اغتيال إيطالي في القاهرة «آلة جهنمية» منفلتة وتفكك دولة

راقبت عن كثبٍ اللغط اللامحدود والجدل الدائر حول مقتل الباحث الإيطالي المغدور جوليو ريجيني، بين تقاذفات الفريقين العريضين اللذين صار إليهما المجتمع إجمالاً. «الذين مع» النظام، يدافعون عنه باستماتة ويريدوننا أن نراه ألأكثر تحرراً وديمقراطيةً وإنجازاً في تاريخ البشرية، منحازاً للفقراء أو ليبرالياً جديداً على حسب الهوى والمصلحة والانحياز؛ و»الذين ضد» يرونه معدن الفشل والتفاهة والمسؤول عن كل نقائص ومشاكل البلد، ومن ثم يرفضون الانسياق في حمى التأييد التي ترفض أن ترى مواطن القبح والقمع والانحياز الأعمى للأغنياء والمستغلين، ويحلمون ويناضلون من أجل مجتمعٍ ومستقبلٍ أفضل.
وإنني وإن كنت لا أخفي تعاطفي مع المعسكر الثاني كون النظام لم ينجح حتى الآن في إقناعي بوجاهة أو رجاحة أيٍ من إنجازاته، من عينة جهاز الكفتة والمؤتمر الاقتصادي الخ.. ولا أن ينسيني المختفين قسرياً والموتى خنقاً في سيارات الترحيلات، فإنني آثرت عدم التعليق على تلك الجريمة حتى تتضح الصورة، التزاماً بالموضوعية، وذلك على الرغم من شكوكٍ ملحة تتسلط عليّ.
بدت الجريمة على بشاعتها فجةً بشكلٍ لا يوصف، عبثيةً تماماً. أعلم أن مسألة الحركة النقابية والعمالية أمرٌ شائك، خاصةً في مرحلةٍ حرجةٍ كتلك، كما أعلم تمام العلم مدى مقدرة النظام على العنف، خاصةً الآن، حيث أنه في عُصابيته المفرطة يعوض بالعنف المسعور ثقته المهتزة في نفسه، ويثأر لكرامته الجريحة.. لا شك أن الحالة التي وُجد عليها مع آثار التعذيب البشع التي تدل على خبرة وأسلوب أجهزة الأمن في بلادنا مع طول بالها في أذى الآخرين، كانت تشير بأصابع الاتهام إليها، بيد أن قتل أجنبي لا يحل أياً من مشاكل البلد أوأزمات النظام، بل على العكس من ذلك، فمؤكدٌ أن يؤدي إلى رد فعلٍ عنيف وهياج في بلده والغرب كله. ولا أنكر أن اعتباراً آخر جعلني أتردد، وهو أن الأجانب، الأجانب «الخواجات « بحق وليس المتجنسين، كانوا عادةً خارج لعبة العنف التقليدية، والكر والفر بين أجهزة الأمن ومناهضي النظام، ومن ثم يغدو تعذيبهم وقتلهم بهذه الصورة، لا تعدياً على الخطوط الحمراء، وإنما خرقاً لها وتأكيداً على كون العنف لم يعد له سقف. وقد تساءلت متشككاً، كغيري في حقيقة الأمر، لم ظهرت جثته؟ ألم يكن في مقدورهم إخفاءها كما فعلوا مئات وربما آلاف المرات من قبل؟ وحضرني هنا الراحل فريد شوقي في دور المعلم العقاد في فيلم «الباطنية»، إذ يقول «الجبل ياما تاوى» أي كم من قتيلٍ ووري في الجبل والصحراء؛ ولأنني ابن هذه الحضارة تشربت نظرية المؤامرة، ولأنني بت أوقن بأن صراعاً بين الأجهزة/ الأجنحة يجري بعنف في الخلفية فتظهر آثاره أحياناً، فربما يكون التعذيب والقتل وإلقاء الجثة ككلبٍ نافقٍ في العراء مكيدة من جهةٍ أمنيةٍ مجرمة للإيقاع بإحدى أخواتها العديدات، المجرمات أيضاً، وإحراجها بافتعال أزمة ضمن ذلك الصراع.
المهم، ظللت أجتر تلك الشكوك وأدورها في رأسي، وشيٌ في داخلي يخبرني بقوة بأن «البعيدين» في جهازٍ أمنيٍ ما هم الفاعلون، ربما نبع ترددي من إشفاقي عليهم من أن يكونوا أولاً وصلوا لهذا المستوى من انعدام التمييز، بين ما يخدم مصالحهم وما يضرها. وثانياً انعدام الكفاءة، حيث لا يستطيعون القيام بجريمة قتل «نظيفة» من دون ترك كل الآثار التي لا تؤدي إلى سواهم. لم يتبق لأنظمتنا سوى القمع والقتل، حتى هذين لم يفلحوا فيهما كسائر الأنظمة القمعية الأكثر حرفيةً وما أكثرها؟
حتى خرجت علينا الداخلية، حماها الله من شر كل عين، بكشفٍ: تشكيل عصابي تخصص في خطف الأجانب، كما يزعمون، والدليل على تورطهم أن بعض متعلقات ريجيني، من عينة حقيبته وبطاقته الجامعية في كمبريدج وبطاقات ائتمان وأموال نقدية وقطعة حشيش (لاحظ: حشاش)…وتبين والحمد لله أنها عصابة خلوقة، فلم يبع أفرادها الحشيش ولم يشربوه ولم يسحبوا أموالاً ووفاءً منهم لذكرى المرحوم (الذي صبروا على تعذيبه بتلك الصورة الوحشية) فقد احتفظوا بحاجياته وبطاقات هويته، ولكي يطمئن الجمهور، فالحمد لله، لقد صفتهم الشرطة في معركةٍ تبودلت فيها النيران! هل هناك مجال للتعليق؟ أم أن الكلام قد سكت حتى في حلوق من ينبرون دائماً وأبداً للدفاع عن «النظام» و«الدولة»؟ ألم يعد ذلك نمطاً مكرراً لديهم؟ فورات من الحماسة تهبط إلى قيعان المرارة؟
فعلاً، يكاد المريب أن يقول خذوني، كان في مقدور أجهزة الأمن إنكار معرفتها وتورطها، كان في مقدورها الاكتفاء بالتصريح بأن البحث مازال جاريا عن القتلة، لكن لأن كرامتهم وعنجهيتهم تأبى أن يقول عنهم «الخواجات « إنهم لا يعلمون وغير مسيطرين، فقد استعاضوا عن الاتهام بالتقصير وانعدام الكفاءة بالاتهام بالضلوع في اختطاف وتعذيب وقتل شخصٍ، إنسانٍ، غريب بريء. والحاصل أن كل خطوةٍ وكل تصريحٍ للداخلية يزيد في خلخلة حججهم، ويفتح الباب على المزيد من التخبط والمزيد من العبث والقصص رديئة الحبكة، كل خطوةٍ وكل تصريحٍ تضيق الخناق عليهم (أو على جهةٍ أمنيةٍ ما).
سيظل البعض يحتج بانعدام المصلحة، وأن خوفاً من الفضيحة كانا كفيلين بلجم «ذلك الجهاز» أياً كان عن اقتراف جريمةٍ كتلك. وهنا موطن الخلاف الأساسي، فهذه الاعتراضات وتلك الحجج والاعتبارات للعقلاء. ما لدينا هو منظومةٌ أمنيةٌ منفلتة.. تلك «الآلة الجهنمية» المتمثلة في الجهاز الأمني التي أضحت عصب النظام وعقله وقلبه، لم تفقد كفاءتها وتمييزها فحسب، وإنما أضحت منفلتةً تماماً، تعود بالضرر على أسيادها وتجرحهم. ثمة خروج للوحش أو المسخ عن السيطرة، وقد يكون ذلك على يد شخصين تافهين كأميني الشرطة اللذين قتلا في بلادتهما خالد سعيد، من دون أي إدراكٍ أو تصورٍ لحجم التبعات التي ساهمت في تحفيز وإشعال وقود حراك ثوري شعبي.
ولكن هنا لا بد أن أؤكد، أن ذلك لا يعني أن ذلك الجهاز وانفلاته غريبان عن النظام أو ظواهر عارضة وجانبية، أو أنني أنحو منحى أصحاب مقولات من عينة «الرئيس ابن حلال وقاطعو الطريق هم من حوله» و»المجموعة الاشتراكية في السلطة»، فأنا أبعد ما أكون عن طروحاتٍ ساذجة كتلك (وهذا أكثر ما أستطيع أن أقوله تهذيباً)، فأنا أرى أن ذلك الانفلات هو النتيجة الموضوعية لتطور نظام 23 يوليو، بانتكاساته وتحوراته، ورأس السلطة ملائم لنظام كهذا، مع فارق في الكم لا في النوع بين أمين شرطة ومشير، وكذلك الحال مع سائر هياكله وبناه الفوقية، وهي في الحقيقة لا تبدي اختلافاً جدياً عن أميني الشرطة اللذين ذكرنا.
هذا نظامٌ متسق مع ذاته وأغراضه ومرحلة تطوره التي أوصل نفسه لها بتفاعلاته بسلاسةٍ تامة. لقد استمر عقب 25 يناير لضعف البدائل وخيبة الخيارات (وهي في نهاية المطاف جريرة قمعه وطول مكثه المشؤوم محكومةٌ به)، لكن ذلك لا ينفي تحجره ونقائصه وتشوهاته، وإن ما يحدث له الآن من انهيار قيمة العملة لفضائح، كقتل ريجيني، نتيجة لطبيعته وخياراته وانحيازاته ليس أكثر، ومن الإجرام البحث له عن كباش فداء. وليس أدل على ذلك في السياق نفسه سوى إقالة الرئيس المركزي للمحاسبات الذي أذاع عن معلوماتٍ مؤكدةٍ لديه بفساد بمئات المليارات، من دون أن يخرج علينا أحد ليشرح لنا بكلام منطقي السبب وراء خطوةٍ كتلك، أو يحاول نفي تهمة الفساد عن نظامٍ يقيل رجلاً يقول أو يزعم أنه يحارب الفساد.
مؤشراتٌ عديدة على الساحة تشي بتصارع الأجنحة، خاصةً وقد بدأت تعلو مهمات وتصريحات النقد وفقاً لانحيازات «المنابر الإعلامية»، الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من التفكك والمزيد من الصراع في ســعي كل جناحٍ/ جهازٍ لإلقاء لائمة الفشل على الآخر.
مازال العرض في أوله، ولم نر آخر العنف والحماقات، كل ما أرجوه الآن ألا تكون تكلفة ذلك في الأرواح والأعمار باهظة، خاصةً أن من يدفعونها دائماً هم الفقراء والغلابة والحالمون والمناضلون.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية