شيء من اللغة: ألفاظ زائدة

حجم الخط
6

كل لفظة لها وظيفة محددة في الجملة العربية، ولا خير في كثير من الألفاظ يضعها الكاتبون تزيدا لكلامهم، وتضخيما لحجم مقال يكتبونه، أو كتاب يؤلفونه أو يترجمونه أو يحققونه. متناسين أن خير الكلام ما قل ودل.
وكثيرا ما صرنا نقرأ:
أ- (وتم عقد اجتماع). الا يكفي القول: (وعُقد اجتماع)؟
(تم تداول المعلومات من قبل الحاضرين). ألا يكفي القول: وتداول الحاضرون المعلومات؟
فتختزل الكلام وتحذف منه الفضول، وتعطي القارئ جملة جميلة دالّة على ما تريد من معنى بلا فضفضة كلام وترهل أسلوب. وحينها تكون قد وفرت ثلاث كلمات لا مسوغ لها.
ب- وقول آخر: (وهذه الطريقة في الطباعة كتجديد في فنية الطباعة). لا نرى مبررا لتكرار (الطباعة) إذ يكفي ذكرها مرة واحدة.
كما لا نرى وجها لذكر (الكاف) فهي زائدة لا تضيف للجملة ما يستحق تلك الزيادة. والصواب أن يقال (وهذه الطريقة تجديد في فنية الطباعة). فالكاف أداة تشبيه، وغالبا ما تكون تشبيه مجهول بمعلوم. فإذا كان الكاتب يعتقد أن ذلك الاستبدال (تجديد) حقيقي لفن الطباعة، فلماذا أدخل (الكاف)؟ فصنيعه يشبه قول القائل: إن (مكة) كمدينة هي مدينة عريقة. فالقول قد جافى الصواب، لأنها (مدينة) حقا، فلماذا التشبيه؟ وكما لو قلت: إن المتنبي كشاعر كان عليه أن يقول كذا. فالمتنبي شاعر، فلماذا التشبيه؟
وربما تعترض علينا بقوله، تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أو (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ). إذ كيف يشبَّه الله تعالى بشيء من صفاته؟ ألم يكن يكفي القول (ليس مثله شيء) أو (مثل نوره نور المشكاة)؟
هذا الاعتراض مردود من نواح عديدة، منها: إنه ليس تشبيها لله بشيء من صفاته. فالآيتان تبعدان عن الله تعالى التجسيد والتحديد، فهما آيتان تقربان العظمة الإلهية لعقول الناس حسب مداركهم وما يفهمون. فالفرق كبير بين (ليس كمثله شيء) و(ليس مثله شيئا) ففي الأولى إبعاد أكثر عن التشبيه والتجسيم. وإنما هو نفي المثيل والشبيه، فلو كان نص الآية (ليس مثله شيئا) فذاك يعطي القارئ احتمالا أنه ربما يوجد (مثيل) له ولكن هذا المثيل لا يشبهه شيء. أما (ليس كمثله) أي لا مثيل له ولا شيء يشبه حتى ذلك المثيل المفترض أو الذي يفترضه بعض الناس. وفي الآية (مثل نوره) لم تقل الآية (ونوره كمشكاة) ولا اكتفت بكلمة (مَثَل) مع (نور مشكاة) لأنه شتان بين (نور السماوات والأرض) من جهة و(نور المشكاة) من جهة أخرى. ولذلك جاءت (مَثَل) وجاءت الكاف ليدلّ ذلك على أنه حتى لو ورد إلى أذهان بعض الناس وخواطرهم (مثيلا) لنور الله، فإن نور الله لا مثيل له أيا كان ما خطر ببالهم وورد على أذهانهم وتصوراتهم.
فالآيتان متناغمتان مع جميع آيات القرآن في تنزيه الله عن كل مثيل وشبيه.
ومثل ذلك حين نقول: إن الله هو الرحمن الرحيم، مثلا: فهل يجوز لك القول: إن الله هو كرحمن رحيم؟
فالاستعمال الأفصح الأبين أن تقول في الجملة السابق ذكرها (واستبدلت المطابع الحديثة بالمطابع القديمة تجديدا رئيسا لنوعية الطباعة). وبطبيعة الحال ثمة صياغات أكثر رقيا وسموا من هذه الصياغة ولكننا نتحدث عما هو شائع.
ولا يقتصر الأمر على هذا، فإن (الثرثرة) قد تسربت إلى ميادين البحوث والرسائل الجامعية بما فيها تحقيق كتب التراث. فمخطوطة قديمة من أربع صفحات تتحول بما يسمى بالتحقيق إلى أربعين صفحة وأكثر. وذلك أن المحقق إذا واجهه بيت شعر، مثلا، يلجأ إلى الحاشية ليضع عشرات الكتب التي ورد فيها ذلك الشاهد. فما نفع هذا؟ إذ على المحقق أن يعلم أن المنهج العلمي يقول: إذا ورد شاهد، فيكفيك أن تخرّجه على ديوان الشاعر، فإذا أضفت مصدرا آخر فبها، وعليك الاكتفاء بذلك. فلا تضيع وقتك وعمرك بما لا فائدة فيه.
وقانا الله وإياكم شر الثرثرة والثرثارين في أي شأن من شؤون الدنيا والدين.

باحث أكاديمي عراقي – لندن

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية