار العربي الذي، رغم أنه بني بحسب أدبيات الجامعة العربية على التعاون والدفاع المشترك، إلا أننا لن نجد موقفاً تصدت فيه هذه الجامعة أو تلك الدول بجدية لتهديد خارجي على إحداها، بل إن الدول العربية نفسها ما عادت تعوّل على الجامعة وأعضائها من أجل حماية نفسها، حيث يفضّل الغالب من الدول الدخول في تحالفات استراتيجية خارجية، في حين تفضل أغلب الدول الخليجية الاتكاء على القوة الأمريكية.
هناك مستجد بالطبع فيما يتعلق بالنقطة الجديدة وهو ما فهم من التصريحات الأمريكية خلال العام الأخير، وما بدا وكأنه رسالة لدول الخليج مفادها أن أمريكا لن تكون على الدوام حاضرة للدفاع عنهم وأن عليهم أن يخففوا من اعتمادهم المطلق عليها، وهو ما تعمّق بعد التقارب الإيراني الأمريكي بعد توقيع الاتفاق النووي وبروز السؤال: في حال نشب صراع بين ضفتي الخليج مع من سيقف الأمريكيون؟ مع حلفائهم التقليديين أم مع الحليف الجديد؟ هذا المستجد هو ما دفع السعودية لخوض حربها في اليمن، ولخلق تحالف للدول الصديقة والشقيقة، وللدهشة فإن أول من خذلها كان جناحها المصري الذي تعامل مع الموضوع بتردد وبرود.
هنا يجب ألا نتجاهل أزمة الثقة المزروعة بين دول الإقليم منذ عقود، فبداية من اجتياح واحتلال العراق للكويت تولدت أطروحة جديدة مفادها أن الخطر قد يأتي من قبل من تدعوهم بـ»أشقائك»، وهو ما تدعّم بعد ذلك عبر المؤامرات البينية التي اشتركت فيها بعض هذه الدول ضد غيرها، عبر التحريض الإعلامي، أو حتى عبر التدخل الصريح الساعي بقوة لزعزعة الأوضاع، عبر دعم المجموعات المعارضة أو حتى دعم الانقلابات العسكرية. كل ذلك جعل من مهمة أن يكون التجمع العسكري العربي مظلة شاملة للجميع مهمة صعبة. فما لم تقتنع هذه الدول بأن بإمكانها فعلاً الاعتماد على التحالف الجديد ضد أي خطر، وأن الدول التي تشترك معها مستعدة فعلاً لفعل كل ما بوسعها من أجل حمايتها، وأنها لن تطعنها في الظهر أو تغدر بها عند أول سانحة تتعارض فيها المصالح.
لوم الجامعة العربية ونقد تحركاتها الخجولة ليس في الواقع سوى تهرب من نقد الأنظمة العربية المترددة التي لا تشكل الجامعة إلا مجرد صدى لترددها. على سبيل المثال فإن الجامعة قامت بإرسال رسالة حازمة لإيران إبان اعتدائها الأخيرة على البعثات الدبلوماسية السعودية. كانت خطوة موفقة، لكن لنتذكر أن الجامعة نفسها كانت قد بعثت برسالة، ربما تحمل الحزم والإدانة نفسها، لتركيا إثر ما سمي بـ»تدخلها في العراق» وأنها لم تتخذ أي خطوة معلنة ضد التدخل الروسي والإيراني الممتد في أرض وسماء سوريا.
العراق حالة لوحده وهو نموذج لما يمكن أن يعنيه حديثنا عن «التحالفات المتناقضة»، فمن ناحية يجمع العرب على أنه صار جزءاً من النفوذ الإيراني، إذا لم نقل إنه يدخل فعلياً تحت السيادة الإيرانية، وهذا ما يجعله خارج كل تحالف تشكله السعودية، لكن العراق في الوقت ذاته دولة عربية، أي شريك أصيل في هذا النادي. شريك ينتظر التضامن والنصرة في حال تعرضت «سيادته» للانتقاص، وهو ما جعل الدول العربية تقف معه في وجه تركيا التي تحاول السعودية وغيرها ضمها للتحالف العربي أو الإسلامي. عضوية العراق في النادي العربي لم تسمح فقط بتوجيهات انتقادات حادة لتركيا، بل كان لها الأثر الأكبر في تمرير السياسات الطائفية التمييزية والسكوت عن جرائم العصابات والمليشيات المدعومة رسمياً ضد أهل السنة.
من جهة أخرى تواجه تركيا مصاعب إقليمية متزايدة تجعلها توازن تعاطيها مع الملف الإيراني بحيث تلتزم بالدبلوماسية وضبط النفس، حتى حين تتعرض لمواقف صعبة كالعمليات الإرهابية الأخيرة. ستتعامل تركيا بتردد مع «عاصفة الحزم» ومع التحالفات التي بإمكانها أن تجمعها مع مصر أو مع دول عربية أخرى لم تخف تصريحات منسوبيها روح الشماتة في الدولة التركية إبان كل أزمة تتعرض لها. انتقاد المجموعة العربية لتركيا إزاء الموضوع العراقي سيجعلها تتمسك أكثر بمكانها كوسيط محايد بين الفرقاء وعلى رأسهم السعودية وإيران.
أما باكستان التي راهنت عليها المملكة لما تملكه من قوة بشرية وتكنولوجية فإن موقفها، ورغم الزيارات المتكررة من قيادات سعودية، لم يتجاوز التأكيد على التمسك بعقيدة الدفاع عن الحرمين وعن المملكة ضد أي تهديد خارجي مع التعامل بحذر مع دعوات الاصطفاف ضد إيران، لعدة أسباب منها الأزمات الداخلية التي تواجهها باكستان وملف مكافحة الإرهاب والحدود الخطرة مع أفغانستان، وهو ما يجعل البلاد غير مستعدة أبداً لفتح جبهة جديدة مع إيران، قد تتحول لمواجهة مع الأقليات الشيعية أو للخلايا النائمة الموالية للولي الفقيه. هكذا، فإن باكستان لا يمكن أن تأخذ مشروع التحالف الجديد على محمل جدي ولا يمكن أن تغير من استراتيجياتها الدفاعية لصالح من قد يتأخرون في نصرتها إن احتاجت للدفاع عن وحدة أراضيها. لكل ذلك فإن مهمة التحالف الإسلامي المتفق عليها كانت الاكتفاء بحرب تنظيم الدولة. كلمة «إسلامي» هنا لا تعني أن جميع الدولة المنضوية تحت لوائه هي إسلامية، حيث أن منها من يعتز بعلمانيته، كما أنه سيكون من المدهش اعتبار دول كـ»توغو» و»الغابون» و»ساحل العاج» دولاً إسلامية. أيضاً فإنه لن يكون من السهل اعتبار أن هدف الحلف إسلامي بالأساس مع وجود كل هذا الخليط.
المعوق الآخر لهذا التحالف، عدم وجود تعريف موحد للإرهاب، فكثيراً ما نجد تنظيماً مدعوماً من بلد رغم تصنيفه كإرهابي في بلد آخر. الواضح أن التحالف غير معني حالياً بملاحقة الجماعات العلمانية التي تمارس الإرهاب في تركيا وغيرها، ولا بالإرهاب الصهيوني الذي وصل حدود أبواب الأقصى، ناهيك عن البورمي أو الإرهاب الذي يهدف لاستئصال المسلمين في أفريقيا. لا تدخل في أولويات هذا الحلف مسألة إرهاب النظام السوري لشعبه، حيث يتجنب القائمون عليه طرح هذه القضية في الوقت الحالي، باعتبار أن بعض الأعضاء قد يتحفظون على التدخل في سوريا إلا ربما لو كان لمجرد الاكتفاء بملاحقة «المتشددين».
ما هو مصير هذا التحالف وكيف ستكون تحركاته؟ كيف سيكون تدخل هذا التحالف المطروح على الساحة السورية؟ هل سيكتفي بضرب «داعش» و»القاعدة»؟ وهل سيسمح بانتصار أي فريق إسلامي «معتدل» وسيطرته على الأرض في الوقت الذي يعادي فيه أغلب هذه الدول بشكل معلن ما يسمى بـ»تيارات الإسلام السياسي».
لقد كنا في الماضي ننتقد تنظيم «القاعدة» وأشباهه بقولنا إنهم لو كانوا صادقين في جهادهم لبدأوا من فلسطين، وقلنا مثل ذلك لما يسمى بمحور المقاومة حين ترك قضيته التي استخدمها لبناء شعبيته من أجل مناصرة النظام الأسدي، لكننا نبدو اليوم غير مختلفين كثيراً عنهم، فمحورنا الإسلامي ـ السني يرى هو أيضاً أن القدس لم تعد القضية المركزية التي بالتوحد لحلها يمكن حل جميع العقد، بل يرى في المقابل أن إرهاب الحركات المقاتلة الإسلامية هو الأولوية. ليس فقط أولوية بل أجندة وحيدة، فالإشارة للصهاينة كعدو، ولو من طرف خفي، ستغضب الكثيرين ليس فقط داخل «المجتمع الدولي» البعيد، ولكن أيضاً من بعض الدول القريبة التي ترى وجوب التنسيق مع الكيان من أجل حرب «العدو المشترك»!

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية