ما دامت قضية بقاء النظام أو زواله لم تجدَ لها حلاًّ بين قطبيْ النفوذ الأجنبي في سورية الروسي والأمريكي، فكأن السنوات الخمس والست العجاف التي عاشتها الشام ومعها معظم قضايا المنطقة الحيوية، كأنما لم تكن هناك حرب وأهوال وملايين الضحايا. كأن البلاد لا تزال في الأيام الأولى من انفجار ثورة الشباب الحرة.
فهل يمكن لما يُسمى بسياسة النفوذ الأجنبي أن تلغي واقعاً كاملاً من حيّز وجوده الذاكري والفعلي. هل من المعقول في شيء أن ينظر إلى الثورة كما لو كانت لم توجد قط، وأن الناس جميعاً ما زالوا سائرين، ولو نياماً، في تلك المظاهرة الرمزية الكبرى التي كانت تنادي: الشعب يريد إسقاط النظام. ولكن النظام باقٍ. والمظاهرة تلك وكل التاريخ الدموي الفريد في فظائعه الذي ولدته في كل لحظة من عمرها المديد، لم يكن له أي أثر حقيقي فيما يتعلق بمستقبل شعب وحاضر إنساني منشغل بوعود العدالة المغدورة، هل نحن اليوم لم نزل في أواخر آذار/مارس من العام 2011. ما معنى أن السنوات الخمس أو الست العجاف، تظهر وتختفي بناءً على رغبات بضعة رجال مرتهنين بألقابهم السياسية الأجنبية. فما السر في هذه الأعاجيب. هل أصبح رجل واحد ونظامه أقوى على البقاء والصمود من مسيرة التاريخ العام نفسه، وأقوى هذه البراهين ليست تلك التي يعتقدها النظام في نفسه وفي طاقته، بل هي فيما يمكنها أن تحبط كل ما عداها من البراهين المضادة لها أصلاً.
النظام السوري ليس خارق العادة، ليس فوق العواصف التي حاولت أن تجرفه مرات عديدة، بل كان هو المستفيد الأول من أخطاء كل منها، ومعظُمها كان رافلاً بأخطائه القادمة إضافة إلى نواقصه الأساسية دائماً.. فما لا شك فيه أن الثورة السورية كان مبررها الأكبر هو الخلاص من تسلّط النظام. لكن بالمقابل كان النظام قادراً على تجديد تجذره بعد كل زعزعة تصير عارضةً وعابرة، يعود بعدها النظامُ أشدّ مما كان عليه من تماسك بين بقاياه الأساسية، وأشدُ بطشاً بأعدائه القدامى، مع تعاظم شكوكه بأعداء جُدد قريبين من صفوفه الأولى.
النظام السوري ليس سوى الصيغة السلطوية الممارسة عبر رجال معدودين، ويدورون جميعاً في فلك الرجل المركزي الذي هو الزعيم الفعلي، فإن بقاء هذه الصيغة أو زوالها لا يعني إن قوى الاستبداد المتغلغلة في هيكلية النظام قد تختفي معها أو تبقى لما بعدها. بل هي الباقية حقاً، ومن ثم تسعى إلى إختلاق الصيغة الظاهرية والأدواتية الجديدة لمرحلة التسلّط القادمة.
إذا كان أحلاف النظام يضاعفون بين منعطف إلى آخر، من عزيمة أصحاب النظام على التشدد في كل ما يدعم تفوقه على أية قوة قد تتصدى له. فالنظام لا يبقى صنيعةَ أصحابه، بل يغدو هو كذلك صانعهم الأكبر، أو حاميهم. والحقيقة فإن قوة نظام الإستبداد مشتقة أولاً من تسلّطه على الدولة. بمعنى أن الاستبداد يجعل الدولة ملحقة بالنظام وليس العكس. وفي هذه النقطة بالذات من تقاطع هيكلية النظام مع سلطة الدولة، يتبجّح صاحب الحكم بالإدّعاء بأنه هو حقاً مالك الحكم. وليس مجرد مسؤول عنه وظيفياً. وعلى هذا الأساس تنزاح موضوعية النظام لتكون شيئاً من رصيد الحاكم نفسه، من ممتلكاته الشخصية، فالتماهي بين النظام وزعيمه ليس شأناً إعلامياً فحسب، بل هو مفصل آلي ثابت ما بين المؤسستين: وهما السلطة المعنوية المطلقة للنظام، مقابل التبعية الكاملة للزعامة من قبل فئات المجتمع كلها، فالحديث عن مناعة النظام، ليس مبعثه الإعجاب الشعبوي بمقدرة الزعيم الخارقة على حماية مصالحه فحسب، بل يمكن القول أن الصراع ضد النظام يتحوّل سريعاً إلى صراع ضد الدولة نفسها. ولذلك تشبث المدافعون عن النظام بادّعاء أن إسقاطه إنما هو في الحقيقة قضاء على الدولة نفسها.
فليس من شعب عربي يجازف بتدمير دولته، وإن كان تبريراً للخلاص من نظامها الديكتاتوري المتسلّط عليها.. فلا يفوتنا في هذه المناسبة التذكير بأن العرب عاشوا ألف سنة محرومين من (دولتهم) المستقلة. وهم إذ استطاعوا أخيراً بعد التحرر من الإستعمار العسكري الأوروبي أن يشرعوا في بناء عشرات الدول لشعوبهم المبعثرة. فذلك كان بمثابة تدشيناً للدخول إلى عصر آخر هو من طبيعة الحضارة. فالدولة هي الإكتساب الأول على المستوى الحضاري لنوع الشروع في الوجود الإنساني متخطياً مستوى الوجود العضوي الأول للكتل البشرية. العرب متمسكون بكيانهم الدولاني. إنه يحقق ملكيتهم العمومية لشخصيتهم الإنسانية، في حين أن المتسلطين على النظام هم محاصرون بالنزعة الفئوية المحدودة ضداً على المصلحة العمومية. ههنا مركزية الضعف الغريزي لكل أنظمة العنف الإستبدادي. فهي مضطرة إلى المزايدة بوسائل العنف الأعمى كيما تغطي على نقصانها الفادح من مشروعية التمثيل الحر لأصحاب مراكزها الحاكمة.
إن قصة الثورة العربية مع أنظمة دولها هي قصة معاناتها من وطأة المسؤولية القومية والشرعية عن مؤسسة الدولة، ففي الوقت الذي لا بد من تفكيك الآلية المتداخلة ما بين بنية الدولة وهيكلة الإستبداد المتداخلة معها فالمشكلة في النظام الأسدي أن مؤسسه الأول حاول منذ البداية أن يطمس كل حدود ممكنة ما بين أجهزة النظام وفعاليات الدولة تحت إسم أدلجة العقيدة الثورية، فالثائر العربي الثوري لا يجيز لذاته أن يكون عدواً لدولته في الوقت الذي يكافح فيه من أجل الإطاحة بالقليل أو الكثير من عنف السلطة، فلقد طالت مُهل إسقاط النظام الأسدي. ولم تكن العلة واحدة دائماً، بل ربما كانت العلة المتحكمة هي أنه لا يمكن التخلص من عنت الدولة إلا بالدولة عينها.
فهل وصلت مآزِق الثورة في سوريا إلى الحائط المسدود حقاً، أو أنها توشك على مواجهة أصعب القرارات الخلاصية، وهو محظور للإطاحة بالدولة ونظامها السياسي الحاكم معها.
ذلك القرار الذي لم يجرؤ على اتخاذه أحد من الفصائل المقاتلة حتى مجيء داعش الرافعة لشعارات العدمية ضدّ كل ما هو قائم. ومع ذلك، فلن يكون باستطاعة هذا التنظيم أن يفعل وحده ما لم يجرؤ أن يفعله سواه.
لقد تقلّصت أهداف تغيير النظام تلك إلى حدود التخلص فقط من شره الأكبر وهو الرئيس طبعاً، لكن العقل الدولي المتحكم راهنياً بالشأن السوري غدا يعاني من عين الاستعصاء ذاته الذي كبّل الثوار وأعاقهم عن قرار الحسم الأخير ضد النظام، وربما معه دولته؛ إن كان لا بد من إطاحة الدولة كشرط لإزالة النظام المتربع على قمتها.
وفي أوج هذه الإستعصاءات من كل نوع لا بد أخيراً أن يعلو صوت ما للقضية الأصلية. فالثورة لن تكون أداة طيعة في أيدي الآخرين مهما كان أصحاب هذه الأيدي من كبار القادرين على توجيه العالم. ذلك أن القلق الحقيقي الذي يكاد يشلّ إرادة الجميع إنما مبعثه سؤال: من سوف يحكم سوريا بعد كل هذا؟ وعلى حطام كل من الدولة والنظام معاً كيف ستنشأ سوريا الجديدة ؟ ومن هم صانعو مستقبلها، المختلِف كلياً عن ماضيها… هذه الأسئلة هي المحركة الأساسية لتفاعلات مرحلة التفاوض الحالية، فالإهتمام الفعلي لأقطاب المرحلة بات ينصبُ على التشخيص الإنساني لرجال الحكم السوري القادم، فمن هم هؤلاء؟ فالمرشحون لتبوؤ السلطة كثيرون، لكنهم هم الأقل من طبقة الرجال المتمتعين بالخصائص المطلوبة لقيادة سوريا المستقبل. ومن المعلوم منذ اليوم أن حكام الغد لن توصلهم مزاياهم القيادية إلى مركز السلطة العليا بقدر ما هي القوى المتسلطة على مجمل أوضاع الحالة الراهنة، فهي المكلفة بتأمين أنصارها في الصف الأول من حكام البلد: هل هو رئيسٌ موسكوفيٌ أم أمريكي أم سعودي، أو أنه عربي سوري حقاً ــ هل هذه هي القضية إذن، وكل ما عداها هو مجرد شغب سياسوي..؟
❊
٭ مفكر عربي مقيم في باريس
مطاع صفدي