إسطنبول ـ «القدس العربي»: بمؤشر تصاعدي كبير، تتزايد أعداد العرب والأجانب الذين يتملكون عقارات في الأراضي التركية خاصة في مدينة إسطنبول، في نقطة تحول يرى فيها البعض ثورة اقتصادية كبيرة في قطاع العقارات والاقتصاد التركي بشكل عام، بينما يشكك آخرين بانعكاساتها التي من الممكن أن تحولها إلى مجازفة إستراتيجية، على حد وصفهم.
نقطة التحول بدأت في عام 2012، عندما عدلت تركيا قانون تملك الأجانب للعقارات، ليصبح بإمكان معظم الأجانب تملك الشقق والأراضي في تركيا دون شروط مسبقة، عقب إلغاء القانون السابق الذي كان يشترط السماح للتركي بالتملك بنفس القدر في دولة الشخص الذي يريد التملك على أراضيها.
وتم تمرير القانون رقم «6302» المتعلق بالمادتين 35 و36 لقانون حيازة الأراضي، واللتين نصتا في السابق على منح حقوق تملك لأي مواطن أجنبي مماثلة لما تمنحه بلده للمواطن التركي، ولكن بعد التعديل تم رفع ذلك الشرط ليصبح التملك مفتوحًا لمواطني 183 بلد (ليس كل البلدان)، مع اشتراط استيفائهم مجموعة من الشروط، وهو ما يفسر نمو التملك الأجنبي بشكل ملحوظ منذ عام 2013 وصاعدًا.
ومنذ بدء تطبيق هذا القانون تملك عشرات الآلاف من الأجانب والعرب شقق سكنية وأراضي في المحافظات التركية المختلفة، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام التكهنات حول بعض المخاطر التي يمكن أن تنتج عن هذه الخطوة، خاصة أن مواطني دولة واحدة تملكوا قرابة 30 ألف عقار، وهو ما قد يرى فيه البعض تهديداً للأمن القومي للدولة.
لكن وبحسب القانون الذي اطلعت عليه «القدس العربي» فإن مواطني بعض الدول لا يزال لا يسمح لهم التملك في تركيا أهمها سوريا وأرمينيا وكوريا الشمالية، كما أن البلاد التي تمتلك حدودًا مع تركيا، مثل إيران والعراق وجورجيا وبلغاريا، لا يحق لها تملك الأراضي والعقارات في الولايات التركية المتاخمة لها مباشرة، علاوة على أن اليونان تحديدًا، ونتيجة للخلافات التاريخية بينها وبين تركيا، وتخوف الأتراك عامة من طموحات هيمنتها ولو بشكل غير مباشر على ساحل المتوسط، لا يحق لمواطنيها التملك في 26 ولاية ساحلية بما فيها إسطنبول وولاية أدرنه الحدودية، في حين يمكن لهم التملك في قلب الأناضول.
هذه الاستثناءات يرى فيها محللون تحصيناً للأمن التركي الاستراتيجي من أي تخوفات مستقبلية، معتبرين أن الأمر يخلو من أي مخاطرة إستراتيجية قد تهدد الأمن القومي التركي، وأنه في أسوأ الأحوال لن يتعدى بعض المشاكل القانونية أو بعض المشاكل الاقتصادية التي قد تنتح في حال حثت أي دولة مواطنيها على عدم العيش في تركيا والخروج منها.
وبحسب ما استفسرت «القدس العربي» من مواطنين عرب وأجانب تملكوا عقارات في إسطنبول، فإن عملية الشراء لا تتم بشكل نهائي قبل الحصول على إذن وموافقة رسمية من هيئة تابعة للجيش التركي يتم منحها بعد التأكد من هوية المشتري الأجنبي ومكان العقار حيث يشترط ألا يقع في منطقة قريبة من مقرات الجيش والمؤسسات الهامة والحساسة في الدولة.
ويحق للكثير من مواطني العالم التملك حتى المساحة القصوى المسموح بها، بما في ذلك دول الخليج، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، والمغرب، ولبنان، والبرازيل، والأرجنتين، في حين يحق لمواطني الصين والهند والفيليبين والعراق التملك فقط بعد الحصول على إذن خاص من وزارة الداخلية.
وبموجب القانون الجديد، لا يحق لأي فرد أجنبي تملك أكثر من 30 فدانًا، كما لا يحق له حيازة أملاك داخل مناطق محظورة عسكريًا أو أمنيًا، ولا يُسمح بأن يكون إجمالي مساحة الأرض المشتراه، أو التي حيزت حقوق انتفاع بها، أكثر من 10٪ من مساحة الحي أو المقاطعة الموجودة بها، كما يسمح لأية مقاطعة بوضع شروط إضافية عن طريق سلطاتها المحلية إذ ارتأت ذلك.
وبعد تمرير القانون في 2012، أصبح البريطانيون هم الأكثر تملكًا في تركيا، بحوالي 35 ألف مواطن، ثم الروس والألمان والنرويجيون والأيرلنديون والدنماركيون والهولنديون والسويديون.
عربياً وبحسب مؤسسة الإحصاء التركية احتل المواطن العراقي المركز الأول في تصنيف الأجانب من حيث شراء العقارات في عام 2015، حيث وصل عدد العقارات التي اشتراها المواطنون العراقيون 4228 عقاراً، في حين حلّ المواطن السعودي في المركز الثاني بـ2704عقاراً، ومواطنو دولة الكويت 2130 عقاراً، في حين حل الروس في المركز الرابع بشراء 2036 عقاراً. ويذكر التقرير أن مدن إسطنبول وبورصا وأنطاليا ويلوفا هي أكثر المدن التي اشترى بها الأجانب عقارات خلال عام 2015.
وأوضح تقرير المؤسسة أن نسبة بيع العقارات العامة بتركيا في عام 2015 ارتفعت 10٪ مقارنةً بإحصائيات عام 2014، حيث وصل حجم بيع العقارات خلال عام 2015 إلى مليون و289320 عقاراً. بلغت حصة الأجانب منها 22 ألفاً و830 عقاراً، وبذلك يكون العدد ارتفع مقارنة بعام 2014 بنسبة 20.4٪.
ويتربع العراقيون على عرش المتملكين الأجانب بسبب هجرة رؤوس الأموال والآلاف من العائلات الميسورة إلى تركيا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في بلادهم، في حين يلجأ السوريين إلى تأسيس شركات مع مواطنين أتراك من أجل التمكن من التملك، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير جداً في أعداد الشركات السورية التي تم إنشائها في تركيا خلال السنوات الأخيرة.
ولفت تقرير استثماري إلى أن 53 ألف مستثمر أجنبي اختاروا مدينة أنطاليا الساحلية لشراء شقق فيها فيما فضل 20 ألف مستثمر أجنبي التملك في مدينة إسطنبول، بينما بلغ عدد الأجانب الذين اشتروا شققا في مدينة أيدن الساحلية 18 ألف شخص، وحلت مدينتي مرسين وموغلا في المرتبة الرابعة، حيث قام أكثر من 10 ألاف مستثمر أجنبي بشراء بيوت في كل منهما.
وأكد رئيس لجنة حقوق المستهلكين في تركيا حسين سامي شبراق على أن إقبال المواطنين العرب على تملك العقارات في تركيا قد ازداد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، مشيراً إلى أن عدد العقارات التي قد بيعت إلى المستثمرين العرب في العام الماضي بلغ 10683 عقار، أي ما يعادل خمسين بالمئة من حجم العقارات المباعة للأجانب في عام 2015، وتوقع أن يبلغ عدد العقارات المباعة للعرب هذا العام إلى أكثر من 15 ألف عقار.
وفي تقرير غير موثق نشرته إحدى الصحف التركية، جاء فيه إن قرابة 112300 شخص من الأجانب اشتروا 90000 عقار في تركيا أي ما يعادل 24.1 مليون متر مربع من مساحة المدن العشرة الأوائل التركية حتى عام 2014، بينما قال تقرير آخر إن 137.000 عقار موجود بتركيا يمتلكه المستثمرون الأجانب، ما يوضح وجود تضارب وعدم وجود إحصائية رسمية لإجمالي ما يمتلكه الأجانب في البلاد.
ويقول تقرير نشرته إحدى الصحف التركية: «منذ عشرة أعوام فقط، كانت مسألة تملك الأجانب واستضافتهم أصلًا على نطاق واسع في تركيا مستهجنة على مستوى الثقافة العامة والإعلام، حيث نظر الأتراك دومًا للملاك اليونانيين بالكثير من الريبة، بينما انتشرت تقارير صحافية تشير لمؤامرات إسرائيلية جراء شراء إسرائيليين لأراضٍ كثيرة في جنوب تركيا، علاوة على الأملاك الألمانية المنتشرة في محيط البحر الأسود، وكل ذلك بينما لم تتجاوز كمية العقارات الأجنبية بالكامل 50 ألفًا بطول تركيا وعرضها حتى نهاية العقد المنصرم، أما اليوم، تسجل المبيعات العقارية أرقامًا قياسيًا شهرًا بعد شهر، فبين يناير/كانون الثاني 2013 ومارس/اذار 2015 فقط بيع 35 ألف عقار، أغلبها بالطبع في إسطنبول وأنطاليا وبقية الولايات الساحلية شمالًا وجنوبًا».
ويضيف التقرير: «الطفرة العقارية التركية مستمرة، وبينما يرى البعض أن هذا قد يحول إسطنبول إلى لندن الشرق الأوسط ويرفع الأسعار على سكان المدينة من الأتراك، فإن النمط الصاعد في تركيا لا مركزي بشكل أكبر تتوزع فيه المبيعات على مختلف الولايات، ولا تتركز في المدينة الأكبر كما الحال في بريطانيا، وهو ما يعني أن الطفرة مستدامة أكثر، وسيكون تأثيرها أقل وطأة على المواطن التركي، لا سيما وأن اقتصاده لا يزال في مرحلة النمو السريع الأقرب للدول النامية عنه للركود المعروف لدى الدول المتقدمة».
إسماعيل جمال