■ ربما لا يبدو بيان الحكومة مهما، ولا حتى شخص المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء المعين من الرئيس السيسي.
رئيس الوزراء في مصر لايزال في مكانه القديم كسكرتير للرئيس، وقد أرهقوا الرجل المرهق غاية الإرهاق، وكلفوه بقراءة بيان استغرق ساعة أمام مجلس النواب، وقطع الرئيس السيسي ـ بدون أن يحضر ـ قول كل خطيب، وطلب من البرلمان ـ «الميني برلمان» في الحقيقة ـ التصويت بالثقة على الحكومة التي كلفها، وهو ما يثق الرئيس أنه سيحدث تلقائيا، وببركة تصويت الأغلبية الميكانيكية من «خدام» جماعة البيزنس وجماعة الأمن.
ولا نريد أن نقسو على المهندس إسماعيل، فقد ربط البيان ووضعه «مطرح ما عايزه صاحبه»، وتحدث عن سبعة محاور في نص إنشائى ركيك، بدت كلماته باهتة متآكلة الحروف، ومنقولة آليا من وعود سابقة لحكومات المخلوع مبارك، وبدون أن تبدو في الأفق ملامح لرؤية جديدة، ولا شبه جديدة، تبرر توقعات رئيس الوزراء عن معدل النمو ومشاريع الإسكان والصرف الصحي، التي مدها إلى سنة 2020، أي بعد عامين كاملين على نهاية رئاسة السيسي الأولى، وكأن إسماعيل يتوقع أن يمتد به الأجل في الحكومة، وإلى خط نهاية الرئاسة الأولى في أواسط 2018، أو كأنه يتوقع أن يعيد السيسي تكليفه حال انتخابه رئيسا للمرة الثانية، ولا بأس بتفاؤل السيد رئيس الوزراء بصدد مستقبله الوظيفي، وإن كان لم يجد لتفاؤله وسيلة، سوى بسرقة عبارة اشتهر بها باراك أوباما عند ترشحه رئيسا لأمريكا لأول مرة قبل ثماني سنوات، وقال إسماعيل ـ كما قال أوباما ـ «نعم نستطيع»، ولعله قصد أنه «يستطيع» البقاء طويلا في منصبه، وهي مراوغة لفظية تذكر بأمل إبليس في دخول الجنة، فلم يلتفت الرجل إلى العبارة التي كلفوه بتلاوتها «خطفا»، وهي جوهر المستفاد من بيان الحكومة على عواره اللغوي والسياسي، والتى تحدثت عن ضرورة اتخاذ «القرارات الصعبة» التي تأجلت طويلا، وقد سبق لإسماعيل أن أشار إليها في لقاءات مع عينات تسويق مختارة من الكتاب والصحافيين، وتجاهل الرئيس السيسي ذكرها في لقائه مع العينة المختارة من المثقفين، ربما حتى لا تنفجر في وجهه شخصيا، فقرر إعادة تكليف إسماعيل بنطقها وتحمل مضاعفاتها، وما من سر مخفى في «القرارات الصعبة» إياها، والكفيلة بإشعال حرائق تأكل حكومة إسماعيل، وتحيله إلى مخازن استيداع سبقه إليها غيره، فليس بوسع الناس أن يصبروا أكثر مما صبروا، ولن يسكت أحد على «قرارات صعبة»، من نوع خفض دعم الطاقة، وإشعال جحيم الأسعار فوق الغلاء والغليان القائم، وزيادة أسعار البنزين والسولار والمازوت والغاز والبوتاجاز والمياه والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، ومن بعدها وقبلها كل السلع والاحتياجات الأساسية، وهي القرارات التي لم يشأ إسماعيل أن يعلنها بصراحة وتفصيل في بيانه، حتى لا تعوق عملية نيل الثقة البرلمانية، وإن رأى من كلفوه، أن الإشارة إليها تكفى، ولا يبقى سوى قرارات التنفيذ المؤجلة إلى حين قريب، وبدون أن يكون للبرلمان فرصة ولا دور في الموافقة أو الاعتراض.
هذه هي حقيقة القنبلة التي أخفاها اسماعيل، أو التي كلفوه بإخفائها على نحو ساذج مكشوف، فقد ألبسوه الحزام الناسف، وتركوه لمصير الاحتراق والتدمير الذاتي، وفضل الرئيس السيسي أن يبقى هذه المرة بعيدا، وأن يتحدث فقط عن إنجازات غير منكورة، على طريقة مشروع تنمية قناة السويس وشبكة الطرق واستصلاح المليون ونصف المليون فدان، ولا بأس بإضافة عناوين خدمية من نوع الإسكان الاجتماعي وشبكة الصرف الصحي، وردت تكرارا في بيان الحكومة، وبدون أن يجرؤ إسماعيل على ادعاء الفضل فيها، فللرئيس السيسي حكومات أخرى أهم، أظهرها حكومة الجيش التي يعتمد عليها بالأساس، والتي تشرف على حركة المشروعات الكبرى، فوق أن الرئيس يدير بنفسه قطاعات بذاتها، أهمها قطاع الطاقة والإسكان وبناء المدن الجديدة، ويتدخل في تفاصيل التفاصيل، ويناقش مصير كل مليم في ماكينة إنفاق ضخمة، تجاوزت حدودها حتى الآن مبلغ الخمسمئة مليار جنيه، فما من عائق ولا عوز يقف في طريق ما يمكن تسميته «رأسمالية الجيش»، التي تدير عملا يتسع بإطراد، ويضم نحو مليوني مهندس وفني وعامل مدني إلى الآن، ويضيف أصولا هائلة للوجود المصري، تحتاج بطبيعتها إلى زمن طويل لكي تدر دخلا، أو تغير من ظروف اعتلال الاقتصاد المصري، بينما تترك حكومة إسماعيل وحدها طعاما للحريق، وفي مهب ريح متاعب اللحظة، وفي دوامة العجز المخيف في الموازنة العامة، ويطلب منها أن تدبر أحوالها، وأن توجد إيرادات جديدة، فلا تجد غير سياسة «المشي في الجزمة» نفسها على طريقة الفنان محمد صبحي في مسرحية «الجوكر»، فتعالج الداء بالتي كانت هي الداء، ولا تجرؤ على رفع عينها في وجوه من تسميهم رجال الأعمال، ولا على التفكير ـ مجرد التفكير ـ في تطبيق خطة الضرائب التصاعدية، ولا على مضاعفة الحد الأقصى لضرائب الدخل، ولا على بناء اقتصاد انتاج حقيقي، يزيد الصادرات ويخفض الواردات، ويرد الاعتبار النقدي للجنيه المصري، فتلك كلها قرارات سيادية وأساسية، لا يملك رئيس الوزراء حق التصرف فيها، وهو الذي شكل وزارات الاقتصاد في حكومته من «الخدم» التابعين لشركات مليارديرات النهب، ولا شأن له بتحصيل مستحقات الدولة من الناهبين والفاسدين، فهو يكتفى بعبارة هائمة عن «مكافحة الفساد»، وردت في بيانه الفارغ من المعنى، ولم يحدثنا، ولا حدثنا الذين كلفوه، وألقوا به في اليم، لم يحدثوننا عن مصير قرابة التريليون جنيه (ألف مليار جنيه) مستحقة للدولة لدى ناهبي أراضي الطرق الصحراوية والمجتمعات العمرانية، فتلك كلها مسائل تخص الرئيس لا رئيس الوزراء، والمهندس إسماعيل هو «عبد المأمور» وليس «المأمور» ولا هو الآمر، وقد قبل الرجل ـ لسذاجته ـ أن يلبس الحزام الناسف، وأن يتحمل مسؤولية الجهر بعنوان ما سموه «القرارات الصعبة»، وعلى ظن أن الفقراء والطبقات الوسطى هم «الحيطة المايلة» في هذا البلد، وأن المطلوب فقط هو حماية امتيازات الواحد بالمئة من المصريين، وهم طبقة النهب و«الشفط» التي تملك نصف ثروة البلد، وإجبار التسعين بالمئة ـ من الفقراء والطبقات الوسطى ـ على دفع تكلفة إصلاح عجز الموازنة، وهم الذين لا يملكون سوى فتات وحطام يصل بالكاد إلى إجمالى ربع الثروة المصرية، ويسميهم الرئيس ورئيس وزارته بمحدودي الدخل، جريا على عادة المخلوع مبارك، بينما هم من منهوبي الدخل، ومع ذلك يتجبرون عليهم مقابل تدليل من يسمونهم برجال الأعمال والمستثمرين، ومقابل «التطنيش» على ثروات الفاسدين المنهوبة، وإزاحة رئيس جهاز المحاسبات من طريقهم، وإقامة حفلات ومهرجانات لتكريم الفساد بدعوى محاربته، وتحميل العبء كله على غالبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى، وإضافة العنت إلى العنت الواقع، وجعل حياتهم جحيما لا يطاق، وبهدف تمرير الخراب الذي يسمونه إصلاحا اقتصاديا، وهو «الإصلاح» الذي جرى ابتذال معناه في عقود حكم المخلوع، وتجري العودة إليه الآن تنفيذا لشروط البنك وصندوق النقد الدوليين، وقد تحدث الرئيس السيسي مرارا عن ضرورة طرح أفكار من خارج الصندوق، بينما أفكار حكومته ومستشاريه كلها من داخل «صندوق» النقد الدولي، وليس فيها من جديد سوى إغراق البلد في تلال من الديون، وإجبار الناس على العيش في ظلال تلال من قمامة الفساد، ثم شق جيوب المعذبين المتعبين المنهكين بالفقر والبطالة والمرض، والمخاطرة بطلاق بائن مع مطامح العدالة الاجتماعية المدهوسة، والتعويل على شعبية مفترضة للرئيس السيسي، تناقصت معدلاتها بشدة، ولم تعد تحتمل مقامرة اتخاذ إجراءات جديدة ضد الشعب في غالبه الساحق، فقد سبق للرئيس اتخاذ خطوة أولى في خفض الدعم وزيادة الأسعار، وكانت شعبية السيسي وقتها في أوجها، ومرت الخطوة بسلام اجتماعي نسبي، وهو ما قد يتصور الرئيس إمكانية تكراره، ولكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، فالغضب يجتاح النفوس، وقد بدا غضب الناس صامتا مع إحجام أغلبهم عن المشاركة بالتصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بدا الغضب مكتوما، وفي صورة عصيان مدني تلقائي على طريقة «خليك في البيت»، وقد حذرنا مرارا وتكرارا من إمكانية تحول «الغضب الصامت» إلى «غضب ناطق»، وتواترت أمارات الغضب الاجتماعي سراعا، ولم يعد ينقصها سوى اتخاذ ما يسمونه «القرارات الصعبة المؤلمة»، التي قد تكون إيذانا بحريق لا يبقى ولا يذر، فاحذروا اللعب بالنار، وبأحزمة القرارات الناسفة.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل