تحرير التشكيل المغربي من الصبغة الاستشراقية… أحمد الشرقاوي: المحلي بدون أسوار

حجم الخط
0

عندما نريد الحديث عن الفن التشكيلي المعاصر في المغرب، لا يمكن أن ننسى اسم أحمد الشرقاوي، الذي شكل علامة فارقة في هذا المجال. ولد هذا الفنان في مدينة أبي الجعد سنة 1934. سافر إلى باريس ليكمل فيها دراسته الأكاديمية في كل من «مدرسة المهن الفنية» و»المدرسة العليا للفنون الجميلة». رحل أحمد الشرقاوي باكرا سنة 1967 وهو شاب لم يتجاوز بعد الثالثة والثلاثين من عمره، وترك في تلك الفترة فراغا كبيرا في المشهد الفني المغربي المتأرجح بين التأصيل والتأسيس، بين التقليد والتجديد، بين الهوية والمغايرة، في شتى الميادين: الرواية، والشعر، والمسرح، والسينما، والموسيقى والأغنية…
يعتبر أحمد الشرقاوي، إلى جانب معاصره الجيلالي الغرباوي، أحد الرواد الأوائل في الرسم المغربي الحديث، حيث ستُدَشن معه مرحلة جديدة في الفن التشكيلي في المغرب، وستُحْدَث قطيعة كلية مع المنظور الاستشراقي، والرؤية الغرائبية اللذين كان يشجعهما ويرعاهما المستعمر الفرنسي. فقد طور الشرقاوي – خلال حياته القصيرة – أشكاله الفنية وطرائقه التشكيلية، مستفيدا في ذلك من الحداثة الغربية، ومتأثرا برساميها الحداثيين أمثال، بول كلي، وروجي بيسيير، والأخير كان له الأثر البليغ في مساره الفني؛ فالشرقاوي نفسه، عند لقائه الأول مع لوحات بيسيير صرح بما يلي: «لما رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت أرى أمامي الجمال مجسدا». لقد تأثر الرسام الشاب كثيرا بالمدارس الحديثة كـ”اللطخية» و»التجريد اللاشكلي» و»التعبيرية التجريدية»، من دون أن يقطع الصلة تماما مع تاريخ وذاكرة وهوية جسده المغربي. لقد أقام رسوماته في نقطة تقاطع تلتقي فيها الذات بالآخر، ويعانق الداخل الخارج، ويندمج المحلي بالعالمي، ويتصاهر المغلق مع المفتوح. لقد حقق الشرقاوي ما سماه الكاتب البرتغالي ميكيل تورغا ببلاغة جميلة: «المحلي بدون أسوار». بهذا المعنى استطاع الرسام المغربي أن يولف بين موروثه التقليدي، وتاريخه الحضاري، وما اكتسبه من تقنيات حداثية وأدوات غَرْبِيَة؛ الشيء الذي جعل منه مسافرا بتراثه، وموصلا لمحليته إلى فضاءات أكبر وأرحب. لقد فتح الشرقاوي رسمه الحديث على «كاليغرافيا الجذور» بتعبير عبد الكبير الخطيبي، وأصبح تبعا لذلك فنانا مزدوجا، فنانا- حرفيّا/حرفيّا- فنانا.
على عكس لوحات كل من أحمد بن يسف، والحبيب لمسفر، ومريم مزيان، وابن علال، تظل لوحات أحمد الشرقاوي تجريدية لا تشخص أي شيء؛ لأنها لوحات متميزة بهندستها، وخطوطها، وألوانها، وطريقة تأثيث فضاءاتها من دون حضور لأي شكل من أشكال الفن التشخيصي المباشر أو غير المباشر. فرسومات أحمد الشرقاوي تندرج ضمن التشكيل «المونوغرامي»؛ فالمونوغرام رسم تجريدي هندسي غير معقد عبارة عن موتيفات دائرية أو مثلثة أو مربعة أو مستطيلة، تتداخل مع خطوط وألوان وأشكال معينة. إنه رسم منغلق على عالمه وصيغه التشكيلية يتخذ في الغالب شكلا شفريا مكونا من الحرف الأول أو عدة حروف لاسم ما. يوهمنا المونوغرام من النظرة الأولى بأنه سهل الإنجاز، على الرغم من صعوبته في الأصل. تحيل مونوغرامات الشرقاوي في أشكالها المتعددة إلى الحرف والوشم لنلتقي على مساحاتها المختلفة مع المخزون البصري الشعبي المغربي. فعندما نتأمل الفن التشكيلي عند أحمد الشرقاوي، نجد أنفسنا أمام تقنية خاصة به: الحضور المتميز للعلامات والرموز في معناها السميولوجي. إنه حضور بهي ومتألق للحروف، والجمل، والكاليغرافيا، والوشم، والغراف داخل فضاء اللوحة الفنية. بهذه التقنية يترجم أحمد الشرقاوي مقولة بول كلي، التي تعتبر الكتابة والرسم شيئا واحدا في الأصل. إنها رموز قد تشغل تارة حيزا صغيرا وتارة أخرى حيزا أكبر داخل مساحة اللوحة. إنها موتيفات فارغة من كل معنى لسني أو إثنوغرافي. في الحقيقة، هذه الموتيفات تشير تصريحا وتلميحا إلى مكونات الفضاء المغربي وشخوصه، ترمز إلى الشمس، واليد، والطلسم، والعيون، والوشم، تتحدث عن أشياء يعرفها الرسام، وتقول أسماء تربطه بثقافته الأم. غير أن الحرف والوشم والغراف، كان منمنما أو مجزأ، مُفَخّما أو مُصَغّرا، يغادر تحت تأثير خيميائية الريشة فضاء الكتابة والكتاب، ليلج فضاء التشكيل، ويصبح بعد ذلك مادة بلاستيكية. من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة الحروف والجمل (عربية كانت أم أمازيغية) الموجودة داخل اللوحة وفق منظور زمني، بل حسب رؤية فضائية؛ أي أن قراءة هذه الرموز والعلامات لا تصبح دياكرونية، إنها تأخذ، عكس ذلك، شكلا سانكرونيا.
لا شك في أن الرسم التجريدي عند أحمد الشرقاوي يُثْبِت قوة التشكيل لدى هذا الأخير، ويبرهن على الخاصية التركيبية المعقدة للغته الفنية. لقد استطاع بتعبير الناقدة الإيطالية توني ماريني أن «يربط أعماله الفنية بأناه الداخلية» ويزاوج بين التشكيل الحداثي وذاكرة جسده الضاربة في جذور تربته الأولى. لقد ظل الرسم عند أحمد الشرقاوي أداة وهدفا من أجل البحث المستمر عن ماهيته المزدوجة، والمساءلة الدائمة لهويته الثقافية، والتعرف الدقيق على موروثه التاريخي. لهذا تظل لوحاته ورسوماته راهنية؛ أي مستمرة في طرح الأسئلة العميقة حول العلاقة الثنائية الجدلية بين الأنا والآخر، رافضة الإتيان بأجوبة كاملة، منفتحة على الماضي والمستقبل، جاعلة من ألوانها، وظلالها، وخطوطها، وعلاماتها، وأشكالها الهندسية نصوصا متعددة المعاني والدلالات.
قد يطرح أحد منا هذا السؤال : لماذا أحمد الشرقاوي؟ ألم يسبقه رسامون آخرون في مجال الرسم في المغرب؟ بلى، هناك أسماء لفنانين مغاربة عاشوا خلال الأربعينيات. لقد تم اكتشافهم من طرف المستعمر. نفكر هنا في الحامري الذي اكتشفه بول بولز في طنجة، وفي ابن علال الذي كان يشتغل طباخا عند الرسام الفرنسي جاك أزيما في مراكش، وفي الرباطي الذي اشتغل هو الآخر طباخا عند أحد الرسأمين الإنكليز إلا أنهم كانوا يعتبرون رسأمين فطريين: لم يدرسوا التشكيل في معهد أو مدرسة للفنون الجميلة، ولم يحصلوا على تكوين أكاديمي علمي. كانوا يرسمون على السليقة؛ أي يشخصون، ويعكسون الأشياء في لوحاتهم كما تبدو لهم لأول وهلة، من دون الاشتغال على المادة والارتكاز على ترسانة نظرية، والأخذ بتقنيات فنية قوية. يمكننا الحديث هنا عن الرسم من الدرجة الأولى بعيدا عن كل بعد ثقافي كما يقول ناقد التشكيل ألان فرامون. لقد تم تشجيع مثل هذا الفن من طرف البعثات الثقافية الفرنسية التي كانت تحتفي به كثيرا وتموله وتؤيده وتجيز عرضه في المتاحف، والقاعات الوطنية والعالمية. لماذا إذن هذا الاحتفاء وهذا التشجيع؟ لقد وجد الفرنسيون فيما سموه علنا «الفن الفطري» ذلك البعد الإستشراقي، واعتبروه فضاء غرائبيا، ونظروا إليه كمادة إثنوغرافية طالما بحثوا عنها في لوحات دولاكروا و فراكونار، لقد اعتبروه نموذجا حقيقيا للفن المغربي.
مع أحمد الشرقاوي وبعض الطلائعيين أمثال الغرباوي وبلكاهية والمليحي وشبعه.. سيتم تحرير الفن المغربي من هذه الصبغة الاستشراقية، وإخراجه من شرنقة النظرة التبخيسية الانتقاصية التي طالما روجها المستعمر حوله. ولإعادة الاعتبار إلى التشكيل المغربي، سيشتغل الفنانون المغاربة على المخزون الثقافي، والموروث البصري، والفضاء المحلي، بعيدا عن الرؤية الفلكلورية المشوهة لهذا الفن. هكذا نجد الملياني يستعمل القماش كنموذج تقليدي مغربي، ويوظف المنتوج المحلي كالجلباب محاولا إخضاعه للتجريد المسطح. الحريري والسنوسي والقاسمي يؤثثون فضاءات لوحاتهم بالرموز، والعلامات، وفن الكاليغرافيا، والوشم، والحروف العربية والأمازيغية. لذلك يمكن الحديث كما قال إدمون عمران المالح عن وجود تشكيل مغربي مستقل، يمكن تقييمه في ذاته، بعيدا عن أي مرجعية غربية أو أمريكية. إن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على نضج هذا الفن الناتج عن الثورة التي أحدثها الرسامون المغاربة على مدى عقود.

ناقد ومترجم مغربي

محمد برزوق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية