صالح ولي فنان ملوك الجن السبعة..!

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: يعتبر «الشيخ الفنان» صالح محمد موسى ولي من أبرز فناني منطقة النوبة في شمال السودان. وتقول الدراسات إنّ النوبة هم مجموعة قبائل تسكن منطقة تمتد على ضفتي نهر النيل أقصى شمال السودان وأقصى جنوب مصر.
وكان وادي الخوىّ، جنوب الشلال الثالث عبارة عن حوض قديم للنيل طوله حوالي 123 كيلومتراً إلى الشرق من مجرى النيل الحالي. فمنذ الألفية الرابعة ق.م. كان حوضاً زراعياً غنياً أدى لظهور مجتمعات العصر الحجري الحديث واكتشف فيه جبانات كانت تجسيداً على الأرض للتنظيم الاجتماعي لمجتمعاتها إبان الألفية الثالثة ق.م. شملت الحضارة النوبية الكوشية ثلاث ممالك أولها نبتة، ثم كرمة، واّخرها مروى في السودان.
ولد الفنان صالح في منطقة أشكيت في وادي حلفا عام 1935م وقصة هذا الفنان – التي رواها في كتاب – في غاية الغرابة والإدهاش، بل هي أقرب لإبداعات رائد الواقعية السحرية غابير غارسيا ماركيز!
تبدأ حكاية صالح العجيبة في طوفان 1946م والذي ضرب منطقتهم وعجل برحيلهم، لكنه يروي – قبل ذلك- موقفاً متعلقاً بميلاده ويقول إن أمه أخبرته بقصة ميلاده وقالت: «عندما وضعتك كنت داخل هذا الكيس- وأشارت إليه بكيس- ولم تكن عارياً وكنت كأنك ترتدي ملابس»..!
يقول صالح إنهم بعد أن فقدوا منزلهم بسبب الفيضان قرروا الرحيل ناحية الجبال والسكن هناك في مأمن من المياه، وبالفعل بدأوا في بناء المنزل بجلب الحجارة من الجبل ويضيف: «في يوم من الأيام قرر والدي أن يصحب أخي الأصغر محمد إلى السوق بينما أذهب أنا وحدي إلى الجبل من أجل جلب الحجر» ويقول إنه وقف أمام جبل اشكيت ورأى شقاً في أحد الحجارة فأدخل فيه الآلة التي يكسرون بها الحجر فارتفع الحجر وفجأة انفجر دخان في وجهه ومنذ تلك اللحظة تغيّرت حياته حيث أصيب بما يشبه المرض «تعب وإعياء وهزال وخوف» فاعتقد أهله أن ثعباناً لدغه وأصبحوا يطوفون به على الأطباء والشيوخ لكنّه لم يشف وكان يصاب بحالة إغماء لا تبارحه إلا بعد شرب الماء..!
ويحكي صالح في كتابه ويقول: «في ظهيرة يوم من الأيام وبينما كنت جالساً وحدي أحسست بأنّ شيئاً يتحرك في يدي وعندما نظرت إلى يدي رأيت سبعة ملوك فخفت كثيراً وأسرعت إلى داخل غرفة أبي ووجدت عمامة أبي فربطت بها يدي حتى لا أراهم وعندما عادت أسرتي سألني والدي «لماذا تربط يدك بالعمامة، فقلت له إنها تؤلمني، وهكذا تمكنت من حبسهم في العمامة لمدة ثلاثة أيام، وبينما كنت في خلوة مع نفسي رأيت العمامة تنحل وحدها».
يواصل ويقول إن رعباً شديداً أصابه وحاول ألا يرى هؤلاء الملوك، لكنه لم يستطع ويضيف: «قلت لهم من أنتم؟ فردوا علي لقد قمت بحبسنا بعمامتك ثلاث ليال، تحدثوا معي باللغة العربية فقلت لهم أنا مرعوب وخائف منكم فقالوا: ضع يدك التي نحن فيها على قلبك، ففعلت وبمجرد أن وضعت يدي شعرت بالاطمئنان وزالت كل مخاوفي منهم وتحدثت معهم وكأني أتحدث مع أشخاص عاديين فسألتهم مجدداً ماذا تريدون مني؟ فرد واحد منهم: نحن مسلمون نخشى الله سبحانه وتعالى وحياتنا موهوبة لطاعة الله ومساعدة المحتاجين ويمكننا فعل أي شيء بإذن الله.. وعليك أن تلبي كل أوامرنا خاصة أنك المسلم الذي كان موعوداً أن يخرجنا منذ زمن سيدنا سليمان..».
يحكى صالح ول ولي في كتابه قصصا أقرب إلى الخيال حيث أصبح يعالج ما استعصى من المرض داخل وخارج السودان، خاصة ما يتعلق بالسحر، وعالج نساء في حلفا ومصر والسعودية ويقول إن شهرته ملأت الآفاق وأصبح الناس يفدون إليه من كل مكان ويقدسونه لدرجة تؤدي إلى الشرك بالله فقرّر أن يتخلى عن هذه الحالة.
ويقول: «ذهبت إلى الجبل ودعوت ربي أن يعطيني شيئاً يشك به الناس في أمري ولا يصدقونني، وعندما أردت العودة إلى المنزل فإذا بصفيحة تلمع مع ضوء الشمس فذهبت وحملتها بيدي وأخذت أدندن بها وكأنّها طار نوبي فبدأت أغني من الجبل إلى منزلي ودخلت وجلبت جميع الملابس وعلقتها على حبل الغسيل أدفع الحبل بيدي وأتركه وكأن أشخاصاً يرقصون أمامي وأنا المطرب الذي أطربهم وفجأة بدأتُ كتابة الشعر دون أن أشعر ومن ثم ألحّن ألحاناً طروب فدخلت إلى عالم الغناء والطرب من أوسع الأبواب الفنية.. وكان الناس يستعجبون من كلماتي وتلحيني وكما دعوت الله فإن الشكوك باتت تراود الجميع فكيف لي أن أكون شيخاً وفناناً في آن واحد؟»!.
تستمر القصص العجيبة لفنان النوبة الأوّل ويروي أنه تزوج جنية وجدها في النهر وهي تسكن في قصر تحت الماء، ثم تزوج بعد ذلك من زوجته الحالية وأنجب منها أربعة أولاد وثمان بنات وبعد زواجة بثلاثة أشهر رحل جميع مواطني وادي حلفا إلى خشم القربة وكان ذلك في عام 1963 ويقول: «قمت بتأليف أغانٍ عديدة من أجل أرضنا العظيمة وادي حلفا».
يقول صالح إنه وبعد أن دعا الله أن يشكك فيه الناس ألهمه الغناء وأصبح فنان النوبة الأول فكان الذي يريد الزواج لا يحدّد يوم الزواج إلا بعد أن يتأكد أنه غير مرتبط وسيغني له في فرحه وإلا فإنه يؤجل زواجه».
وفي عام 1957 سجل صالح ول ولي عدداً من الأغاني في «الإذاعة السودانية| وبلغ عددها الآن 67 أغنية وفي «إذاعة وادي النيل» في القاهرة له 35 أغنية مسجلة وله أغانٍ مسجلة في السعودية والكويت وفرنسا.
وفي إطار الحملة العالمية لإنقاذ آثار النوبة، جاء وفد هيئة اليونسكو لتسجيل بعض الأغاني والأثار الشفاهية للنوبة وذلك في الفترة من 1957 ـ 1962 فقام صالح بتسجيل 46 أغنية لهذا الوفد .
سارت ابنته ذكريات في دربه وأصبحت مغنية دون بقية أخواتها، أما لقب «ول .. ولي» فيعود إلى إحدى أغنياته وهي باللغة النوبية، ويبلغ عدد أغنياته 2000 أغنية وفاز بالعديد من الجوائز منها الجائزة الأولى من بين ثلاثين فرقة مختلفة على مستوى العالم وكانت بفرنسا عام 1997م.
ويقول صالح، الذي رحل في فجر يوم الخامس من شهر نيسان/أبريل 2014م ودفن في مقابر الكلاكلة القبة. إن حياته منذ بدايتها مليئة بالعجائب والمواقف المدهشة ويقول إنه نظم الكثير مما مر به في شكل أغنيات ويضيف أنه حاول أن يذكر بعض ما مر به في حياته ويقول «إن ما في قلبي لا يحتويه كتاب».

صلاح الدين مصطفى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية