مهرجان «فرق التربية» المسرحي يختتم أعماله في البصرة

حجم الخط
0

البصرة – «القدس العربي»: لم يتوقف التقشف الذي تعيشه الحكومة العراقية ووزاراتها من نهش جسد الفنون جميعاً، فلم يسلم من هذا التقشف أي مهرجان أو فعالية ثقافية، وهو ما حدث أيضاً مع مهرجان فرق التربية السابع الذي اختتمت أعماله مساء يوم السبت الماضي في مدينة البصرة.
المهرجان الذي استمر لمدة تسعة أيام، شاركت فيه أكثر من ستة عشر مسرحية من عموم المدن العراقية، ألفها وأخرجها ومثل فيها معلمون ومدرسون ومشرفون تربويون من أكثر من عشر مدن، وهي المدن التي تحملت نفقات سفر وإقامة فنانينها، في حين لم تتمكن مدن أخرى من تحمل هذه النفقات، ما اضطر الفرق المسرحية للاعتذار عن المشاركة.
ومن الأعمال التي شاركت في المهرجان: «لن أركب موج البحر لأصرخ»، تربية بابل، تأليف وإخراج غالب العميدي. «كوليرا»، تربية الديوانية، تأليف وإخراج سعد هدابي. «بقايا كلمات»، تربية الكرخ الثانية، تأليف هشام جفات، إخراج علي حرجان. «شاطئ الهجرة»، تربية البصرة، فكرة وإخراج أحمد عبد الواحد الشمال.HD ، تربية ميسان، تأليف خزعل الماجدي، إخراج خالد علوان. «هذيان ذاكرة»، الكرخ الثالثة، تأليف عزت مانع، إخراج حيدر كامل. «المهاجر»، تربية كركوك، تأليف هشام ناظم، إعداد وإخراج قاسم غمكين. «إطفائي ثيوس»، تربية صلاح الدين، تأليف علي عبدالنبي الزيدي، إخراج جواد الساعدي. «رحله نحو الفجر»، تربية كربلاء، تأليف جاسم أبو فياض، إخراج مهدي هندو الوزني. «ذئب يوسف»، تربية الرصافة الأولى، تأليف مؤيد عبدالوهاب، إخراج سعد عريبي. «لحظه في توقيت الجرح»، تربية الرصافة الثالثة، تأليف نعيم خلف، وإخراج رعد معن، وغيرها من الأعمال… تشكلت في المهرجان لجنتان منفصلتان، الأولى لجنة النقاد، والثانية لجنة الحكام. ومن دون أي اتفاق بينهما، اختارت اللجنتان مسرحية «كوليرا» كأفضل عرض متكامل، وهي من تأليف وإخراج الفنان سعد هدابي. في حين اختارت لجنة الحكام مسرحية «إطفائي ثيوس» كأفضل عمل ثان، وهي من تأليف علي عبد النبي الزيدي، وإخراج جواد الساعدي، وذهبت جائزة أفضل عمل ثالث لمسرحية «لن اركب موج الجمر لأصرخ» للمخرج غالب العميدي.
وفي حوارنا مع مؤلف ومخرج أفضل عمل متكامل في المهرجان، الفنان سعد هدابي، قال إن مسرحية «كوليرا» نابعة من فكرة ذات صلة عميقة بالواقع الذي نعيشه وتعيشه المرأة عبر حقب زمنية طويلة، بطلة العمل امرأة نحاتة أرادت أن تصنع في مشغلها رجلاً لا تطاله الحروب ولا يغيب بسببها، وبعد أن اكتمل النحت فإذا بهذا الرجل الطيني يرفض أن يتأنسن، يرفض أن يكون ضمن تجربة اسمها فرضية الحياة. من هنا بدأ الاشتغال، فالمرأة لها حججها، فهي تريد رجلاً لا يحترق بالحرب، وهو لا يريد أن يكون إنساناً لأنه يقول لها أنا من طين تتيمنون بي وتبصقون عليّ، أنا من طين تشيدون به المآذن وفي كل فرض تكفرون، يا إخوة يوسف ليس عدلاً أن تُجر قدمي إلى فرضية اسمها الحياة. من هنا تبدأ المحاججة… وفي النهاية يقوم رجل الطين هذا بانتزاع رأسه فينتحر ويعود إلى الحوض الذي صنع فيه. وبيّن أن كادر العمل اشتغل بشكل تجريبي على ترجمة خطاب هذا النص صورياً، من خلال العلامات واللعبة المسرحية التي تتشكل من أنساق متعددة ما بين الجانب السمعي والبصري.
أما عن مستوى المهرجان والأعمال التي شاركت فيه، فيقول هدابي إن العروض جاءت متباينة هذا العام نتيجة الظرف الذي مررنا به، من تقشف وخشية أن لا يقام المهرجان، جاءت بعض العروض سريعة، وبعضها جاء متقنا جميلا نفتخر به، مثل عرض بابل وكركوك وصلاح الدين والكرخ الأولى والبصرة… هناك تفاوت في العروض، لكن هل يعد هذا المهرجان ناجحاً وحقق ما كان يراد منه؟ نعم حقق ما يصبو إليه..
الفنان والموسيقي عماد مجيد العلي، نائب مدير النشاط المدرسي في البصرة، تحدث لنا عن المهرجان مبيناً أن تربية البصرة استضافت هذا المهرجان في دورته الثالثة والرابعة والخامسة، وهذه هي الدورة السابعة له. أما عن الاستعدادات، فقد حاولت المديرية أن تقدم الأفضل، ومنذ مدة ليست بالقصيرة، وعلى الرغم من الظرف المالي لهذا العام، لكن البصرة أصرّت على إقامته أيضاً، قدمنا عملاً مسرحياً، فضلاً عن مقدمة موسيقية، إضافة إلى الأمور التنظيمية وترتيب قاعة العرض بالطريقة التي تليق بنا كفانين وكتربية البصرة. وأكد العلي أن هذا العام كان الأفقر مادياً، فلم يكن هناك أي تمويل لهذا العام، حتى أن قسماً من الوفود تكفلت نفقات السفر والإقامة على حسابها، إذ لم تعطها دائرتها التي تنتمي إليها إيفاداً، وبعضها جاء من دون أي تمويل للعمل المسرحي الذي يحتاج إلى ديكور وأزياء وإنارة وموسيقى وغير ذلك الكثير، بحجة أن ميزانية مديرية النشاط الرياضي والتربوي ما زالت حبراً على ورق فقط. وفيما إذا كانت هناك منافسة بين الأعمال قبل اختيارها للعرض في المهرجان، كشف العلي أنه كانت هناك لجنة مشاهدة للأعمال من الوزارة، لكن بسبب الظرف المالي لم تتشكل هذه اللجنة، غير أن إدارة المهرجانات اعتمدت على الأعمال المقدمة والمحافظات التي شاركت في المهرجان، بعض المحافظات قدمت أعمالاً مهمة، رغم الأزمة المالية التي نمر بها، ربما لم تكن بعض الأعمال في المستوى المطلوب أو الذي يتمناه المسرحي، لكن الأهم أننا لم نتوقف بحجة التمويل ووجوده. من جانب آخر، تحدث عضو لجنة الحكام في المهرجان، ماهر الكتيباني، مبيناً أن أعمال هذه الدورة امتازت بالبحث والتجريب والتجديد، ولا توجد نسب عالية في التفاوت بين عمل وآخر بقدر ما أنها كانت محاولات في اكتشاف الضوء وتمثلاته. أما عن المقايسة بين هذا المهرجان وأي مهرجان عربي آخر، فيرى الكتيباني أنه في العراق لا توجد أساسيات خاصة لأن يقارن أي مهرجان بالنسبة لمهرجانات دولية أو عربية، لأننا نحتاج إلى خبرات في أن تكون لدينا تقاليد أو منهجيات تقنية وإدارية للارتقاء بأن تجعل المهرجان يسوق عالمياً. دائماً مهرجاناتنا تبقى محلية لضعف الإمكانيات الإعلامية والتسويقية.
وفي سؤالنا عمّا يقصده الكتيباني بالتقاليد، أوضح أنه تعقد في العراق دورات مسرحية عدة، مثلاً مهرجان المسرح في البصرة عقد لدورتين ثم انطفأ، مهرجان المسرح العراقي في بغداد عقد لدورة واحدة، مهرجان الأيام المسرحية للمركز العراقي للمسرح، عقد لدورة واحدة فقط، هذه المهرجانات التي تعقد لدورة أو دورتين ثم تتوقف، لهذا فهي لا تعطي خبرات ولا تقاليد للمسرح وللفنان العراقي، بل هي أشبه ما تكون بالترقيعية لأنها تعتمد على وجود ممول أو إنتاج ما لتقام، وبغيابه يغيب المهرجان أيضاً، لهذا يفترض أن تكون هناك فقرة في الدستور خاصة بالثقافة وبفنون المسرح، وأن تكون هناك ميزانية خاصة لدائرة السينما والمسرح ترعى مثل هذه النشاطات وترتقي بها، وتجعلها بؤرة ضوء ساطعة وجاذبة للمحيط الإقليمي والعربي.
الفنان المسرحي مجيد عبد الواحد، وهو أحد المشرفين على هذا المهرجان، أشار إلى أن أي مسرح يحتاج أرضيات وأجواء، المسرح التربوي لا يختلف عن المسارح الأخرى، فليس هناك أجواء مناسبة لهذا المسرح، ليس هناك إنتاجيات كافية له، وبالتالي وجوده وديمومته يكفيان، الكثير من الأعمال التي قدمت ترتقي لمستويات عالية، قدمت رسائل كثيرة.. نحن نطمح للكثير، ولكن هذا الكثير بحاجة لقاعات التدريب والأموال التي تصرف على إنتاج الأعمال. لكن الذي نشاهده سنوياً في نمو بطيء، غير أنه مع هذا ينمو، وهو المطلوب في زمن القتل والموت، أن يكون هناك أناس يعملون لصنع الجمال، ويعتقد عبد الواحد أن هذا شيء يكفي.
وكشف أن هذه الدورة فقيرة مادياً، ليس هناك إنتاج للمهرجان، وهذا ما أدى إلى عدم حضور ست مديريات تربية من ست محافظات، فلا يوجد تمويل للأعمال، ولا يوجد دعم لإيفاد الفنانين إلى مدينة البصرة، وحسب ما عرف فإن الكثير من الموظفين جاؤوا على نفقتهم الخاصة.
ومن المفاجئ في هذا المهرجان عدم وجود فنانات يمكن أن يدعمن فنية الأعمال المسرحية، فالعمل الفني إنتاج يضمن له نجاحه وتطوره ويضمن له كل مبثوثات العمل الفني، فعندما تختار نصاً يجب أن تبحث عن نص لا يوجد فيه عنصر نسوي، وهذه كارثة بحد ذاتها، فالنسبة الأكبر من العروض كانت خالية من العنصر النسوي، سوى بعض المدن؛ مثل بغداد، إلا أن أكثر المحافظات تحول فيها المسرح إلى رجولي أكثر مما هو مختلط.
و قال الفنان سامي محمود إنه عندما تشترك محافظات عراقية عدة بكل أطيافها، فهذا دليل واضح على أننا اجتمعنا من أجل أن نحشد طاقاتنا التربوية المسرحية في سماء الإبداع العراقي. هذا التلاقح الفني الذي كان تحت رعاية التربية، وبوجود مبدعين ومثقفين وفنانين كهؤلاء، «أحسست بأن التربية ستكون الرافد الأكبر لكل ثقافات العراق، باعتبارها شريحة واسعة في المجتمع العراقي وفي الخريطة الجمالية والثقافية في العراق، أحسسنا أن هناك طاقات واعدة ومبدعة وخلاقة، إن كان في مجال المسرح والموسيقى والتمثيل والديكور والسينوغرافيا، أكد على أن العراق يمضي قدماً في مجال الثقافة والفنون». أما عن المقارنة بين هذا المهرجان والمهرجانات المسرحية الأخرى، فبيّن أنه قد يكون هناك بعض الصعوبات المالية في تنفيذ متطلبات العرض المسرحي، مما أثر بالتالي بصورة مباشرة على طبيعة ونوعية وكفاءة العروض، لكن الفنانين أثروا على أنفسهم لتقديم كل ما هو جميل، فلا توجد ميزانية لهذا المهرجان، لكن بالمقارنة مع إنجازات المسرح خارج الوسط التربوي، فالتربية تغلبت على الكثير من المهرجانات.
الفنان والناقد المسرحي عامر الربيعي عد هذا المهرجان وسيلة أو خطوة خطتها مديرية تربية البصرة لإحياء الحركة المسرحية، مع وجود شبه غياب لفن المسرح في البصرة، أما بالنسبة لمستوى الأعمال فهي لم تكن بمستوى أعمال المهرجانات السابقة، رغم وجود أعمال متميزة، لكن الأهم في هذا المهرجان أنه حرك الجانب الثقافي في المدينة. موضحاً أن المسرح في العراق عموماً يعاني من الضعف وقلة الأعمال وغياب الدعم الحكومي، وفي الوقت نفسه يمكن أن نلمس مع أي مهرجان بروز طاقات إخراجية وتمثيلية، لكن ماذا بعد هذا؟ لا يوجد شيء مع الأسف.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية