خضعت الهوية الوطنية العراقية منذ احتلال العراق إلى تأثير العديد من الأنظمة الإقليمية والتيارات المذهبية الدينية، حيث ساهم الاختلاف الفكري والقومي الإقليمي في التأثير على أهمية محورية الهوية الوطنية، ومن ثم دفعها إلى اتجاهات مختلفة ومتعارضة، وبالتالي ظهور خلط وازدواجية في التعامل مع مفهوم الوطنية العابرة للطوائف والقوميات والفكر الديني الطائفي بصفته الفئوية والشمولية.
الأمر الذي أدى إلى تدخل الأحزاب الطائفية في شؤون الدولة وتأثير توجهات زعمائها على حرمة وقدسية السيادة الوطنية واستقلاليتها وعلاقاتها مع محيطها الخارجي، بعد أن نجحت هذه الأحزاب الدينية والتيارات الطائفية في احتواء الحركات الوطنية المدنية لتضع نفسها في النهاية أمام أهداف جديدة لا علاقة لها بأمور الشعب، ولا بمستقبل البلاد بعد تحويرها لنشاط التيارات المدنية بما يخدم ثقافة زعماء الأحزاب الإثنية، الأمر الذي أدى إلى حرمان الشعب من بوصلته الوطنية وظهور حالة من الضبابية بين الخاص الوطني العابر للطوائف، والعام الديني الطائفي الذي ربط حالة التنوع القومي والإثني العراقي مع الاجندات الإقليمية لبعض الدول في المنطقة.
قد تبدو تداعيات المشهد السياسي العراقي التي نعيشها في الوقت الحاضر، وما يرافقها من صراع بين الأحزاب الدينية الحاكمة، بعد دعوة السيد مقتدى الصدر لانتفاضة شعبية تهدف إلى إزاحة حكومة «الفساد» وتشكيل حكومة تكنوقراط، وكأنها حلقة جديدة اخرى من مسلسل صراع الأحزاب الدينية على السلطة، الذي تعود على سماعه العراقيين، نتيجة لتشريع نظام المحاصصة السيئ الصيت الذي أقره دستور بريمر، الا ان «انتفاضة الصدر» هذه تثير استفهامات عديدة حيث يراهن العراقيون على احتمال قدرتها على تغيير اسس العملية السياسية الطائفية وتوجيهها اتجاها وطنيا، رغم أن البعض الآخر لا يرى من خلالها سوى مواجهة «شيعية ـ شيعية»، لن تسمح بتغيير جوهر العملية السياسية الطائفي باتجاه وطني.
فثمة حديث نسمعه من هنا وهناك عن السيد مقتدى الصدر، وعن مدى توافق جميع العراقيين وبجميع مكوناتهم وقبولهم به كشخصية وطنية مـؤهلة لقيادة الشارع العراقي المنتفض ضد النظام الفاسد، اذا أخذنا بعين الاعتبار الدور الرمزي الطائفي الذي يتمتع به ومدى مقبوليته في تنظيم وإدارة الحراك العراقي، لضرورة وحاجة الشعب الماسة بمختلف مكوناته وتياراته الوطنية في أن يكون التمثيل من خلال زعيم وطني يمثل العراقيين قبل أن يكون ممثلاً وزعيما طائفيا بامتياز.
لا شك أن شكل وإشكالية حراك الشارع العراقي في مظهره الخارجي الذي نراه من خلال عمامة وعباءة السيد مقتدى الصدر، لا يبدو متجانسا مع الأهداف والمطالب الشعبية المتمثلة في ضرورة العودة إلى نظام حكم مدني، بعيدا عن تدخل رجال الدين الذين سرقوا البلاد باسم الدين السياسي الذي جلب الويلات لبلدنا وفرّق العراقيين. ولكن رغم حقيقة هذه الهوية الطائفية التي يتمتع بها الصدر الا ان مطالب الحراك العراقي الذي يقوده والإرادة الشعبية التي جاء بها لاقتحام المنطقة الخضراء لتغيير الواقع العراقي، تتماشى وتتطابق مع أهداف كل العراقيين من شيعة وسنة وأقليات، وتتمتع بمسانده جميع الأحزاب الوطنية العابرة للطوائف، الساعية إلى إعادة اللحمة العراقية وإنقاذ العراق من خطر التقسيم والضياع. وكما ان المطالب الوطنية الذي يحملها الملايين من العراقيين ويقودها الصدر، هي التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار، بغض النظر عن هوية وصبغة الطائفة والمذهب للزعيم السياسي او الزعيم الديني الذي يقودها، وقد تكون تصريحات السيد مقتدى الأخيرة في طابعها الوطني الجامع، وحمله للعلم العراقي على كتفه الأيسر إشارات لا يمكن الاستهانة بها، نظرا للأهمية الرمزية لراية العراق الوطنية التي هي المرجعية الأولى لكل العراقيين. من هذا المنطق، أصبحت التحولات الجديدة للمشهد السياسي العراقي وانتفاضة الشارع العراقي الذي يقوده الصدر اكثر وضوحا بعد ان أثبتت تداعيات الأيام الأخيرة، عن اتساع حجم الانتفاضة الشعبية ونجاحها بعد استطاعة السيد مقتدى دخول المنطقة الخضراء محمياً بالآلاف من أتباعه، ومن ثم نجاحه شخصياً في البروز كقوة رئيسية لا يستهان بها، ويحسب لها ابتداء من الآن ألف حساب في المعادلة السياسية التي لا تزال لحد هذه اللحظة تحت سيطرة حزب الدعوة، الذي تمثله دائرة نوري المالكي والمؤسسات الحزبية والعسكرية التابعة له.
وهنا فإن أمام الصدر اذ أراد إنجاح ثورة العراقيين، العمل على إنهاء هذه الازدواجية وتوحيد الهوية الوطنية العابرة للطوائف عن طريق توسيع القاعدة الشعبية ونبذ الخلافات الماضية وتهيئة الظروف المناسبة لبناء قاعدة عراقية وطنية على أساس المواطنة. كما على الآخرين ممن لا تتوافق طموحاتهم وآراؤهم ولأسباب عقائدية، ســــياسية او شخصية مع السيد مقتدى الصدر، الاســتفادة من دروس الماضي، واغتنام الفرصة لإنقاذ العراق من الفاسدين ونظام المحاصصة واستغلال حالة تصدع الحركات الطائفية وتناحر أطرافها في الوقت الحاضر، التي تعكس بالضرورة صورة التيارات الفئوية وحقيقة مصداقيتها وزيف ولائها للإنسان العراقي. فالعراق ليس عراق مقتدى الصدر ولا عراق الشيعة والسنة، بل عراق الشرفاء وكل الوطنيين.
٭ كاتب عراقي
أمير المفرجي