الفرق بين الفضائيات العربية والبلجيكية… مكاتب دعاية لترويج شعراء عرب… و«إنت معلم ومنك نتعلم»

بعد أحداث بروكسل، كنت – بحكم المهنة – أتابع غالبية المحطات ونشرات الأخبار وستوديوهات التحليل على الفضاء العربي، بل كنت من هؤلاء المحللين على بعض الشاشات بحكم قربي من موقع الحدث.
وبينما انشغلت الفضائيات العربية بساعات طويلة من التحليل والتمحيص والبحث عن المجرمين والمسؤولية وتعريف الإرهاب، كانت المحطات البلجيكية على وتيرتها البرامجية ذاتها، ونشرة الأخبار لا تنقل إلا الخبر موثوق المصدر بدون زيادة ولا نقصان ولا تكهنات، و لا محللين إلا في أوقات برامج الحوار السياسي المعتادة، وهي قليلة أصلا، أي أن الحياة كانت تسير بوتيرتها المعتادة، رغم كل التهديدات الدموية البشعة التي استهدفت تلك الحياة هنا.
نعم، شعرنا بالرعب، ونعم بالتأكيد تعرضنا للإرهاب، لكن لم تكن هناك مبالغة إنشائية في العواطف أمام كل هذا الأرهاب، وكانت الفضائيات البلجيكية على وتيرتها ذاتها في تقديم برامج توحي بالحياة ما استطعنا إليها سبيلا.

أمسية شعرية برعاية منظمة أممية

حتى الشعر، لم يسلم من عبث الإعلام العربي بفضائه الترفيهي المستبيح لكل ما يصنع جمهورا أيا كان هذا الجمهور ونوعه.
على قناة «العربية» برنامج صباحي اسمه «صباح العربية»، وطبعا كما درجت العادة يقدمه مذيع ومذيعة وسيمان، ويمزحان مع بعضهما أحيانا على الهواء لكسر الرتابة!!
فجأة، وكتقديم للفقرة المقبلة، بث البرنامج فقرة من تسجيل لرجل متأنق جدا على مسرح وأمام جمهور، يلقي كلاما بالفصحى، وتصفيق حاد عند كل توقف، والإشارة المكتوبة تقول إنه شاعر اسمه مأمون نطاح، في أمسية شعرية برعاية منظمة أممية!! أيوالله..هذا ما حصل، فركزت بالشعر المفترض لأني من محبي الشعر أساسا، لأشهد أمامي وللمرة الأولى كيف يمكن أن تتحول مفردات اللغة العربية إلى مياه مجاري تجري في سيول نحو مجاري الصرف الصحي.
لا إبداع، ولا صورة شعرية بلاغية مبهرة، مجرد مصفوفات لفظية تشبه بأقصى بلاغتها السطحية، ما كنا نخطه كمراهقين على كتب ودفاتر الأول ثانوي في ذروة مراهقتنا المبتورة.
ركزت أكثر في المقابلة مع هذا الشاعر الكبير، كما قدمته «العربية»، بعد ذلك التسجيل لتلك الأمسية، وفي الوقت نفسه بدأت باستشارة العم «غوغل» عن متنبي هذا الزمان المقبل من العراق أيضا.
في الإنترنت، للرجل صفحات «فيسبوكية»، و«قصائده» – أعتذر عن التسمية المجحفة – التي تنوعت بين استخدام الفصحى والعامية، ووجود ترويج مشغول بعناية احترافية على الانترنت، وهي عناية برعاية شركات علاقات عامة مدفوعة الثمن طبعا.
على «العربية»، وفي المقابلة الفضائية، كانت المقدمة التي اعتمدها المذيعان توحي بحضور خرافي لشاعر خرافي، وكان النطاح يتنطح بأناقته المفرطة التي كانت أناقة مبالغ بها كمطربي حفلات رأس السنة، لا أناقة شاعر حقيقي (تذكرت أناقة الراحل محمود درويش المميزة).
وفي إجابة للشاعر الكبير فريد عصره عما يميزه عن غيره من الشعراء (هكذا السؤال..الذي رسخ تميز الأخ مسبقا واعتباطيا)، أجاب لا فض فوه، أن شخصيته وأناقته هما السبب!!
الأخ أوضح أنه يكتب الشعر النثري، وعند هذه النقطة، أدركت حجم الانحطاط الثقافي الذي وصلنا إليه، فأنا ممن يرون في ما يسمى زورا بالشعر النثري، منطق العاجز عن الإبداع في الشعر، وهذا الشعر النثري ليس أكثر من تخبيص حكي لمهووسين بالشهرة مصابين بالخبل والهبل.
وعودة لشاعر شارع الهرم ما غيره.. فقد ختم الله يسلمه لقاءه بتصريحه أن منظم «أمسياته» وهو مثل منظم حفلات الأعراس، صار يشكو كثرة المعجبات، ثم التفت للكاميرا بنظرة جانبية تذكرني بدعايات معجون الأسنان وابتسم.
في صفحته الفيسبوكية يتحدث الأخ بوضوح عن شركات العلاقات العامة التي تدير أعماله.. مما جعلني أفكر في طرح نفسي كفنان تشكيلي تكعيبي عبر استخدام شركة علاقات عامة، ولا بأس إن أرقت علبتي أصباغ على لوحة كبيرة وطرحها باسم (متاهة البامية في حقل الأقحوان).. والشركة ذاتها قد ترتب لي مقابلة في «صباح الخير يا عرب»، ولا تشكيلي لأشكيلك.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإنني وكقاريء للشعر، أجد في الشاعر «الحقيقي» السوري هاني نديم، حالة تحليق خرافية هي امتداد لنزار قباني وعمر أبو ريشة وفخري البارودي جميعا، وفي صديقي الشاعر والأديب الفلسطيني ابراهيم جابر إبراهيم معنى الإبداع في ذروته وأن فلسطين لم تقف عند محمود درويش ولا سميح القاسم أو توفيق زياد، لكن هذا كله لا يكفي، ولا شعرهما المدهش أيضا يكفي، وعليه فإنني أنصحهما باستخدام شركات علاقات عامة للترويج لهما كشعراء، ولا بأس إن تدخلت مسؤولة التسويق في الشركة بتعديل بعض نصوصهما لتناسب جمهور «الفيسبوك» فتزداد نسبة مبيعات تذاكر حفلاتهم، عفوا.. أقصد أمسياتهم.

«بكام الورد يا معلم»

كنت أستمع لأغنية سعد المجرد قبل قليل على فضائية غنائية، وعنوانها (إنت معلم)…فخطر لي وقتها أنه في الأردن.. غالبا.. كانت تتم الإشارة للمسؤول الأول… بالمعلم.
مثلا.. صادف مرة أني سألت سكرتيرة الوزير عن مدير مكتب الوزير، فقالت لي «المعلم طلع مع المعلم»!
ومرة سألت مدير مكتب الوزير عن الوزير، فأجابني»المعلم طلع من شوي».. ثم تذكر أن يتصل بنظيره في وزارة أخرى وقال له على الهاتف: «هاي معلمي جاي يشوف معلمك..»!!
أيضا أيامها، حين كنت أجتمع بالوزير (كنت أعمل مستشار وزير)، وفي معرض موضوع عام يقول مشيرا إلى رئيس الوزراء: «هاي بدنا نشوف المعلم عليها يوم الثلاثاء».
ومرة، ذات رئيس وزراء «مخاوي!!»، سمعته في اجتماع بحضور «الوزير» وطاقم من المدراء والوكلاء يقول بعد عرض تقديمي من مديرة مؤسسة عامة: «هذا عرض جميل، المعلم رح ينبسط كثير».
وحين خرجنا سألتني المديرة المذكورة بلهفة وقلق: «إنشاء الله المعلم كان راضي عن تقديمي»؟
فأربكتني التباسات الصفة والموصوف تلك اللحظة.
في المحصلة «وبلا معلمانية عليكم» فالمشكلة.. هي الذهنية التي ترى في القيادة، «معلم». ويصبح التراتب المرجعي في الدولة قائما على المعلمانية والمعلمين.
.. وبكام الورد يا معلم؟

كاتب أردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية