هل هيلاري كلينتون أفضل للسعودية من دونالد ترامب؟

حجم الخط
3

الرياض ـ «القدس العربي»: يتساءل ديبلوماسيون غربيون في الرياض عن موقف السعودية من الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وأي من المرشحين تفضل المملكة؟؟ ويربطون ذلك بزيارة مرتقبة للرئيس باراك أوباما إلى الرياض يوم 21 نيسان/أبريل الجاري.
لم يكن الإعلان عن الجولة مفاجئاً، فالولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي كانت قد اتفقت على عقد قمة سنوية بينهما اثناء قمة كامب ديفيد في حزيران يونيو العام الماضي، وخلالها أصدرت بياناً مشتركاً أكد على التزام الولايات المتحدة الحفاظ على أمن الخليج العربي ولكن في المقابل، جاء توقيت الجولة في وقت كانت العلاقات بين الرياض وواشنطن يدور حولها جدل مثير.
فعقب التصريحات التي أدلى بها أوباما ومرشحون آخرون يخوضون الانتخابات الرئاسية التمهيدية، أصبح التزام واشطن تجاه المنطقة محط الأنظار والمراجعة. ففي مقابلة أجراها جيفري غولد بيرغ، تناول أوباما سياسة السعودية الداخلية والخارجية بالنقد وتساءل إن كان يجب على الولايات المتحدة أن تستمر باعتبار المملكة حليفاً مقرباً، بحسب تقرير لمجلة «ذا فورين أفيرز». وخلفت المقابلة التي نشرت في صحيفة أتلانتيك ردوداً سلبية حادة عند السعوديين الذين عبر كثيرون عن استيائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتقليدية.
وغدا المسؤولون السعوديون محبطين بشكل متزايد جرّاء التجاهل الغربي لمساهماتهم في مواجهة الإرهاب وخاصة بعد قيام السلطات السعودية باعتقال مئات الداعمين لتنظيم داعش على أراضيها، وبعد اتخاذهم ما يرونه إجراءات كافية لضمان أن المؤسسات الخارجية والداخلية التي يقدمون لها الدعم لا تروج بروباغندا الإيديولوجيات المتطرفة.
لكن، لم يكن أوباما الشخصية الأمريكية الوحيدة التي يسلط عليها السعوديون أنظارهم. فقد أذهل صعود رجل الأعمال دونالد ترامب كمنافس قوي على الرئاسة، المتابعين حول العالم.
ففي الماضي، انتشرت وجهة نظر بين السعوديين أن الإدارات الجمهورية تحظى بتأييد الحكومة السعودية أكثر من نظيراتها الديمقراطية، ولكن لا يبدو أن هذه الفكرة تمتد لتشمل دونالد ترامب. فعند إمعان النظر في تصريحاته بشأن الاسلام، التي نظر فيها بأن الاسلام «مشكلة يمكن الحد منها عبر منع المهاجرين المسلمين». وتم تصوير ترامب في مجمل وسائل الإعلام السعودية على أنه شخصية تسعى للتفريق وتقتات على المخاوف ومشاعر فقدان الأمن التي تنتشر في أوساط شريحة صغيرة من الشعب الأمريكي.
ورغم اعتقاد بعض السعوديين بأن ترامب سيسعى للموازنة في وجهات نظره خلال الانتخابات العامة بغية كسب المزيد من الأنصار، إلا أن هناك من يستشعر خطر تأجيجه للكراهية ضد الإسلام ليؤدي ذلك لردة فعل معاكسة ستسهم بتقوية الفصائل الإرهابية المسلحة حول العالم. وفي غضون ذلك، تعرض ترامب لموجة نقد شديدة كان من أشدها، أنه يشكل وجه أمريكا الحقيقي، ولكن في الحقيقة، أثرت انتقادات ترامب للسعودية عبر حسابه على تويتر في مناسبات عدة على حملته الانتخابية.
ورغم عدم وجود استطلاع شامل للرأي يقيس حجم مشاعر السعوديين حيال إمكانية أن يصبح ترامب رئيساً لأمريكا، إلا أن العشرات من عناوين الصحف ومئات التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي تظهر أنه ليس بالرئيس الذي سيرحب به السعوديون.
وفي السياق ذاته، غطت وسائل الإعلام السعودية ببهجة الأحداث الساخنة التي تم فيها انتقاد جولات ترامب بالإضافة لبعض الحوادث العنيفة بين أنصاره ومعارضيه. وحالياً، يجعل تردد ترامب، أو ربما عدم قدرته على الحديث عن العلاقات السعودية الأمريكية بشكل مفصل، الأمر صعباً فيما يتعلق بالتنبؤ إن كان سيسعى لتعزيز العلاقات مع السعودية أم لا وهذا لا يعني أن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، تثير حماساً عارماً بين السعوديين. فقد عبرت إحدى الكاتبات السعوديات عن دعمها لكلينتون من خلال تغريدة على تويتر «ليس لكونها امرأة بل لأنها تحمل رسالة نبيلة فيما يتعلق بالحقوق المدنية، وهذه الرسالة ستؤثر إيجاباً في العالم بأسره».
ويبدو أن الكثير من الدعم الذي تحظى به كلينتون يعود إلى حقيقة أنها منافسة لترامب. وترى البيانات الصادرة عن الحملات الانتخابية لكلينتون انها ربما تكون الاختيار الأفضل لإعادة الأوضاع في الشرق الأوسط إلى سابق عهدها، والذي يتضمن إعادة العلاقات مع المملكة العربية السعودية.
ومهما يكن الأمر، فإنه لبعض السعوديين، يبدو أن كلا الخيارين أفضل (أو على الأقل ليس أسوأ) من أوباما والذي تتمت الإشارة إليه حالياً في الرياض بـانه «أسوأ رئيس للولايات
المتحدة الأمريكية».. ولفهم ذلك، من الجدير التذكير بخطاب أوباما الشهير الذي ألقاه في القاهرة عام 2009، وجعل فيه من نفسه ترياقاً للتعافي من سنوات رئاسة جورج بوش الابن المليئة بالعنف، ربما لطرحه آمالاً كبيرة كان السعوديون شعروا حيالها بالإحباط مسبقاً.
في الحقيقة، وصف مقال صدر مؤخراً في جريدة «عكاظ» الخطاب الذي ألقاه أوباما في القاهرة بأنه «خدعة كبيرة»، بينما نشرت العديد من الصحف الشهيرة مثل «الرياض» و»الوطن» و «المدينة» مقالات تهاجم خلالها أوباما وتنعته بـ «الضعف» و «عدم الاتساق السلوكي» وحتى بـ «النفاق»..
لقد أكد دعم أوباما الأولي لحركة الربيع العربي عام 2011 للبعض بأنه رجل ذو مبادئ. ولكن بالنسبة للسعوديين، الذين يشعرون بالضيق من الآثار غير المستقرة للتغييرات المفاجئة التي جرت على المؤسسات السياسة والاجتماعية داخلياً في مصر ، رأوا أن هجر أوباما لحسني مبارك (أحد الحلفاء العريقين للولايات المتحدة والسعودية) كان أمراً مثيراً للقلاقل.
فقد كان حسني مبارك أكثر الحلفاء المقربين من السعودية في المنطقة، وتم النظر إلى الإطاحة به واستبداله برجل جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي بأنه انقلاب كارثي لنظام السياسة في مصر وبشكل محتمل في الشرق الأوسط بأكمله وفي هذا الصدد، يلقي السعوديون باللائمة على أذرع جماعة الإخوان الذين لجأوا للمملكة هرباً من مصر وسوريا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لجلبهم «الإسلام السياسي» للمملكة. وكانت نقطة الانعطاف النهائي هي الانقلاب المفاجئ لأوباما بشأن استخدام الغارات الجوية ضد قوات الأسد عقب تجاوز الأسد لـ «الخطوط الحمراء» التي رسمها أوباما لسياسته، في التعامل مع الملف السوري، خلال استخدامه للأسلحة الكيماوية صيف 2013 ودار الجدال بين المسؤولين السعوديين والسوريين حول إيقاف تدخل إيران في شؤون الوطن العربي، حيث تجادلوا مراراً حول أن وحشية الأسد هي التي تمكن داعش من الاستمرار في عمليات تجنيد المقاتلين حول العالم.
وحين انطلقت المفاوضات النووية بين مجموعة 5+1 وإيران، كانت الشكوك ملأت السعودية حيال أوباما، ففي هذا الأمر، لا تزال السعودية ترى في إيران تهديداً لأمنها ومصالحها في المنطقة ونظرت إلى الاتفاق النووي المبرم مع إيران بأنه يعمل على فتح الطريق للمزيد من تطاولات طهران وإنفاقها في سبيل زعزعة استقرار المنطقة.
تريد الرياض من واشنطن تأكيدا حازماً وواضحاً يقتضي بأن نظام التفتيش عن امتلاك اسلحة نووية سيكون شديداً ومغلظاً وأن الاتفاق النووي سيحتوي على أحكام تسمح بتطبيق عقوبات «رادعة» في حال انتهكت إيران بنود الاتفاق ويبدو أن الولايات المتحدة نجحت في تهدئة
مخاوف السعودية بشأن الاتفاق. ورغم أن الرياض منحت دعمها الرسمي للاتفاق، إلا أن السعوديين ينظرون إليه على أنه استسلام من طرف أمريكا.
تفيد العديد من المقابلات التي تمت مع أوباما في الأشهر الأخيرة بأنه يرى إيراناً جديدة تمت إعادتها إلى المجتمع الدولي كعامل رئيسي في استقرار الشرق الأوسط، وهذا شكل صـــدمة للســعوديين وبسبب ما سبق، ربما تمثل كلينتون فرصة لإحراز بعض المكاسب الهامشية فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية – السعودية، ويبدو أنها تملك تقديراً أكبر لقيمة العلاقات مع المملكة مما لدى أوباما.
في مقال لغولد بيرغ يقول إن السعوديين يجب أن يتفاءلوا لأن هيلاري، بصفتها شغلت منصب وزير الخارجية خلال الفترة الرئاسية الأولى لأوباما، بادرت إلى اتخاذ ردود قاسية بحق الأسد بداية الحرب السورية، والترحيب بملاحظاتها خلال حملتها التي ترى فيها – خلافاً لأوباما – أن الولايات المتحدة قادرة على المساهمة في وقف حمام الدم الجاري في سوريا بتبنيها دورا أكثر تأثيرا يتضمن فرض حظر جوّي فوق الشمال السوري.
ولا يبدو أن كلينتون متحمسة جداً للاستمرار بنهج التقرب من إيران الذي يسلكه أوباما حيث تبنت نهجاً أكثر تشدداً فيما يتعلق بسياسات إيران في المنطقة.
وعلى صعيد آخر، ربما يقود المرشح الرئاسي ترامب، العلاقات نحو حقبة أكثر تشابكاً، حيث صرح خلال مناظرة أجراها مؤخراً أن إرسال 30 ألف جندي بري إلى سوريا ربما يكون أمراً ضرورياً للتخلص من داعش.
إن تصريحات «ترامب» المهولة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وبساطة تأطيره للمشكلات السياسة والاجتماعية لا يوحي بأنه يزرع الثقة في صفوف السعوديين. ورغم وعود ترامب بـ»إعادة التفاوض» حول الاتفاق النووي المبرم مع إيران حال انتخابه رئيساً، فإن القناعة التي شكلها السعوديون عنه غدت من السوء بمكان لا يمكن إصلاحها وتغييرها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية