هل تنجح محاكمة الكُتاب ومصادرة الكتب؟!

حجم الخط
1

كنا نظن أن محاكمة الكُتاب على آرائهم لم تعد مجدية، وأن سياسة مصادرة الكتب ومنع تداولها قد ولت إلى غير رجعة في الوطن العربي، بسبب هيمنة وسائل الإعلام الحديثة واجتيازها للحدود.
حيث أمكن لكل مستخدمي الانترنت الحصول على كل المعلومات بنقرة زر، ولم يعد الباحث عن المعلومة في حاجة إلى الرقيب الذي يحدد له مصدر المعلومة والمعلومات التي يمكن الحصول عليها واقتناؤها بسهولة الكتب الالكترونية، حيث أصبح بمقدور كل فرد يستخدم مواقع البحث على الانترنت أن يقتني أي كتاب يريده، سواء بشرائه والحصول عليه بالبريد العادي، أو تنزيل الكتاب على سطح مكتب الجهاز وتناقله مع الأصدقاء بسهولة ويسر، كما أن مصادرة الكتاب ومنعه من التداول لم تنفع مع أي كتاب منذ مصادرة كتاب شمس المعارف الكبرى لمؤلفه أحمد بن علي البوني وحتى الآن، بل على العكس من ذلك أصبحت الكتب الممنوعة مرغوبة ويتهافت عليها القراء، وفي حالات كثيرة ساهمت الفتاوى وأحكام القضاة في شُهرة الكتاب ومؤلفه بصرف النظر عن قيمة المحتوى الفكري أو الأدبي للكتاب، وليس أدل على ذلك من سيرة الكاتب المغربي محمد شكري والمسماة بالخبز الحافي، والتي أملاها على المؤلف الامريكي المقيم في طنجة بول بولز، الذي كان يجمع القصص الشعبية المغربية ويترجمها إلى الانجليزية، وقد منعت الخبز الحافي من التداول في الدول العربية منذ ترجمتها إلى الانجليزية سنة 1973على يد بول بولز، قبل نشرها باللغة العربية سنة 1982، أما الرواية الأخرى التي ساهمت في شهرة كاتبها فهي رواية ‘وليمة لأعشاب البحر’ للروائي السوري حيدر حيدر الصادرة عام 1983، والتي منعت في مصر عام 2000 بدعوى الاساءة إلى الاسلام، أما الرواية الأشهر والتي استفاد صاحبها من الفتوى الصادرة بحقه وإهدار دمه فهي رواية آيات شيطانية للكاتب الانجليزي الهندي الأصل سلمان رشدي الصادرة في العام 1988، والتي أفتى الامام الخميني بإهدار دم مؤلفها، وقد ساهمت الفتوى في ارتفاع مبيعات الرواية وتشديد الحراسة على مؤلفها، ويمكن ذكر العديد من الأمثلة على منع الكتب ومصادرتها والتي ساهمت في شهرة الكتاب ومؤلفه، وهنا نقول ان المنع لم يحد من تداول الكتاب في عالم سقطت فيه الحدود، ولم يعد أحد مسؤولا عن رغبات الناس أو قيما على آرائهم، بل على العكس ساهم المنع في انتشار الكتاب وزيادة الاقبال عليه بصرف النظر عن محتوى الكتاب.
وفي هذا الاطار نذكر حيثيات الحكم الصادر بحق مؤلف كتاب (ظفار : يوميات 25 فبراير) حيث حكمت المحكمة الابتدائية بصلالة صباح الاربعاء 29 مايو الماضي، على الكاتب مسلم بن مسعود المعشني بالسجن 6 أشهر ودفع غرامة مالية 500 ريال عماني أي ما يعادل (1300 دولار امريكي) بتهمة توزيع مطبوعات بدون ترخيص من الجهة المختصة، والتحريض على البغضاء وبث روح الشقاق بين أفراد المجتمع، وقضت بسجنه عن الاولى 5 أشهر وغرامة مالية 500ريال، وعن الثانية سجن 6 أشهر وغرامة 500 ريال، ودمج العقوبتين بحقه وينفذ منها الأشد، ويوقف العقوبة الحبسية وينفذ منها شهرين، ويوقف كليا في حالة الاستئناف، وتقديم كفالة وقدرها 500 ريال ومصادرة المطبوعات، وكان الكاتب مسلم بن مسعود المعشني قد طبع كتابه الذي حمل عنوان (ظفار : يوميات 25 فبراير) في مطبعة وحدين الحديثة بالجمهورية اليمنية، ويتحدث الكتاب عن الاعتصام الذي حصل في مدينة صلالة بمحافظة ظفار في 25فبراير 2011، وقد خاطب الكاتب وزارة الإعلام الجهة المشرفة على المطبوعات والنشر ، للسّماح له بتوزيع الكتاب في السلطنة، ولكن الوزارة رفعت عليه القضية إلى الادعاء العام الذي باشر التحقيق معه قبل أن يحيل القضية إلى المحكمة الابتدائية بصلالة، وقد رفع المتهم لاستئناف الحكم.
هنا نقول ان محتوى الكتاب لم يكن إلا تسجيلا لوقائع الاعتصام في مدينة صلالة في 25فبراير وهو بداية لما سميّ بالربيع العُماني لاحقا حيث توسعت الاحتجاجات الشعبية إلى مدينة صحار والتي شهدت وفاة متظاهرين ، ونرى أن محاكمة الكُتاب هي محاكمة للرأي والفكر قبل أن تكون محاكمة للكتاب والمؤلف، كما أن محاكمة الأحداث التي وقعت في العام 2011، ما هي إلا محاولة يائسة لانتزاعها من الذاكرة أو من العقل الجمعي، لأن الشعب العماني قدم صورة رائعة في الاعتصام السلمي للمطالبة بحقوقه الاقتصادية والسياسية، واستجاب لها السلطان قابوس، الذي تحدث في أكثر من مرة على أنه لا مصادرة للفكر في عُمان.
ونرى أيضا أن القانون الأساسي للدولة في عُمان قد كفل حق الرأي والتعبير عنه، وكتاب ‘يوميات ظفار’لا يخرج عن هذا الحق، ولو كان غير ذلك لكنا أول من انتقد الكتاب، ولكن قانون المطبوعات والنشر الصادر بالمرسوم السلطاني في العام 1984 لم يعد مناسبا مع المرحلة الراهنة حيث باتت السموات مفتوحة أمام الأفكار وتناقل المعلومات، ولا يمكن منع تداول الأفكار، حيث لم تنجح أي محاولة للحجر أو المنع من سعي الانسان إلى معرفة ما يدور حوله، ولم تجدِ أي محاولة لمحاكمة الافكار من هزيمة أصحاب الأقلام والأفكار مواصلة تأليفهم وكتاباتهم، إن ما يمنع اعتناق الافكار الجديدة ليس المنع بل الوعي الفردي الذي يتشكل من خلال القراءات والنقاشات ويترعرع في البيئة التي تسمح بحرية التعبير، وحين يتوسع الوعي من الفردي إلى الجماعي فإن ذلك يشكل سدا منيعا وحصانة ضد أي فكر هدام أو اراء متطرفة، أما وسائل المنع التقليدية فهي لا تجدي نفعا بل أصبحت حمولة ثقيلة ترهق كاهل مستخدمها.

*كاتب من عُمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية