استقالات صورية

حجم الخط
2

■ يبدو ان الكتل السياسية المتربعة على عرش العملية السياسية العراقية تأبى إلا أن تستمر بالاستخفاف بمشاعر الجماهير العراقية، والعزف على الأوتار الطائفية والسعي وراء المصالح الحزبية والفئوية والتمسك بالمناصب والمكاسب والمغانم التي حظيت بها نتيجةً للمحاصصة السياسية المقيتة.
فمنذ قرابة الشهرين اقحم السيد حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء العراقي نفسه في أزمة سياسيةٍ خطيرةٍ، عبر دعوته لإجراء تغيير وزاري شامل وجوهري، على اساس التكنوقراط، وبعيداً عن المحاصصة الحزبية؛ إلا أن دعوته هذه قد اصطدمت برياح معارضة الكتل السياسية القوية التي أتت بما لا تشتهيه سفن العبادي، إذ عارضت بعض الكتل هذا التغيير وطالب بعضها الآخر بعرض الأسباب، وأصرت أخرى على التمسك بوزرائها، ومما زاد الطين بلة هو خروج التيارين الصدري والمدني في تظاهرات سلمية تطورت إلى اعتصامات سلمية على ابواب الخضراء، للمطالبة بالإصلاح الحقيقي لا الترقيعي وإجراء تغيير وزاري شامل وجوهري .
وفي هذه الاجواء المتشنجة اطل على الشعب بعض الوزراء ليعلنوا تضامنهم مع العبادي وتقديم استقالاتهم من مناصبهم وهو امر جيد، لكن بعد ان نعرف انهم قدموا استقالاتهم إلى رؤساء كتلهم بدلاً من تقديمها إلى رئيس الوزراء، يمكننا القول إن هذه الاستقالات لم تعدُ كونها مجرد استقالات صورية شكلية لا قيمة لها، تهدف إلى إظهار خلاف ما يبطن هؤلاء الوزراء وتلك الكتل المتمسكة بمناصبها ومصالحها، فتريد ايهام الشعب وتضليل الشارع بأنها مع الإصلاح ولا تتمسك بالمناصب، وهي في حقيقتها من أشد المعارضين للتغيير الوزاري ومتمسكة بمواقعها، وإلا فلما لم تقدم الاستقالات إلى رئيس الوزراء مباشرة؟ وهو ما ينطبق على وزراء المجلس الاعلى، في حين تمسك كل من ابراهيم الجعفري وحسين الشهرستاني بمنصبيهما صراحة. وبعد تصعيد الاعتصامات حاول بعض الوزراء كسب الاضواء فتقدموا باستقالات مباشرة إلى رئيس الوزراء منهم عادل عبدالمهدي وزير النفط وسلمان الجميلي وزير التخطيط، الذي صرح بأنه يسعى إلى تقوية موقف العبادي وتشجيع بقية الكتل على التخلي عن مناصبها، وأن له تاريخ يريد أن يحفظه لنفسه ويسعى لدفع عجلة العملية السياسة قدماُ، فضلا عن استقالة فلاح الزيدان وزير الزراعة. ولكون السيد العبادي في مأزق لا يحسد عليه فقد وافق على هذه الاستقالات كي يحفظ ماء وجهه ويقدم مرشحين جددا كما وعد.
لكن وبمجرد ان تناولت وسائل الاعلام خبر شمول سلمان الجميلي وفلاح الزيدان وعادل عبدالمهدي بالتغيير الوزاري المرتقب، سارع ائتلاف اتحاد القوى الوطنية للإعلان عن سحب استقالة وزيريه الجميلي والزيدان، وجاء في بيان الاتحاد أن على العبادي أن لا يستغل الاستقالة بمعناها التقليدي لإقالة الوزراء وانما يجب عليه التعامل معها سياسياً، الهدف منها تشجيع الكتل على التخلي عن المناصب الوزارية، وهنا نقول لهم لقد اخفقتم في اعلان الاستقالة واخفقتم اكثر في سحبها بهذا العذر السخيف فكيف تشجعون الاخرين على التخلي عما تتمسكون انتم به؟ عار عليكم إذا فعلتم عظيمُ، وما أردتم إلا التضليل والتشويش على الشارع العراقي فسرعان ما كشف زيف ادعائكم وكانت استقالاتكم صورية وشكلية كغيرها.
يبدو ان من يدعون تمثيل المكون قد اخفقوا في التعامل مع متطلبات التغيير الوزاري الذي تنادي به الجماهير المعتصمة، من خلال طرحهم لاستقالات صورية تضليلية، ومن ثم التراجع عنها والتمسك بسلمان الجميلي الذي خسر في انتخابات البرلمان 2014 فهل يعجز اتحاد القوى عن تقديم مرشح أفضل من الجميلي أو كفوء له على الأقل؟
ختاماً فان كل الكتل السياسية الآن في موقف محرج يمس مصداقية خطاباتها من عدمه، لاسيما بعد اعتصام السيد مقتدى الصدر داخل المنطقة الخضراء واعلان كتلة الاحرار عن عدم مشاركتها في الحكومة الجديدة، وما زاد في حرجها وربما سيسهم في تعريتها هو دعوة السيد حيدر العبادي جميع الكتل ومجلس النواب إلى تحديد موقفها علانيةً من التغيير الوزاري والاصلاحات، فهل تؤيد التغيير وتقدم اسماء مرشحين أم انها ضده وتتمسك بوزرائها؟ على ذلك تتوقف ردة فعل العبادي بين المضي قدماً بالتغيير عبر الكتل أو طرح مرشحين مستقلين من قبله والحضور إلى البرلمان الذي إذا رفض منحهم الثقة سيكون في مواجهة مباشرة مع الشعب المعتصم على ابواب الخضراء؟ أم أن للكتل كلمة اخرى فتسحب الثقة من حكومة العبادي وتطيح به ذاته؟ ولعل العبادي هو من يبادر إلى تقديم استقالة حكومته إلى البرلمان بسبب رفض الكتل للإصلاح وبالتالي يكشف كذبها ويتركها في مواجهة مع الشعب؟ ويمكننا أن نرجح قدرة العبادي قريباً على تمرير تغيير وزاري جزئي يشمل سبعة وزراء يشمل مرشحين من لجنة الصدر لترضيته وبالتالي انهاء الاعتصامات.

٭ كاتب وباحث سياسي عراقي

همام السليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية