مسكون بهَّم الإنسان المعذّب المدمَّر نتيجة الحداثة والتكنولوجيا… أسادور: إن حاصرني النظام أكسره وإن غاب أخلقه

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: متحف سرسق يحتفي بأسادور في معرض استعادي يجمع أعمالاً تمتد لخمسين سنة مضت. فنان مسكون بالإنسان في كل ما أتى به من حركة حفر أو قلم أو ريشة، وفي كافة مراحله.
أكثر من مئة عمل ضمها المعرض، ومعها مجموعة كتب وضعها منذ الستينيات حتى الآن. أسادور الذي ترك لبنان إلى فرنسا منذ زمن بعيد يقدم حيث ولد سنة 1943 معرضه الفردي الأول. اعتاد في أعماله الإبحار في عالم الحداثة باحثاً في انعكاسها على البشر. يضع الإنسان نصب عينيه، يقدمه تارة هندسي الشكل، وأخرى مركباً، ويصبح في مكان آخر دمية. الرصاصي والأسود المتدرج أثيران في اختيارات أسادور، حيث يحفر في البشر ويعيد تركيبهم مشيداً منهم أشكالاً فيها أحياناً الكثير من السريالية، ولا يلبث البشر أن يتوالدوا أحدهم من الآخر بعد جهد تفكيكي عبثي تليه عودة لتركيب مثير للجدل. تميز في استعماله أحد تقنيات الحفر وهو الأكواتينت، وهو ما يسمح بالحصول على الأسود الغامق جداً. وعندما يغادر منطقة الرصاص تجذبه مائيات رصينة وقورة بحضورها، وكذلك الزيت بألوانه القاتمة إلى حد ما.
أسادور المتميز بانفتاحه على تنوع فكري ومدارس فنية عدة عاش مراحل متتالية في انكبابه على التعبير عبر اللون. أسهب بالأسود المتدرج والحفر والتركيب بين الستينيات والسبعينيات. أدخل البشر الذين رسمهم حالة الدّوامة في جزء من إنتاج مرحلة الثمانينيات. وإذا بأجساد هؤلاء الناس تزداد تفككاً وألماً في وقت لاحق. وفي التسعينيات بدت الأجساد لديه مموهة وغير منتمية لجنس واضح. الأفق والأبنية المكدسة والركام تحتل مساحات واسعة في أطراف مجمل لوحاته. مع أسادور المسكون بالهم الإنساني كان هذا الحوار:

■ ترسم وفق الرغبة والهوى وليس وفق نظام ينتمي لمدارس في الفن. كم هذا حقيقي؟
ـ نعم أرسم خارج المدارس. بدأت بطريقة خاصة جداً، وتواصل عملي عبرها. يردد النقاد عن أثر لأسماء أو مدارس في رسمي، من الشرق إلى الغرب إلى الماضي القديم. إنما في دراسة الأعمال التي قدمتها تقول النتيجة بعدم الانتماء لأي من المدارس. نعم اطلاعي واسع على مدارس الرسم منذ القدم، ومن خلال تلك المعرفة الدقيقة كانت لي خلاصة تحمل بصمة خاصة. عندما أبدأ العمل لا يكون ذلك من خلال أفكار أو تنظيم مسبق للعمل. أبدأ ومن ثم تتكون الفكرة بالتدريج.
■ ما هي ضرورات الأسس والخطوط التي يجب أن ينطلق منها مشروع اللوحة أو الرسم بحد ذاته؟
□ الضرورات موجودة وغير موجودة في الوقت عينه. في الفن القانون هو غياب القانون. أعمل وفق مزاجي ورؤيتي الخاصة. عملي الأثير هو الحفر، وهو ما يستلزم الوقت والنظام والتركيز. أنكب على الحفر لثماني ساعات متواصلة في اليوم وقد لا يُنجز العمل خلالها، عملي يستلزم النظام الذي أعمل على تكسيره. بين النظام وتكسيره هناك خط سير يعمل جيئة وذهاباً. تعمقت في المنظور الكلاسيكي للرسم وكذلك في عصر النهضة. امتلاكي العميق لتلك المعرفة ساعدني في تحطيمها وصولاً إلى المختلف. عندما يحاصرني النظام أكسره، وعندما يغيب هذا النظام أخلقه. هي المنطقة الأحب في عملي.
■ في رسمك للبشر بما يشبه الدمى ما هو السؤال الذي ترغب بطرحه؟
□ في الزمن الذي نعيشه بات الإنسان رقماً أو حتى أقل. التأثيرات الخارجية المنهمرة عليه، خاصة من خلال الميديا بكل أوجهها، وكذلك الأوضاع السياسية والاجتماعية والعسكرية جعلت من الإنسان كائناً مسحوقاً، وبات يشبه القشة في مهب الريح.
■ أن يتقدم الفنان في العمر فهل من شأن ذلك أن يبدل في خيارات الألوان لديه؟
□ الجواب ليس سهلاً على هذا السؤال. كما هو واضح من المعرض أنني عملت لفترة طويلة بالأسود والأبيض والحفر معاً. ونادراً ما لجأت في مراحل معينة إلى اللون. لاحقاً أضفت الألوان إلى الأبيض والأسود، وفي ما بعد كانت نقلة باتجاه الأكواريل والزيت.
■ في لوحاتك الكثير من الدوائر هل هي الدوّامة أم رغبة بالعودة إلى الرحم؟
□ هي واحدة من مراحل العمل عندي نعم. داخل الدائرة التي شبهتها بالرحم دمية. تمثل الإنسان المحاصر بالتكنولوجيا، وكافة الشروط التي تفرضها علينا الحياة الحديثة. لقد أصبح الإنسان محاصراً لحدود الاختناق، لهذا يبدو في أوضاع جسدية غريبة. نعم على الإنسان أن يتقوقع كي يتاح له البقاء في تلك الدائرة.
■ الإنسان هاجسك الدائم في الفن، لكنه غالباً ما يبدو متألماً؟ ارتباطك بالإنسان هل هو فكري، سياسي أم اجتماعي؟
□ ظهر الإنسان في لوحاتي صغيراً بالكاد موجود وكأنه عابر. أطلق على هذا الإنسان تعريف الشخص الذي أصبحت له أهمية وحضور أكبر في مراحل متقدمة من ممارستي للرسم. تضاءلت البانوراما المحيطة بهذا الإنسان، وباتت أرضيته في طور الخروج من الإطار. ولهذا بات التركيز على هذا الإنسان، بخلاف المراحل السابقة حيث كان للبانوراما حضور واسع.
■ لست بصدد الفن للفن الفكر يلازم ريشتك؟
□ كل محفورة تحمل معاني وشيفرات وتحتاج للتحليل والولوج في تفاصيلها بحثاً عن عالم الرسم الخاص بي. الهاجس هو مصير الإنسانية من خراب وحروب وتشرد. عالجت التصحر منذ الثمانينيات في محفورات. هواجسي ليست آنية، بل مطروحة عبر التاريخ. فالتاريخ يمر ويخلف الخراب والدمار والعذاب.
■ هو المعرض الكبير الفردي الأول في متحف سرسق بعد إعادة فتح أبوابه. ما هي مشاعرك وأنت في بيروت؟
□ فرح للغاية. بيروت موجودة في أعمالي. هي تشبه في بعض فوضاها ما هو سائد في مدن أخرى من العالم. إنما الفوضى في لوحاتي تظهر وفق تنظيم واضح. في منزلي النسق الفوضوي واضح أيضاً، لهذا يستحيل الطلب من أحدهم تنظيمه، فعندها ستضيع حاجاتي.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية