إغراءات استثمارية تطلق العنان لهواجس التوطين: هل «يشتري» المجتمع الدولي «حرية العمل» للنازحين السوريين في لبنان؟

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: تحوّل لبنان قبلة لكثيرين… أنجيلينا جولي، فيديريكا موغيريني، بان كي مون… ومِن قبلهم ديفيد كاميرون وماتيو رينزي وغيرهم. ليس هذا الاندفاع نحو «بلاد الأرز» لأن لبنان كان في يوم من الأيام «سويسرا الشرق»، بل لأن هذا البلد الصغير الجار الجنوبي – الغربي لسوريا يستضيف قرابة مليون و700 ألف نازح من أبنائها على أرضه نتيجة النزاع الدائر فيها.
خمس سنوات مرّت على الأزمة السورية. لم يكن أولئك السوريون، الذين تركوا منازلهم وأملاكهم وقراهم وأهلهم، يظنون للحظة، أن الغيبة عن الديار ستطول. اعتقدوا أن حال سوريا سيكون كحال الدول التي لفحَها «الربيع العربي»، فسقط قادة الأنظمة من عروشهم. ظنوا أن الثورة، حين تشتعل نيرانها وتصدح الأصوات في الشوارع بعبارة «الشعب يريد إسقاط النظام» فإن فجراً جديداً سوف يطلّ من وراء سنوات القهر الصامت والقمع… لم يُدركوا أن الثمن سيكون كبيراً: مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين، الذين هم شهداء أحياء في أقبية النظام، و12 مليون نازح بما يساوي نصف الشعب السوري إما في نزوح داخلي أو نزوح خارجي.
الصورة واضحة، نقلتها أنجيلينا جولي، الممثلة الأمريكية الشهيرة، المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة، حين قالت «إن عدد اللاجئين حالياً يفوق عدد اللاجئين إبان الحرب العالمية الثانية». ليس كل هؤلاء سوريين بالطبع، إنما حجم النزوح أو اللجوء السوري أضحى رقماً كبيراً… ومعه تكبر المخاوف. مخاوف من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية على مجتماعاتها وسط «الإسلامو فوبيا» التي تسيطر على العالم الغربي، وقلق دول الجوار من تزايد أعباء النزوح عليها وانعكاسه على التركيبة الداخلية للمجتمعات المضيفة، في ظل توجّه أمميّ ضاغط لتأمين فرص عمل للنازحين السوريين وتحسين ظروفهم المعيشية، وهو ما أعاد إحياء الهواجس في لبنان من خطر التوطين الذي يطيح بالتوازن الطائفي بين المسلمين والمسيحيين، أو المذهبي بين السنّة والشيعة.
منذ نكبة فلسطين عام 1948 وحتى اليوم، يدفع الفلسطينيون في لبنان ثمن هذا الهاجس، مِنْ منع للتملك وتحديد للوظائف المسموح العمل فيها، والسعي الدائم إلى إبقائهم أسرى العيش في المخيمات بغية عدم توفير ظروف الاندماج الطبيعي في البيئة اللبنانية… كل ذلك خوفاً من توطين الفلسطينيين. اليوم أضحت المخاوف من «تثبيت النزوح السوري في لبنان». «تثبيت النزوح» عبارة جديدة دخلت إلى القاموس السياسي اللبناني مرادفة لعبارة «التوطين». والخوف الذي ينتاب بعض القيادات المسيحية من أن يكون منح النازحين السوريين حق العمل مدخلاً لتثبيت بقائهم في لبنان.
هذه المخاوف تُطرح اليوم في ضوء التوجّه الجديد لدى المجتمع الدولي، سواء عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، في مقاربته لأزمة النزوح السوري. وفي رأي وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن العمل الإغاثي يتصدّى لأزمة طارئة أو مستجدّة بفعل عوامل معيّنة. الإغاثة تنتهي بانتهاء الحدث. والحدث اليوم، المتمثل بالنزوح السوري لا يبدو أنه على مشارف النهاية، بحيث بات العمل الإغاثي غير ذي نفع، وبات المطلوب الانتقال إلى رؤية مختلفة تتمثل بالذهاب إلى مشاريع استثمارية تخلق فرص عمل من ضمن خطة. وقد حمل لبنان الرسمي إلى مؤتمر لندن للمانحين، الذي انعقد في فبراير الماضي، «ورقة النوايا» التي تضمنت خلاصات الحاجات للاستجابة للأزمة.
كان من الطبيعي أن تتركّز المساعدات على الشؤون الإغاثية، ولا سيما إيواء النازحين الذي يتم في مخيمات عشوائية تنتشر في غالبيتها في منطقة البقاع، بحيث لامس عدد تلك المخيمات الألفين، إضافة إلى تأمين المأكل والطبابة والاستشفاء لهم. وانصبّ الاهتمام بشكل أساسي على تأمين التعليم للأطفال، وإيجاد المدارس القادرة على استيعابهم. وهي مسألة بقيت بمنأى عن «الأمراض الطائفية» في «بلد العلم والنور»، ولم تشهد تجاذبات داخلية، بقدر ما انحصر النقاش في كيفية اتخاذ الخطوات وتنفيذ المشاريع التعليمية وتغطية الأعباء المالية المترتبة على ذلك، وكيفية معالجة القصور في البنى التحتية والخدمات العامة بفعل مضاعفة القدرة التشغيلية لتلك المدارس والمناطق التي تستضيف النازحين.
وإذا كان حق التعليم مسألة تلقى توافقاً وطنياً وتراعي الالتزامات والقوانين الدولية في هذا المجال، فإن حق العمل وفتح الباب أمام النازحين للانخراط في السوق اللبناني مسألة أخرى. ويقارب وزير العمل سجعان قزي هذا الموضوع من زاوية مختلفة لما يتم طرحه راهناً في الأروقة الدولية. هو يرى أن ثمة «رشوة دولية للبنان» وهي رشوة مرفوضة حين يتم ربط المساعدات للقيام بمشاريع استثمارية بمسألة توظيف النازحين. فلبنان أساساً يحتاج، منذ القِدم، إلى اليد العاملة السورية، وهي عمالة موسمية، تتوزّع بين ثلاثة قطاعات رئيسية هي: الزراعة وورش البناء والخدمات البيئية المرتبطة بأعمال النظافة. ولم تؤثر العلاقات السياسية بين لبنان وسوريا، سواء في مراحلها الجيّدة أو السيّئة، على هذه العلاقة المهنية. والسوق اللبنانية «تحتاج إلى 300 ألف عامل في تلك القطاعات، من دون الحاجة إلى وساطة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أو الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية والأمنية فيديريكا موغيريني، أو فرنسا وأمريكا وروسيا، من أجل تشغليهم».
الإشكالية بالنسبة لقزّي، المنتمي لـ «حزب الكتائب» رأس الحربة خلال الحرب الأهلية في «مواجهة مشروع توطين الفلسطينيين وتحويل لبنان وطناً بديلاً لهم» وفق أدبيات الحزب، أن ما يجري اليوم هو محاولة «تثبيت النازحين السوريين في لبنان» بمعنى توطينهم، إذ باعتقاده أن 30 في المئة من النازحين السوريين لن يعودوا إلى بلادهم، لأن سوريا لن تكون دولة موحّدة بل مقسّمة، وهناك تغيير ديموغرافي وفرز سكاني وحرق ملفات وسجلات النفوس والأوراق وصكوك الملكية والسجلات العقارية من أجل منع شريحة واسعة من العودة، ولا سيما السنّة منهم. ومن هنا يجري، حسب رأيه، «تغليف مشروع التوظيف بمشروع استثمارات للبنان، ويجري البحث في الانتقال من حصر عملهم في القطاعات الثلاثة، التي يحددها القانون، إلى قطاعات أخرى».
ما يستغربه قزّي هو تلك المؤتمرات المنسّقة التي تقوم بها مراكز الأبحاث والدراسات الدولية حول منافع توظيف النازحين السوريين في لبنان والأردن وتوظيف الشعوب المهاجرة، ما يدفعه إلى الظن بأن هناك خططاً مدروسة. تعود «نظرية المؤامرة» وكيف يمكنه ألا يأخذها في الاعتبار، حين يرى أن «المجتمع الدولي يلجأ إلى تسويق استراتيجية البقاء مع التوظيف، بدل أن يتّجه إلى استراتيجية العودة مع إعادة بناء سوريا، أو إلى تأمين منطقة آمنة على الحدود تُبنى فيها مخيمات مدروسة مع مستلزمات الحياة من مدارس ومستوصفات… إلخ».
مقاربة وزير العمل تختلف عن مقاربة وزير الشؤون الاجتماعية ابن طرابلس عاصمة الشمال. فدرباس يرى «إن لا فريق لبنانياً له رؤية مختلفة عن الآخر في ما يخص أزمة النزوح السوري وتداعياتها». الأمر الذي تغيّر دولياً أن التطورات الخطيرة التي تشهدها أوروبا ربما خلقت حرارة أكثر بالالتزام».
وفي قراءة كثير من المراقبين اللبنانيين أن ما يعني الدول الأوروبية تحديداً، والمجتمع الدولي عموماً، هو حماية الاستقرار في الدول المضيفة للنازحين، ودعم هذه الدول، ومنها لبنان، من خلال مشاريع تنموية وبنى تحتية وجلب الاستثمارات لتعزيز قدراتها الاقتصادية للتمكّن من استيعابهم، وتأمين مقومات حياة مقبولة لا تدفعهم إلى التفكير بالهجرة غير الشرعية عبر شواطئه. مقاربة وزير الشؤون الاجتماعية حيال مسألة عمل النازحين السوريين، التي باتت طرحاً أممياً على لبنان، تنطلق من أن المسألة ليست بوضع العربة أمام الحصان، بل وضع الحصان أمام العربة، إذ لا يمكن التحدث عن السماح للنازحين بالعمل في لبنان إن لم تكن هناك فرص عمل وسوق عمل واستثمارات. وما يطرحه لبنان هو الاستثمار في القطاعات التي تمتصّ العمالة السورية تحت سقف القانون، ولا سيما في مجالي الزراعة والبناء. وعليه، كل مَن يُطالبنا بأن نعطي فرص عمل للنازحين، نطالبه أولاً بخلق فرص عمل من خلال مشاريع استثمارية، ولا سيما أن البطالة في لبنان تصل اليوم إلى معدل 25 في المئة. تلك المشاريع من شأنها أن توفّر مجالات عمل دائمة للّبنانيين ومؤقتة للسوريين إلى حين عودتهم إلى ديارهم.
ينقل مسؤولون كثر انطباعات موغيريني عن جولتها على مخيمات النزوح «أنها كانت تسمع من النازحين رغبتهم بالعودة إلى ديارهم» في استعارة منها أن لا مخاوف لديه من أن السوريين قد يرغبون في البقاء في لبنان إذا انتهت الحرب في بلادهم.
الأكيد أن أزمة النزوح التي خلقتها الحرب الدائرة في سوريا والتحدّيات الناشئة عن الهجرة غير الشرعية، باتت تتطلب مقاربة في العمق تختلف عن منحى المسكّنات أو تطبيق مفهوم العمل الإغاثي، وتتجاوز الهواجس والمخاوف التاريخية لدى مسيحيي لبنان من حدوث خلل جديد في التركيبة اللبنانية بفعل أزمة النازحين السوريين تضاف إلى أزمة اللاجئين الفلسطينيين.
فثمة مشكلة تواجه الكثير من المناطق التي شكّلت بيئة حاضنة للنازحين السوريين، ولا سيما في البقاع والشمال. وهي مشكلة مزاحمة النازحين لهم في سوق العمل نظراً لأنهم يعملون بشكل غير شرعي، من دون إجازات عمل من جهة ولا يتحمّلون أعباءً ضريبية من جهة أخرى، فيما كلفة سكنهم وطبابتهم وتعليم أبنائهم، وحتى القسم الكبير من معيشتهم، مؤمّنة من قبل مفوضية اللاجئين والمنظمات الإنسانية. وهم قادرون بفعل تلك العوامل على «حرق الأسعار» في السوق، سواء كيد عاملة أو كموظفين في مؤسسات ومحال تجارية، فضلاً عن أنهم يتمتعون، في بعض المهن، بكفاءات عالية، مكّنتهم من فتح محال تجارية أضحت اليوم تُضارب على اللبنانيين. إنها مسألة تندرج في إطار المنافسة غير المشروعة،. وتحتاج إلى معالجة من خلال تطبيق أكثر صرامة للقانون، لكن ذلك يحتاج إلى أجهزة رقابية فاعلة، وإلى مناخات مُغايرة لما يضرب لبنان من فلتان أمني ــ اقتصادي ــ اجتماعي، ومن عجز وشلل في مؤسساته، فيما الهمّ الأمني يتقدّم على ما عداه من الهموم الأخرى.
لبنان يطرح الصوت كدولة مضيفة للنازحين من أجل دعمه لتحمّل الأعباء المتأتية عن النزوح. والمجتمع الدولي سيستجيب بقدر ما تكون خطة الاستجابة للأزمة متماسكة في رؤيتها، وشفّافة في طرحها، وبقدر ما يتطابق ذلك مع توجهات الأمم المتحدة ودول القرار.
ثمة مثل شعبي : «القلّة تولّد النقار». هذه حال اللبنانيين الرازحين تحت أعباء اقتصادية ضاغطة بفعل الركود الاقتصادي الذي ضرب القطاع السياحي والعقاري والخدماتي في البلاد، مع عزوف العرب عموماً، والخليجيين خصوصاً، عن المجيء إلى لبنان، بفعل تراخي سلطة الدولة وعدم قدرتها على الاستفادة من تحويل لبنان إلى مركز استقطاب اقتصادي فيما الحرائق تشتعل من حوله.
الثابت أن الاقتصاد يُهيمن على ما عداه. وحين يتحسّن الوضع الاقتصادي، ستفرض الدورة الاقتصادية حاجتها إلى اليد العاملة من دون « تربيح جميل». وإلى ذلك الحين سيبقى القتال دائراً على «جلد الدبّ قبل اصطياده».
لكن كل الرهان على أن تكون المطالبات لتأمين فرص عمل للنازحين السوريين عبر رزمة من الإغراءات للحكومة اللبنانية، تنطلق من الحرص الدولي على توفير الظروف الملائمة لضمان استقرار ومناخات تَحدّ من الهجرة غير الشرعية التي تقضّ مضاجع الأوروبين، لا أن يكون منطلقها مخططات تُحاك عن تغييرات ديموغرافية ستفرضها حلول تُرسم لسوريا، من تقسييم إلى فيدراليات ومناطق صافية شهدت تطهيراً مذهبياً، وربما ما جرى في حمص من تدمير ممنهج وتهجير جماعي يُوقظ المخاوف.
قد يقول المتابعون أن لبنان لا تصل مساحته إلى حدود محافظة سورية، وبالتالي فإن سوريا، يوم تتعافى، قادرة على استعادة أبنائها من حضن الدول المجاورة، من لبنان إلى الأردن وتركيا. لكن ثمّة من يرى أن اندماج السوريين في مجتمع يوفر لهم سبل حياة أفضل، عبر ما يُطرح اليوم من «تثبيت النازحين» قد يؤول إلى توطين مُقـنّع، بحيث يزور سوريا في مناسبات الأعياد والعطل السنوية ليس إلا!.

رلى موفق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية