الرباط – حوار محمد مستقيم: أصبحت السرديات، رغم ظهورها المتأخر في الثقافة العربية المعاصرة، تشكل موضوعا محوريا من محاور هذه الثقافة، الشيء الذي أدى إلى تزايد الوعي النقدي عند العرب بقضايا السرد العربي الكلاسيكي وعلاقته بالمناهج والمقاربات النقدية الغربية.
كما أن الاهتمام بالتراث السردي العربي والمقاربات التي تناولته بالدراسة والنقد هو جزء من الاهتمام بالتراث بصفة عامة، حيث أصبحت الضرورة ملحة لاعتماد رؤية جديدة ومتجددة في القراءة والتأويل، من خلال المراجعة المستمرة للأدوات المنهجية والمفاهيم السائدة عن هذا التراث.
مع العلم أن هذا العمل لا يكفي أن يقوم به فرد واحد أو عدة أفراد، فأوراش التراث متعددة ومفتوحة على كافة الاجتهادات مع توظيف استجد من الفتوحات المعرفية والمنهجية التي أبدعها الفكر الإنساني عبر سيرورته التطورية. لقد اخترنا محاورة الدكتور سعيد جبار الذي يعد من الأسماء التي تسعى إلى بناء مشروع نقدي ومعرفي للسرديات العربية بحثا وتأليفا وترجمة وتأطيرا، من خلال مؤلفاته وأبحاثه الأكاديمية وترجماته وإشرافه على بحوث متعددة في هذا المجال.
■ نود في مستهل هذا الحوار أن تحدثنا عن البداية، كيف تكون هذا العشق للسرديات؟
ـ في البداية أشكركم على هذه الدعوة لهذا الحوار الجميل حول مساري النقدي في قراءة التراث السردي العربي. لا أظن أن دارسا أو ناقدا من جيلي وهو يتحدث عن علاقته بالسرد العربي والسرديات عموما يمكنه أن يتجاهل التراكمات التي حققها من خلال قراءاته في المرحاة الإعدادية والثانوية لمجموعة من النصوص التي تعتبر في نظري ثوابت التجربة السردية العربية. فمحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم ورواد المهجر ومن عاصرهم، كل هؤلاء كانت لهم بصمتهم في مسار جيل بكامله. وفي المرحلة الجامعية تبلورت الأفكار أكثر خصوصا مع المحاضرات التي كنا نتلقاها خلال الدراسات المعمقة على يد كل من الأستاذين الجليلين محمد برادة وأحمد اليبوري. فأثرهما واضح في أبناء جيلي بدون استثناء. وازددت عشقا بالسرديات وأنا أقرأ قراءة نقدية مجموعة من التجارب الروائية المغربية والعربية عامة، التي كانت تشكل النماذج في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ وكانت تجربة سحر خليفة هي الحاضرة معي بقوة، من خلال دبلوم الدراسات العليا. ولا أنسى هنا الإشارة إلى بعض الأساتذة الذين استنرت بطريقهم في هذا المجال وكنت على حوار دائم معهم وأنا أبني أدواتي المنهجية، وفي مقدمتهم سعيد يقطين الذي أكن له كل تقدير واحترام وأعترف بفضله في رسم ملامح مساري السردي.
■ تطمحون إلى تأسيس مشروع نقدي لدراسة التراث السردي العربي؟
ـ تحولت من السرد الحديث متمثلا في الرواية إلى السرد العربي القديم بتجلياته المختلفة إيمانا مني بوجود علاقات وطيدة بينهما؛ وبأن مسار السرد العربي الحديث لا يمكن أن ينفصل عن المسارات القديمة، على الرغم من الإيهام بالقطيعة التي تتبناها بعض الأصوات النقدية، باعتبار أن الرواية هي جنس دخيل على الأدب العربي. بالعودة إلى التراث السردي وجدت نفسي أمام ركام متنوع ومتعدد يحتاج القراءة المتأنية وبأدوات تكون من جهة فاعلة في تفكيك بنياته وإبراز خصوصياته، ومن جهة ثانية تحافظ على هويته بعيدا عن أي إسقاط قد يشوش على القراءة الموضوعية للتراث. لهذا توقفت أولا عند المصطلحات والمفاهيم المتواترة في التراث النقدي العربي «الخبر، القصة، الحكاية، السيرة….» محاولا تحديد العلاقات بين هذه المفاهيم ورسم حدود الانتقال من حقل إلى آخر، معتبرا أن المرور من الخبر إلى التجليات السردية الأخرى هو مرور من البسيط إلى المركب. وكان ذلك في كتاب «الخبر في السرد العربي، الثوابت والمتغيرات». وهو بالمناسبة أطروحة دكتوراه الدولة، ثم يأتي كتاب «التوالد السردي» ليبرز طرق التحول من البسيط إلى المركب في الأشكال السردية التراثية. وفي الكتابين معا كنت وفيا للسرديات، على الرغم من التفكير الملح الذي كان يرافقني بضرورة توسيع المنهج لتجاوز الأشكال والبنيات إلى مقومات نصية أخرى؛ وهو ما تحقق نسبيا مع الكتاب الثالث «من السردية إلى التخييلية»، الذي حاولت فيه أن أمد الجسور بين السرديات والتداولية لأربط بين الأشكال وإنتاج المعنى. أظن أن الاكتفاء بدراسة الأشكال والبنيات في التراث السردي لن تضيف شيئا لما قيل في دراسات سابقة؛ وأعتقد أن هذا التراث في حاجة إلى البحث في خباياه الدلالية وليس الاقتصار على تجلياته الشكلية.
■ هل التعامل مع التراث السردي ينبغي أن يكون تعاملا شموليا أم جزئيا يتطرق لزوايا محددة منه؟
ـ يبدو أن هذا السؤال مرتبط بسابقه، فعندما نتحدث عن مشروع فلا بد من تحديد المتن أو المادة التي ترغب أن تجعل منها موضوعا للمشروع، ولا بد أيضا من تحديد الأدوات والتصورات المنهجية التي تقارب بها هذه المادة. تحدثت في الفقرة السابقة عن رؤيتي إلى التراث السردي والرؤية المنهجية، التي حاولت رسم معالمها لمقاربته. ويبقى أن نتحدث عن المتن الذي يمكن أن نشتغل به هنا. فمن خلال تأمل بسيط للنصوص التراثية يتضح أن التداخل بين الحقول المعرفية المختلفة هو قوي ومعقد ومتشابك. فالنص الواحد قد يكون مادة للفقيه وللفيلسوف وللناقد الأدبي وللبلاغي. وكل واحد يتعامل معه من وجهته الخاصة. وهذا يعني أن النصوص السردية بتجلياتها المختلفة «دينية، اجتماعية، سياسية….» تمتد بينها جسور قوية، ولا يمكن الوصول إلى نتائج في مقاربتها إلا باستحضار هذا التداخل. فالأمر بالفعل هو صعب ومعقد ولا يتحقق بمجهود فرد واحد فهو يحتاج إلى فريق بحث متعدد التخصصات تتضافر جهود عناصره وهم يحددون الأهداف ويوحدون الرؤية والمنهج في المقاربة. وهو ما أحفز عليه طلبة الماستر والدكتوراه الذين يرغبون في الاشتغال بالتراث السردي العربي. وقد سبق أن أشرت في دراسة سابقة إلى ضرورة الفصل بين الدين والخطابات حول الدين (كتب التفسير، ومصنفات الحديث وما يرتبط به من علوم، وكتب الوعظ، والخطابات الفلسفية…) التي يمكن أن نعتبرها جزءا من هذا التنويع الخطابي في التراث العربي؛ والقابلة للدراسة بعيدا عن كل قدسية ألصقت بها.
■ هل يمكن الحديث عن نظرية معرفية لتحليل الخطاب السردي العربي عموما والتراثي على الخصوص؟
ـ الحديث عن نظرية المعرفة أو علوم المعرفة أصبح يفرض نفسه خلال العقدين الأخيرين، لما حققه من تطور في مجالات مختلفة أهمها علم النفس المعرفي، وكذا في حقل المعلوميات. وفي دراسة اطلعت عليها مؤخرا أشار بابتيس كامبيون إلى «الذكاء السردي»، معتبرا أن الخطاطة السردية هي في الأصل خطاطة ذهنية تم تشكيلها سردا، والمتلقي وهو يتابع هذه الخطاطة يعمل على ملاءمتها مع خطاطة ذهنية ليدرك المعنى الذي تنتجه. فعلوم المعرفة تقدم لنا مفاهيم وأدوات منهجية جديدة تمكن الدارس من الربط بين الصريح والضمني في النص. فأمبرتو إيكو اعتبر النص «آلة كسولة أو ساذجة»، تستدعي من المتلقي أو القارئ مجهودا مضاعفا لبلوغ ما لم يقله النص مباشرة أو لملء بياضات النص. وأعتقد أن علوم المعرفة تزود الدارس بالمفاهيم التي تمكنه من ذلك. والسرد العربي عموما هو تجل من التجليات النصية القابل لأي مقاربة نصية، مع التأكيد فقط على ضرورة الحفاظ على خصوصياته وانسجامه.
■ كيف يمكن تفسير طغيان الكتابات السير ذاتية في الرواية المغربية المعاصرة؟
ـ نعود من جديد إلى السرد الحديث، والرواية المغربية على الخصوص. أقول بأن المكون السير ذاتي في الرواية المغربية أثير بقوة وليس في السنوات الأخيرة فقط، ولكن حتى في السبعينيات والثمانينيات أيضا. وحضور ضمير المتكلم بقوة عند الروائيين المغاربة جعل معظم النقاد يعتبرون أن الرواية المغربية هي رواية السيرة الذاتية. في هذا الصدد حاولت أن أضع فرضية ولكن تحتاج بعض الوقت لتأكيدها أو دحضها. فإذا قارنا بين البدايات الأولى للرواية في المشرق والبدايات في المغرب، سنجد أن أغلب الدارسين جعلوا من نص «حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي بداية الرواية في المشرق، وهو نص جمع بين المقامة التقليدية وبعض خصوصيات السرد الحديث، ما يجعلنا نفترض أن الرواية في المشرق هي امتداد للمقامة؛ في حين أن أول نص مغربي اعتبره النقاد يحمل ملامح الرواية هو «الرحلة المراكشية لابن البناء المراكشي». وكما نعلم أن خطاب الرحلة في الغرب الإسلامي حضر بقوة خلال قرون من الزمن، وبالتالي قد نفترض أن الرواية المغربية امتداد للرحلة بشكل من الأشكال. ولهذا حضر فيها ضمير المتكلم بقوة وكان فيها الاحتفاء بالذات بارزا وملحوظا. ولا يعتبر ذلك مذمة لها لأن الروائيين المغاربة استطاعوا من خلال هذا الاحتفاء بالذات أن يحققوا تنويعات مختلفة. فإذا وضعنا مثلا نصوصا من قبيل: «في الطفولة، رجوع إلى الطفولة، لعبة النسيان، مثل صيف لن يتكرر، دليل العنفوان، الخبز الحافي، والد وما ولد»، وغيرها من النصوص يمكن أن ندرك الاختلافات الواضحة بينها، على الرغم من أنها تنحو نحو السير ذاتي أو ما هو من قبيل السير ذاتي.
■ هل صحيح أن الرواية التجريبية العربية عموما والمغربية خصوصا قد ضحت بالحكاية لصالح اللغة والشكل؟
ـ كل تحول له سلبياته وإيجابياته. والرواية المغربية والعربية عموما وهي تبحث عن ترسيخ قواعدها ومد فروعها لا بد لها من التنويع في الكتابة والإنتاج حتى لا تبدو التجارب تكرر نفسها. التجريب حضر في فترة معينة ومارسه مجموعة من المبدعين، منهم من أفلح كثيرا أو قليلا في التعبير في ذلك، ومنهم من لم يحالفه الحظ في هذا التجريب. وفي نظري أن الكتابة والإبداع بصفة عامة هو إحساس بقضية وتعبير عن مواقف وإنتاج لقيم، وهذه الأشياء من أجل تمريرها للمخاطب، لابد أن يكون لها رابط يجمع بينها يجعلها مادة تواصلية منسجمة قابلة للتلقي والإدراك. وقد تكون عوالم التخييل والنسيج الحكائي هو هذا الخيط الرفيع الذي يربط بين هذه العناصر جميعا ويقدمها في وحدة متماسكة ومنسجمة. ومع ذلك تبقى لكل تجربة خصوصياتها ومميزاتها التي تسمح بتأطيرها ضمن التجربة الروائية العامة.