«نعم لحكومة الوفاق الوطني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه»… واحد من شعارات انتشرت هذه الأيام على بعض جدران العاصمة الليبية طرابلس يلخص المطلوب سياسيا الآن في هذا البلد أفضل من أي بيان أو خطاب. لقد ووجهت حكومة فايز السراج المنبثقة عن اتفاق سلام برعاية الامم المتحدة وقع في كانون الاول/ديسمبر الماضي عند دخولها العاصمة الأسبوع الماضي بخطاب عدائي أو متحفظ سواء في طرابلس من قبل «حكومة الانقاذ» التي شكلها «المؤتمر الوطني» البرلمان المنتهية ولايته، أو في بنغازي من قبل الحكومة الليبية التي شكلها البرلمان في طبرق المعترف به دوليا، وإن اختلفت التبريرات والمسوغات. اللافت الآن أن كلا الطرفين هذين تلقيا، بأشكال مختلفة، ضربات مؤلمة متتالية بوصول حكومة السراج إلى العاصمة واعتبارها من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بالحديث باسم الليبيين بعد عام ونصف من الصراع العبثي.
حكومة خليفة الغويل التي استقبلت وصول المجلس الرئاسي وحكومة السراج بخطاب جمع التخوين بالتهديد لم يعد بمقدورها أن تكون في مستوى تحديها بعد أن فقدت تدريجيا معظم أوراق القوة : أولا، أغلب الناس في العاصمة ارتاحت لوصول جهة شرعية توافقية تسعى لتوحيد البلد وإنهاء حالة التمزق والفوضى التي عاناهما لأشهر طويلة فقد كان معبرا للغاية أنه بعد يوم واحد من وصول حكومة الوفاق، بادر مئات من سكان المدينة إلى التظاهر تأييدا لهذه الحكومة في ساحة الشهداء التي كانت لأكثر من عام ونصف عام حكرا على مؤيدي الماسكين بزمام الأمور في طرابلس، ومما زاد من قوة الدعم الشعبي المتنامي إعلان بلديات في الغرب والجنوب ولاءها للحكومة الجديدة.
ثانيا، لا يوجد إجماع داخل الفصائل المسلحة في طرابلس على محاربة حكومة التوافق بل إن البعض يدعمها بصراحة ومستعد لحمايتها ما يعني أن أي إصرار من فصائل أخرى على عكس ذلك سيدخل العاصمة في أتون فتنة أخرى لا لزوم لها ومنبوذة من الأساس. ثالثا، وهي الضربة القاضية، أن «حكومة الانقاذ» جردت من أي موارد مالية يمكن أن تسند ظهرها بعد إعلان المؤسسات المالية والاقتصادية الرئيسية تأييدها لحكومة الوفاق ورفض أي تعامل مع غيرها وهي المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمؤسسة الليبية للاستثمار في طرابلس.
على الضفة الأخرى تبدو حكومة عبد الله الثني في طبرق في وضع محرج للغاية، وإن كان أقل سوءا من حكومة الإنقاذ، فالشرعية الدولية التي كانت تتمتع بها انتقلت إلى حكومة الوفاق والبرلمان الذي كان يسندها منح ثقته للحكومة الجديدة حتى وإن كان بطريقة تحتاج إلى إعادة تأكيد.
إن إعلان مائة من أصل 198 موافقتهم على حكومة السراج خارج قبة البرلمان، لتعذر انعقاد الجلسة بنصابها القانوني بسبب عرقلة أنصار اللواء المتقاعد خليفة حفتر، قد يجري تصويبه قريبا بعد مطالبة عقيلة صالح رئيس البرلمان السبت السراج واعضاء حكومته بالحضور إلى مقر المجلس في طبرق حتى يتم التصويت رسميا. مثل هذه الخطوة، التي يجب أن تتم دون تحفظات أو محاولة إضافات على الاتفاق الدولي الذي ولدت بموجبه حكومة السراج، هي الفرصة الذهبية التي تكفل لهذا المجلس تعاطيا كريما مع هذا التطور الجديد، لا سيما أن ممثل الامين العام للام المتحدة مارتن كوبلر الراعي لاتفاق الصخيرات ما زال يعتبر أن البرلمان «الجهة الشرعية الوحيدة للمصادقة على حكومة الوفاق الوطني» وذلك حين دعا الأحد الماضي إلى «عقد جلسة للمجلس تكتنفها الارادة الحرة للتصويت على الحكومة».
وكي يقدم برلمان طبرق وحكومته على خطوة جريئة في هذا الاتجاه لا مفر من التعاطي مع «معضلة حفتر» بكثير من الشجاعة وروح المسؤولية فحفتر في النهاية ليس أهم من ليبيا ووحدتها واستقرارها. إن لم يبد الرجل في مستوى التنازل من أجل بلده فلا بد أن يدفع إلى ذلك، خاصة وأن مجلس الأمن الدولي دعا جميع الدول إلى التوقف عن التعاطي «مع المؤسسات الموازية»، وهي السلطة غير المعترف بها غرب البلاد والسلطة الموازية في شرقها. وما قد يساهم في الدفع في هذا الاتجاه أن حرس المنشآت النفطية الذي يقوم بحماية موانئ النفط الرئيسية في شرق ليبيا وبينها تلك الواقعة في منطقة الهلال النفطي، أعلن الجمعة انه لن يسمح بتصدير النفط من هذه الموانئ إلا لصالح حكومة الوفاق مما يعني حرمان هذه الجهات من الموارد المالية اللازمة تماما كما وقع في غرب البلاد.
إن وصول طرفي الصراع إلى حافة الإنهاك وقريبا إلى حافة الإفلاس هو الكفيل بتسريع وتيرة المصالحة الليبية المرجوة وأي طرف سيحاول العرقلة سيجد نفسه خارج اللعبة بالكامل… هو ومن يقف وراءه، إذ المطلوب الآن توجه الجميع إلى استئصال ورم الإرهاب الخبيث من البلاد دون الحاجة إلى تدخل خارجي قد يربك الوضع أكثر مما يحل إشكالاته العديدة.
٭ كاتب وإعلامي تونسي
محمد كريشان