القصائد تحاكي ثيمات الصراع النفسي للشاعر… انطولوجيا الوحدة في ديوان «من وراء الغربة

حجم الخط
0

«من وراء الغربة» عنوانٌ لمجموعة شعرية صدرت باللغة العربية والألمانية للشاعر الجليلي صالح خليل سروجي عام 2006 عن دار نشر Verlag Erich Wieß في مدينة بامبيرغ الألمانية، وأعيدت طباعتها للمرة الثانية عام 2010 عن دار النشر ذاتها.
وعلى الرغم من أن هذا العنوان لم يرد كمفتاح لقصيدة بذاتها في الديوان، أو ظهر كمقطعٍ شعريِ من إحدى القصائد، إلا أن هذه العنونة تشكل عاملاً مشتركا أَّلف بين القصائد الاثنتين والثلاثين مجموع قصائد الديوان. فاختيار الشاعر لاسم مجموعته الشعرية بهذا المعنى منحه امتداداً طبيعياً على جغرافيا الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، ما أكسّب العنوان أهميته، للمعنى المُغيّب الذي سيقودنا إليه سروجي في فهم حقيقةَ المكان والزمان الماورائي القابع خلف معنى العنوان.
تتكثف كلمة «الغربة» على لوحة الغلاف، فاصبحت كنافذة زجاجية يطلّ الشاعر من خلفها. ولعلّ هذه النافذة هي وسيلة الشاعر للتخفيف من الشعور بالوحدة بين عالمين: الأول خارج النافذة والآخر داخلها. كأنه يراقب من خلف نافذته ما يدور في غربتيه الداخلية والخارجية. ويتأمل عميقاً الذات الحائرة في داخلها، والذات المتأملة في خارجها، في مسافة فراغية تتأرجح بين الهنا والهناك، بين الأنا والآخر، بين الحضور والغياب، بين الوطن والغربة، بين الحب والفراق، بين البقاء والرحيل. هذه «الثيمات» المتصارعة والمتنافرة في ما بينها تنصهر لتُقلص المسافة بين «أنا الشاعر» و»الآخر» في ديوانه، لتشكل في مجموعها حواريات تطرح أسئلة أنطولوجية عن قضايا تؤرقه وتغوص عميقاً في فكره، لتبين لنا علاقته بما حوله كالوطن والإنسان، الكون والوجود، الحب والموت، الشوق والغياب، الغربة والمنفى. فلا يجد لها أجوبه تشفي أنين النفس وتساؤل الروح الحائرة إلا في عالم الشعر الموسوم بأسلوب فني يتميز بالتكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية بلغة شاعرية أنيقة تمزج فيها الواقع المعاش وتتأمل في الكون ومعانيه الإنسانية الخالدة.
لكن تبقى هذه الأسئلة ناقصة ما لم نلاحظ الصورة على وجه الغلاف، وهي كلمة «الحرية». ولعل الشاعر أراد أن يضيف إلى أسئلته الوجودية كلمة «الحرية»، وما تعنيه هذه الكلمة من رغبة في التحرر من القيود والحدود إلى الآفاق الممتدة. كأنه يقودنا في نهاية تأمله في الكون والحياة وما تحويها من معاني الحب والفراق والغربة والوطن، إلى معنى سام وقيمة عليا للإنسان وهي السلام. هذه الكلمة الخاتمة التي استقرت حروفها على دفة الكتاب الخلفية لربما نعتبرها خلاصة رؤية الشاعر وبحثه في الحياة.
في نظرة بانورامية لفهرس المجموعة، نجد أن القصائد الشعرية تقسّمت على أربع حالات. لعلّها حالات الشاعر الأربع التي عاشها في زمانه ومكانه. وقد أطلق على كل حالةٍ من هذه الحالات اسما. فالحالة الأولى سمّاها حالة الحب. واحتوت على ثماني قصائد: «الحبُ كالريشة، عِناق، ضَياع، لا غبار بعدَ هذا الغبُار، أهديكَ صوتين، حالة طوارئ، نبيذي لا يكذب، اختلاط الأمور». والحالة الثانية أطلق عليها حالة الشوق. وقسمها الشاعر أيضا إلى ثماني قصائد: «خذيني حتى آخر الشوق، حُلم، المسافرُ، سرُّ البحر، حضورُ الغياب، يفاجئني الشّوق، إلى أيّلول، القدس». والحالة الثالثة هي حالة الوطن.
واحتوت على ثماني قصائد: «البحث عن آخر العناصر، بعد منتصف الّليل، لا نريد إل أن نكون، الخروج من الظّل، عودوا إلى مراياكم، حبر كالدّم، غضب الوطن، ينتظرون الشّمس». أما الحالة الرابعة والأخيرة فهي حالة الغربة. واحتوت على ثماني قصائد: « لقاء الغرباء، سؤال الوداع، آخر حقيبة، لسانك حصانك، مينائي الأخير، قريب ولكن بعيد، جسر الحنين، أتركوا الأنبياء بحالهم».
لم يكن غريباً أن يبدأ الشاعر مجموعته في حالة الحب، فالحب يُشكل وجوداً حركياً في حياة الإنسان. ورغم أنه «كالريشة» كما جاء في عنوان القصيدة الأولى، إلا أن الحياة لا تكمن قيمتها إلا فيه. فهو يدخل في نسيج الوجود البشري، إن لم نقل بأنه القيمة الكبرى التي تخلع على الحياة البشرية جانباً غير قليل من معانيها. والحب في شكله الدلالي لا يغدو إلا علاقة الأنا بالآخر، ومحاولة ترويض الذات والتضحية بتمركزها حول ذاتها في سبيل هذا الآخر الذي تسعى الذات إلى إسعاده وسعادته.

في جواب لسؤال يبدو بديهيا يتضح أنّ الحوار في قصائد «حالة الحب» يدور بين طرفين، هما الحبيب وحبيبته. ويظهر من خلال هذه الحواريات أنّ الحبيبة رحلت وغابت في غياهب هذا العالم. لذا نلمسّ في هذه القصائد دفقات شعريّة لا شعورية ومعاناة لا يستطيع الحبيب أن يتحملها أو أن يحتفظ بها في ذاته المعذبة، فغدت حوارته مع الحبيبة كأنها عكاز الروح التي يتوكأ عليها بعد غيابها. وكثيراً ما ارتبط الحب بالموت وأصبح الأول ضحيةً للثاني. ولذلك لا تخلو قصيدة من القصائد الثماني من التصريح بغيابها أو التلميح إليه في صور متنوعة.
في القسم الثاني من الديوان وهو «حالة الشوق»، ربما الحنين ونار الشوق المتأججة دوماً التي تستكين ولا تهدأ هي التي جعلت الشاعر يربط حالة الحب الأولى بحالة الشوق الثانية. فالنفس البشرية تُولع بالمفقود، تعرف قدّره، وتتوجع للياليه وأيامه الجميلة. والإنسان يحنّ دوماً ويشتاق للفصل السعيد من حياته فلا أحد يتذكر الألم. ويزداد التعلق والحنين إلى الماضي الجميل إنْ كان الواقع قاسياً وصعباً. وبذلك يصبح الحنين والشوق للماضي نوعاً من التعويض عن عدم القدرة على التأقلم في عالم الواقع المعاش. ففي قصائد «حالة الشوق» ينتقي الشاعر نُتَفا من أرشيف الذاكرة ويقلبها قلبه على مهل فتظهر في أبيات هذه القصائد شوقه للحبيبة الراحلة، حنينه للأب الغائب، وتذكّر الأصدقاء القدامى، أيام الصِبا، الوطن بأزقته وشوارعه.
ينتقل بنا الشاعر من حالة الحب إلى «حالة الوطن» في قسمه الثالث، ويعتبر الحنين إلى الأوطان والأهل والأحباب، من رقة القلب، وعلامات الرشد لما فيه من الدلائل على كرم الأصل، وتمام العقل. ولا غروَ في ذلك، فالأرض قطعة من الإنسان لا يستطيع نسيانها أين ارتحل. وهل يستطيع الإنسان أن ينسى صورته المعلقة على جدار بيت الوالدة الماكثة في الأرض والمكان؟ وهل يستطيع أن ينسى مكانه الأول وحنينه الأبدي لأول منزل كما قال الشاعر الطائي أبي تمام .
في الغربة تتبدل المواقع وتتبدل المشاعر. فلا تصبح المسافة بين المنفى الداخليّ والخارجيّ مرْئيّة تماماً. في المنفى الخارجي يُدرك الشاعر سروجي كم هو قريب من البعيد.. كم أن «هنا» هي «هناك»، وكم أن «هناك» هي «هنا». لم يعد أيُّ شيء عامّاً من فرط ما يمسُّ جوهره الشخصي. ولم نعد نعرف من هو المهاجر: هو أم الوطن. لأن الوطن يسكن فيه بكل تفاصيله وكل مشاهده الطبيعية. لذا ستحلّ القصيدةُ محلّ الواقع أي الغربة. وستحاول الكلمات أن تلملم شظايا المكان. ذلك لأن للغة القدرة على إعادة تشكيل عالمي وعلى محاولة ترويض المنفى. وهكذا، كلما طال منفى الشاعر سروجي توطدت إقامته في اللغة الأم، وصارت وطنه المجازيّ… صارت وسيلته وجوهره معاً، وصارت بيته الذي يدافع عنه ويحتمي به من برد الغربة القارس.
من حالة الحب إلى حالة الشوق، ومن حالة الوطن إلى حالة الغربة، ينهي الشاعر ديوانه بقصيده ختامية تصالحية بينه وبين الآخر المختلف عنه في اللغة والدين واللون والعِرق ولكنه يتشارك معه في كل الحالات الإنسانية التي تشمل مشاعر الحب والشوق والغربة وحب الوطن وكأنه أراد أن يوصل رسالة بأنه مهما اختلف الإنسان عن أخيه الإنسان إلا أنهما شركاء في الأبجدية، التي وحدت كل البشر بلغاتهم المشتركة وكتبت بالحروف الأولى سيرة الإنسان عبر الأزمان.

اتْرُكُوا الأَنْبِياءَ بِحَالِهِم!

أَخِي، الأَيْدِي لَهَا أَلْوَانُهَا الْمُخْتَلِفَةِ،
لا تَتَشَابَهُ، لَكِنَّهَا تَتَقَاطَعُ وَتَتَلاقَى.
أَمْسِكْ بِيَدِي وَشُدَّ عَلَيْهَا!
وَلا تَكْسِرْ الفُضُولَ فِينَا
إِلَى اقْتِحَامِ الْمَجْهُولِ فِيكَ وَفِيَّ!

ولذلك لم يكن غريباً أن يختم الشاعر دفة ديوانه بكلمة سلام وكأنها حالة الطمأنية التي توصل اليها في ما بعد، وهي الرسالة التي حملها ديوانه، السلام والمحبة التي يحتاجها الإنسان في كل مكان وأي زمان.. وما أحوجنا إليها في أوطننا التي تعاني الموت المجاني والهابط عليها من كل مكان.. في الأمس البعيد فلسطين والأقرب منه العراق واليوم سوريا واليمن وغدا ….

ناقدة في الأدب العربي الحديث ـ باريس

رابعة حمّو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية