عمان ـ «القدس العربي»: يدرك صانع القرار الأردني متأخرا محصلة الفارق بين النتيجة التي أرادها وخطط لها لنوعية محددة من أعضاء البرلمان تميل إلى الموالاة والوسطية ولا تحمل شعارات الإصلاح السياسي الشامل كما يفعل الإسلاميون وبين الناتج الحقيقي في مساحتي التشريع والرقابة بصورة محددة.
الرؤيا الملكية المعنية بمأسسة العمل البرلماني تحديدا وتطوير أداء مجلس النواب طموحة وفعالة وقد تكون مثمرة في ضوء ما يرشح من ملاحظات ملكية مرجعية.
لكن هذه الفعالية وعندما يتعلق بالنتائج حصريا تصبح قاصرة وضعيفة بسبب التوليفة التي تم بموجبها اختيار أو إنتخاب تركيبة أعضاء مجلس النواب في الانتخابات السابقة.
وهي توليفة استندت على تجنب المفاجآت والعمل المتسارع على وجود أغلبية مضمونة وميسورة من النواب لا ترهق النظام ومؤسسات القرار بالمعارضة السياسية المنهجية أو بدعوات الإصلاح السياسي.
في الانتخابات السابقة خطط القوم في دوائر القرار جيدا لتركيبة النواب، فقد تم التمسك بقانون الصوت الواحد الذي يقاطع الإخوان المسلمون بسببه العملية الانتخابية، وحرص القوم نفسهم في التفاصيل والإجراءات على تقليص فرص المرشحين المزعجين احتمالا أو المسيسين.
في الوقت نفسه خدمت تقسيمات الدوائر مرشحي الثقل الكلاسيكي الذين يصفهم في العادة الناشط السياسي خالد رمضان انهم يمثلون مركز الثقل العشائري المتحالف مع مركز الثقل الأمني.
في غضون ذلك وضعت قيود على هوامش حركة الهيئة المستقلة الوليدة للانتخابات في ذلك الوقت قبل أكثر من ثلاث سنوات وسمحت المؤسسات التنفيذية والسيادية لمراكز الثقل البيروقراطي بتقييد حركة واستقلالية الهيئة المستقلة. وهو ما أقر به ضمنا وعلنا أول رئيس للهيئة عبد الاله الخطيب عندما تحدث في لقاء حواري ردا على ملاحظة لـ «القدس العربي» مشيرا إلى ان الهيئة جنين وليد وقد يكون من الطبيعي في هذه المرحلة ان تقاومها الأجساد الأخرى.
المؤسسات الرسمية لم تظهر التجاوب الكافي طوال الوقت لتعزيز هيئة الانتخابات المستقلة وتلك مشكلة أقر بها أمام «القدس العربي» رئيس الهيئة الثاني الوزير الأسبق والمحامي رياض الشكعة.
الهيئة المستقلة لها قوة دستورية في الواقع لكن لا توجد لها مخالب ولا تستطيع معرفة ما الذي يجري في المفاصل ولا توجد لديها معلومات طازجة، ونائبة الرئيس اسمى خضر أقرت علنا أيضا أن الهيئة لا تعرف ما الذي يجري في غرف العمليات أثناء الاقتراع.
بمعنى سياسي عميق ولدت الهيئة المستقلة للانتخاب كإطار دستوري لكن الإرادة السياسية في منحها القوة الحقيقية التي تبطش بأي محاولة للتدخل في الانتخابات لم ترافق مسيرة هذه الهيئة حتى هذه اللحظة على الأقل.
ذلك مبرر سياسيا وأمنيا في رأي مراقبين خبراء، لأن الحرص على وجود أغلبية معتدلة ومضمونة كان أقوى من الحرص الحقيقي على استقلالية ونزاهة الانتخابات ولأن في ذهنية غرف القرار تجميد أو ترشيد جرعات الإصلاح السياسي التي كان حراك الشارع بتضامن الإخوان المسلمين يطالب به. الأهم ان الهيئة المستقلة لم تمنح القوة الكافية لا هي ولا مبادئ استقلالية ونزاهة الانتخابات لأن الأجندة في ذلك الوقت كانت تنطوي على تعديلات وإصلاحات دستورية تم إقرارها فعلا لإنتاج طمأنينة في أروقة الدولة والنظام لها علاقة بصلاحيات القصر الملكي خصوصا عندما يتعلق الأمر بتعيينات الكبار في الأجهزة العسكرية والأمنية.
يفترض ان هذا الترتيب سبق عمليا أو يسبق الوصول إلى مرحلة حكومة الأغلبية النيابية التي تحدث عنها الخطاب الملكي أكثر من مرة وفي مناسبات عدة.
معنى الكلام ان الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات بقيت عمداً ضعيفة طوال المرحلة الماضية خوفا من معارضة برلمانية شرسة أو شخصيات وطنية بأجندات سياسية يمكن ان تمس إذا ما قفزت لصدارة البرلمان الثوابت العامة المألوفة.
وعليه فان ما حصل هو كالتالي: تم التخطيط لتجنب وجود كتلة متماسكة وصلبة في المعارضة فاكتشف الجميع اليوم ان أجواء المناكفة الشخصية التي ينتجها نواب الموالاة المحسوبين على الدولة والنظام أسوأ في كلفتها من أي معارضة منهجية بما فيها تلك المرتبطة بالإخوان المسلمين.
وتم الحرص على إقصاء الإخوان المسلمين وإستبدالهم بنكهة من النواب المتأسلمين سياسيا كإطار بديل فاكتشف الجميع ان كل مجموعة إسلامية تنشق عن الإخوان المسلمين لسبب أو لآخر تغازل النظام اليوم أو تبتزه سياسيا لوراثة مقاعد الإخوان الأصليين في البرلمان.
وتم التخطيط لأغلبية تمثل الثقل العشائري فاكتشف الجميع ان قادة وزعماء العشائر الحقيقيين تم اقصاؤهم لصالح تعبيرات شابة تحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد والمال لضمان مستويات من الولاء التشريعي.
أبعد السياسيون والمسيسون فنتج عن الانتخابات الأخيرة تيار برلماني عنيف يمثل رجال المال والأعمال وطبقة التجار والبزنس وأصحاب المصالح في السوق والمقاولون والراغبون في العطاءات فدخلت الحكومة هنا في أنماط لا يمكن تخيلها من الابتزاز والرغبة في تحسين المصالح، حتى ان المال السياسي بدا نافذا جدا في لعبة التشريع وهو ما قاله علنا في ندوة عامة برلماني مخضرم من طراز عبد الكريم الدغمي. محصلة الاستخلاص اليوم ان جهة ما نافذة في القرار والدولة لا تريد معارضة في برلمان المستقبل، لكنها تشتكي من الابتزاز الذي يمارسه نواب الخدمات والثقل الاجتماعي وتتذمر من المحصلة السلبية الناتجة عن تأخير قوانين وتشريعات ومظاهر عدم جدية في العمل وممارسات لا يمكن القول انها تنتمي للبرلمان الحقيقي.
والخلاصة يمكن فهمها من خلال التأكيد على ان تطوير اللعبة البرلمانية بشكل يليق بالأردن وبالنظام ويمكن تسويقه في الخارج، يتطلب قواعد مختلفة ونظيفة للعب عن تلك المألوفة عندما يتعلق الأمر بالانتخابات أو بهيئتها المستقلة.
بسام البدارين