بالتزامن مع إنتهاء عرض مسلسل «الحرب والسلم» المأخوذ من رواية تولستوي الشهيرة في نسخته الانكليزية الأخيرة على قناة «بي بي سي» افتتح «ناشيونال بورتريت» غاليري في لندن موسم معارضه الربيعية بمعرض تحت عنوان «روسيا والفن». تضمن المعرض 26 لوحة بورتريت لأهم الرموز التي شكلت الهوية الثقافية لروسيا من روائيين ومسرحيين ومؤلفين وموسيقيين وشعراء في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
أُفتتح «ناشيونال بورتريت» غاليري في لندن سنة 1856 وهي ذات السنة ذاتها التي قرر فيها رجل الأعمال الروسي المهتم بالفن بافيل تريتياكوف الذي كان بعمر الثانية والعشرين حينئذ، البدء في جمع المقتنيات والأعمال الفنية. هذا المشروع الذي إستمر أربعة عقود من حياته وأنفق عليه مبالغ طائلة وكلف به أفضل الفنانين الروس لكي يرسموا الكتاب والمؤلفين الموسيقيين والمفكرين وكل الشخصيات التي ساهمت في تكوين الهوية الروسية. وقبيل وفاته عام 1892 أهدى كل مقتنياته التي تقارب ألفي عمل فني إلى بلدية موسكو وهذه التحف الفنية تمثل الآن جوهر المتحف الوطني الروسي في موسكو وهي أكبر مجموعة فنية روسية في العالم. واللوحات في هذا المعرض إستعارتها إدارة الغاليري البريطاني من متحف تريتياكوف في موسكو.
كثيرا ما نتخيل إن الفن الروسي الحديث بدأ مع بداية الثورة البلشفية أو قبلها بقليل لكن هذا العرض الجميل يفند سطحية هذا التحليل، فالوجوه في بورتريهات المعرض مشهورة لكنها في الوقت ذاته تعرفنا على الفنانين المنسيين الذين أبدعوا هذه البورتريهات.
على سبيل المثال الرسام والخطاط ومصمم الديكور ميخائيل فروبل (1856-1919 ) وهو أحد أبرز ممثلي تيار الرمزية في الفن الروسي، هو مثال على المبدع القلق الذي ينظر للعالم بنظرة متشظية كسيرة. تعرض له لوحتان، الأولى لزوجته مغنية الأوبرا الروسية الشهيرة ناديجدا زابيل فروبل، التي يصورها جالسة بإسترخاء في ثوب أبيض تزينه شرائط صفراء براقة، تمط شفيتها قليلا بنصف إبتسامة. لكن ميخائيل فروبيل سيصاب بعد إنتهائه من هذه اللوحة بفترة قليلة بإنتكاسة نفسية ويبقى داخل جدران المصحة ما بقي من عمره، أعتقد أنه حتى نصف الابتسامة قد إختفت من وجه زوجته بعد ذلك.
لوحته الثانية لرجل الأعمال وصديقه مؤسس الاوبرا، سافا مامونتوف يصوره فيها كأنه قوة تطغى على كل ما يحيط بها، هذه اللوحة رُسمتْ بالأشكال المكعبة المكتنزة قبل إجتراح التكعبية في باريس بحوالي عقد من الزمن.
صالة المعرض الأولى ضمت لوحات للروائيين الروس، لوحة دوستويفسكي وهي الوحيدة التي رُسمتْ له أثناء حياته والتي أبدعها الفنان الواقعي الروسي فاسيلي بيروف عام 1872 يظهر دستوفسكي يحدق إلى الأسفل، كأنما ينظر إلى العتمة في زاوية غريبة، يبدو جلده مثل غشاء من الأوردة والشرايين المتوترة الممتدة التي تتخلل العظام الناتئة لجمجمته، تتشابك يداه بعصبية وثيابه متهدلة، ويبدو دوستويفسكي في هذه اللوحة كأنه أحد أبطاله الروائيين أو مزيجا منهم، رجل يحمل عبئا ثقيلا مثل مجرم يشعر بالذنب أو حكيم يائس ينوء بحكمته.
لوحة تولستوي(1828-1910 ) التي رسمها الفنان نيكولاي جي عام 1884 وكان تولستوي وقتها قد حاز شهرة عالمية من خلال رواياته الحرب والسلام وأنا كارنينا، وإنغمس كلياً بمبدأ تحقيق العدالة الإجتماعية، هذه اللوحة تصوره منكبا على مكتبه، إلا إن أدوات الكتابة المذهبة تشي بطبقته الإجتماعية وتتناقض تماما مع قميصه الأسود البسيط. لوحات أخرى لتيشخوف وتورغنيف وبورتريت للعالم اللغوي والفلكلوري فلاديمير دال رُسم عام 1872 قبل أشهر من وفاته للفنان فاسيلي بيروف، هذه اللوحة ليست تصويرا لعالم مشهور في ذلك الحين ويتقن ست لغات بقدر ما هي دراسة لملامح شيخ على وشك الرحيل، وجه ذابل ولحية فضية طويلة وأكتاف متهدلة وغير مكترثة ينظر فلاديمير دال إلى الموت بعينيه، لوحة يمتزج فيها الضعف الحاد مع قوة الحكمة والمعرفة الباطنية.
يلفت إنتباه الزوار في الصالة الثانية من المعرض بورتريت للموسيقار الروسي الشهير تشايكوفسكي (1840-1893 ) واللوحة في آخر سنة من حياة الموسيقار، للرسام وأستاذ الفن الاوكراني الأصل نيكولاي كوزنتسوف، ورغم ان تشايكوفسكي كان في أوج شهرته إلا إن اللوحة تؤرخ لتعاسته وقلقه النفسي بجبين معقود الحاجبين ويد متشجنة تحط على النوتات الموسيقية ونظرة حذرة كأنه يخشى النظرات والأضواء ويقول لكل من يقترب من اللوحة لا تتفحصني.
الصالة الثانية ضمت أيضا لوحة أخرى للموسيقار نيكولاي ريمسكي كورساكوف وهو أحد الموسيقيين الخمسة الكبار الذين يمثلون جوهر موسيقى روسيا الوطنية.
بورتريت آخر للشاعرة انا إخماتوفا يعود تاريخه إلى 1914 يصورها جالسة بين شجرتين وفي يدها كتاب مكللة بهالة مشعة للفنانة الروسية اولغا كاردوفسكيس عام 1914. إخماتوفا التي كانت شاهدة شجاعة بشعرها على روسيا القرن العشرين، والتي نجت من حصار لينينغراد وعاشت كي تشهد إضطهاد ستالين لكل من أحبتهم في حياتها بما في ذلك إعدام زوجها الشاعر نيكولاي جوموليوف عام 1921بحجة مناهضته للثورة البلشفية (له بورتريت أيضا) وإعتقال ابنها، في هذه اللوحة تشع الكرامة والسمو من جلستها الجانبية.
روسيا والفن هو فرصة ثمينة لعشاق الفن والأدب الروسي كي يشاهدوا أبرز اللوحات التي تؤرخ لرواد الحداثة الثقافية في روسيا والتي استعارتها إدارة «ناشنونال بورتريت» غاليري في لندن من تريتياكوف غاليري في موسكو، المعرض يستعرض ويركز على الفترة الزمنية بين 1867 الى 1914 تحديدا والتي إضمحلت فيها المسحة الشرقية للإنطباعية الروسية، وهيمنت في المقابل هوية وطنية بالتزامن مع موجة الواقعية الروسية. كل فناني روسيا في عهد تولستوي تقاسموا الحساسية الفنية ذاتها والإرادة في الحفاظ على الهوية القومية. ومن الواضح جدا إن سيطرة الثورة البلشفية 1917 على الحياة الثقافية كانت النهاية السريعة لعصر الثقافة الروسية الذهبي.
مما يلفت الإنتباه في جمع الروائيين والفنانين ورواد الثقافة الروسية هذا، إنهم كلهم يصرون أسنانهم وأغلبهم يبدون معذبين ومضطربين، وفي ثلاث صالات نرى فقط إبتسامتين، احداهما لمغنية الاوبرا المشهورة ناديجدا فروبل والأخرى لعازفة البيانو صوفي منتير تلميذة فرانز ليست، ولولا الشرح التعريفي بجانب كل لوحة لتخيلت نفسي أمام معرض لمرضى في مصحة نفسية.
يستمر المعرض حتى شهر حزيران/يونيو المقبل بالتزامن مع عدة حفلات موسيقية ومحاضرات عن الثقافة الروسية.
فيء ناصر