إن فكرة أن الفقر هو السبب الوحيد لتفشي التطرف وأن معتقدات المتطرفين لا تعتمد منطقا، رغم أهميتها تحتاج إلى تعميق في النظر، من أجل فهم أدق للظاهرة، خصوصيتها وطبيعتها وتجلياتها المختلفة وسبل محاربتها بكل الأشكال ثقافيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا وامنيا.
أولا: يجب أن نعرف أن التطرف هو اعتقاد راسخ يمس الأفراد والجماعات الضيقة من مختلف الشرائح ماديا وثقافيا. اصطفاف مذهبي في الفنون والثقافة والسياسة والدين وباقي المجالات. يكون ضرره أقل حين يختار أصحابه العزلة والسلم والابتعاد عن منطق الجماعة دون مواجهتها أو محاولة التصدي لها.
يصبح التطرف مدمرا للذات والجماعة حين يتبنى أصحابه اختيارات نشر المذهب بكل الوسائل المتاحة، أي حين يصبح الشخص مستعدا أن يدمر نفسه والعالم من أجل مذهب يعتقد صحته دون غيره فيما ينبذ بشكل مطلق مختلف الاختيارات المذهبية الأخرى.
ما هو الفكر التطرف؟ من هم المتطرفون؟ كيف يجعل الاعتقاد بعض الافراد ينخرطون بلا قيد أو شرط في نسق أفكار يمكن أن تؤدي بهم إلى تدمير ذواتهم؟ لماذا لا يختفي الفكر غير العقلاني مع انتشار المعرفة وتطور العلم والتكنولوجيا؟
أكثر الكتاب ينسبون الانحرافات المتطرفة إما إلى الجنون أو إلى الحرمان الاجتماعي والعاطفي وتدني المستوى التعليمي وانسداد الآفاق الاقتصادية. الحال ان هناك نسبة هامة من الناس غير المتطرفين تشاركهم الخصائص الاجتماعية نفسها. كما أن هناك كثيرا من المتطرفين مستواهم التعليمي والطبقي عال.
يمكن ان نفكر أولا في خصائص التفكير المتطرف التي تنبع من صعوبات متعددة ومتشابكة ومعقدة. فمهما كان التقدم المعرفي يظل الفرد محدود القدرات المعرفية، ولا إمكانية لعيش الانسان الا بطريقتين المعرفة أو الاعتقاد. فمحدودية ذهن البشر المعرفية ترغم عليه الاعتقاد.
إن الأذهان البشرية محدودة وهذا سبب كاف في أننا لن نكون أبدا كائنات عاقلة محضا تحسن التدبر وتصيب في الأفعال. الحد المفروض على تفكيرنا يمنعنا من أن نكون مكتملي الوعي والمعرفة والعلم والعقل. ويجعل منا آليا كائنات اعتقادية. إن عقولنا محدودة الأبعاد لأن وعينا منحصر وضيق وهو ما يمنعنا في كثير من الأحيان من الوصول إلى المعرفة الضرورية لإصدار حكم متوازن. ومحدود ثقافيا لأنه يفسر المعلومات انطلاقا من مرجعيات سابقة. محدود معرفيا لأن قدرتنا على معالجة المعلومات ليست نهائية، ولأن تعقد بعض الأمور يتجاوز إمكانات الحس السليم لدينا.
بما أن هذه السمات الثلاث هي خصائص إنسانية للفكر البشري ستظل مجتمعاتنا مجتمعات اعتقادية بغض النظر عن حالة تطور المعرفة الإنسانية. لهذا السبب فإن المعتقدات المتطرفة لن تختفي بشكل مطلق من أفق عالمنا المعاصر كما أنها ملازمة للوجود البشري منذ نشأته. الأفراد والجماعات المتطرفة ليسوا أشخاصا غير عقلانيين بقدر ما هم منطقيون للغاية محكومون بمحدودية المعرفة واتساع القناعات بالإطلاق. أي أنهم واثقون بشكل نهائي في اختياراتهم. يحكمهم منطق متطرف للغاية وهم مسجونون لاختيارات ذهنية ومذهبية منطقها يذهب إلى الحدود القصوى في الرد والمجابهة عبر تدمير الذات وتحطيم العالم متوهمون إنهم يملكون الحق في تخريب العالم من أجل حق مفترض وملاذ متوهم واحلام مختلقة. انه منطق محكم يتحكم في ردود افعالهم باعتقاد راسخ متمكن منهم يقابله نبذ مطلق لكل الأفكار والاختيارات الأخرى المبسوطة من طرف الجماعات والأفراد المختلفين والمخالفين لهم. التفكير المنطقي المتطرف هو الأصل في اختيارات وممارسات الأشخاص المتطرفين بمحو وجودهم ووجود الآخرين.
من هو المتطرف؟ إن المتطرف شخص قادر على التضحية بأثمن ما عنده (الوظيفة، الحرية) والحياة حياته وحياة الآخرين باسم فكرة واعتقاد واهم لا يتزعزع.
التطرف صفة تطلق أيضا على العضو الانتحاري المستعد للمخاطرة بحياته باسم مذهب أو مبدأ. إن التطرف لا يكون الا نتيجة اعتقاد جازم في صحة فكرة ويكون ذلك اما عبر الانتماء بالوراثة أو الانتماء بالإحباط أو الانتماء بالكشف.
الانتماء بالوراثة: حين يكون المحيط الاجتماعي مشجعا وهو ما يدخل في باب التنشئة الاجتماعية.
الانتماء بالإحباط: أي بدافع اليأس من عالم خارجي يخلق أحيانا قوة مدمرة كما يحصل في حالات كثيرة عوض أن يدفع نحو البناء والفعل المنتج. قد يكون الأمر خطيرا حين تتجمع الاحباطات وتلهم حركة دعوية عنيفة.
الانتماء بالكشف: ظاهرة الانزلاق إلى منحدر الاعتقاد والتوهم بالكشف الذي يؤدي إلى الاعتزال والاعتناق الخالص تجد إشارتها في توهمات وايحاءات مطلقة ومن ثم الانتماء إلى جماعة تتقاسم الفكرة نفسها.
يجب أن نعرف أن الفكر المتطرف الانتحاري والهدام يتعلق بفئة قليلة ومعزولة وضيقة لكن فعلها كبير لأنها كالنار تحرق وتحترق.
إن خصوصية الفكر المتطرف كونه قناعة متطرفة بفكرة متطرفة والنتيجة ان فكره ينتشر بين عدد محدود من الناس. إنها معتقدات ذات شحنة صراعية معتلة اجتماعيا ولا تتماشى مع الواقع يعتنقها بعض الأفراد تستوجب فيهم عدم القدرة على العيش مع الآخرين.
منصف بندحمان