الأساتذة وتسخينات ما قبل الانتخابات

حجم الخط
0

يبدو بأن ضغط الانتخابات التشريعية القادمة فاق قدرة بعض الأطراف السياسية على التحمل..
تصريف هذا الضغط انتقل من أساليب المعارضة البهلوانية كما عشنا في السابق حين وصلت ذروتها مع اتهام رئيس الحكومة بالولاء لداعش والنصرة والموساد، إلى معارضة تقتات على احتجاج فئة اجتماعية هي في أمس الحاجة إلى المساعدة بالحكمة وبالرأي السديد وجعل مصلحتها فوق كل استغلال سياسوي مقيت..
مشروع التحكم مسنود هذه المرة بحزب القوات الشعبية ذهب بعيداً في محاولة الركوب اليائس على قضية الأساتذة المتدربين.
بالنسبة لي فإن الحكومة مارست صلاحياتها الدستورية وفق رؤيتها المتمثّلة في فصل التكوين على التوظيف، وفسح المجال أمام أكبر عدد من الطلبة خريجي الجامعات للاستفادة من تكوينات المراكز الجهوية بغض النظر عن إكراهات المناصب المالية المحدودة المتوفرة بموجب القانون المالي، وقد كان إعلان المباراة الذي تقدم على أساسه طلبة هذا الفوج برسم الموسم الدراسي 2015 و2016واضحا في مادته السادسة على أن مباراة الولوج إلى التكوين لا تعني التوظيف مباشرة، وأن هناك مباراة أخرى ستنظم للخريجين لولوج الوظيفة العمومية في حدود المناصب المتوفرة وهي 7000 منصب. لكن ملاحظتي الأساسية أن الحكومة لم تعتمد ما يكفي من التواصل للتحسيس بمضمون وأهمية هذا التحول.
وهو ما دفع بأساتذة الغذ إلى تنظيم احتجاجات ميدانية منذ أزيد من أربعة أشهر، لا حق لي في الحكم على مدى مشروعية مطالب الأساتذة المتدربين، خاصة وأن هناك مطالب مختلفة، فهناك من يطالب بإسقاط المرسومين بدعوى عدم قانونيتهما، والمخول لفحص مشروعيتهما القانونية هو القضاء.
لكن عدم لجوء ممثلي الأساتذة المتدربين إلى آلية الطعن أمام القضاء يجعل هذا المطلب مطلبا سياسيا بامتياز..
وهناك من يطالب بتوظيف الفوج كاملا وعددهم 10 آلاف منصب، وهو ما تفاعلت معه الحكومة في حدود إمكانياتها القانونية والمالية، عبر مقترحها الرامي إلى توظيفهم بشكل كامل عبر دفعتين، الدفعة الأولى من 7000 بعد اجتياز المباراة الأولى في إطار قانون مالية 2016، والباقي يتم توظيفه بعد اجتياز المباراة في إطار المناصب المالية المتوفرة في إطار قانون مالية 2017، أما الملاحظات المسجلة على المرسومين في علاقتها بإصلاح منظومة التعليم فهو سؤال كبير لا بتعلق بفوج أو فوجين من طلبة مراكز تكوين الأساتذة، وإنما هو سؤال يتعلق بإصلاح منظومة التعليم يتعلق بكافة المتدخلين.
الآن، وبعد أن قدمت الحكومة عبر رئيسها وعن طريق وزارة الداخلية مقترحاً واضحاًمنذ عدة أسابيع، يقضي بتوظيف العشرة آلاف متدرب بشكل كامل، وذلك من خلال تطبيق المباراة على دفعتين: تنظم المباراة الأولى في إطار المناصب المالية التي وفرها قانون المالية لسنة 2016. وتنظم المباراة الثانية في إطار المناصب المالية التي سيوفرها قانون الماليةلسنة 2017، وذلك طبقا للمقتضيات الدستورية والقانونية والتنظيمية التي تؤطر التباري وإحداث المناصب المالية، والتي تنص على أنه لا يمكن إحداث مناصب مالية إلا بموجب قانون المالية، وهي المقتضيات التي لا يمكن تجاوزها بالأجوبة السهلة والتضليلية الخاطئة..
لقد عمد حزب الأصالة والمعاصرة والاتحاد الإشتراكي تحت ضغط الذعر الانتخابي من إستحقاقات تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بالإضافة إلى أطراف سياسية تحمل شعارات سياسية تتجاوز منطق التداول الديمقراطي على السلطة إلى تسعير إحتجاجات الطلبة الأساتذة من أجل رفض هذا الحل الذي يستجيب لمطالبهم.
و في معركتهم السياسية اليائسة هاته ضد الحكومة، لجأ عرابو التحكم إلى أساليبهم البائدة المستندة إلى تسويق الأوهام على غرار ما حصل مع ما يعرف بنكبة اكديم إيزيك قرب مدينة العيون، وهو اعتماد المناورات البعيدة عن إطار الدستور و قواعد العمل السياسي المؤسساتي والضرب بعرض الحائط المقتضيات المنظمة لأدوات العمل الرقابي والتشريعي المؤطرة بأحكام الدستور وقواعد النظام الداخلي للبرلمان، واستغلال تواطؤ البعض وجهل البعض الآخر والولاء الأعمى لبعض أُطر الإدارة لمشروع التحكم.
لقد انكشفت محاولة التدخل في عمل السلطة التنفيذية عندما تسللت أدوات التحكم إلى مجالها و بدأ عرابوها يهندسون لحلول تنفيذية لمشكل الطلبة الأساتذة كأنهم جزء من الحكومة، و كأن الدستور وضع الإدارة رهن تصرفهم وليس تحت تصرف الحكومة. بل سيصل التهور بالحزبين إلى حد إصدار بيان مشترك رسمي يعلنان فيه أنهما سيتقدمان بقانون مالية تعديلي من أجل خلق ثلاثة آلاف منصب شغل لفائدة الطلبة الأساتذة!
و هنا ظهرت الفضيحة، لأنه لا يمكن لحزبين متواجدين في البرلمان أن يظهرا جهلهما الذريع بالدستور و القانون التنظيمي للمالية الذي عرف قوانين المالية بأنها تشمل قوانين المالية المعدلة و جعل المبادرة بتقديمها إلى البرلمان حقاً حصريا في يد الحكومة فقط، تحت إشراف رئيسها.
إن ما حصل خلال نهاية الأسبوع المنصرم يؤشر على أن الحكومة بصدد مواجهة هجمة عمياء لا تميز بين معارضة الحكومة وبين تخريب قواعد الاشتغال المؤسساتي بل وتحطيم تقاليد الدولة وأعرافها، بما في ذلك التخلي عن فصول الدستور و قواعد العمل الحكومي و التشريعي..
علينا أن نقول بوضوح وبكل مسؤولية سياسية وأخلاقية، وبكل روح أخوية لا يمكن لطلبة مراكز تكوين الأساتذة ان يستمروا في فرض مطالبهم دون مراعاة للسياق الوطني ودون امتلاك المناعة اللازمة ضد التوظيفات السياسية التي كشفت عن وجهها بشكل صريح، لا يمكن للأساتذة أن يتركوا قضيتهم مطية لحركات غير مسؤولة و أحزاب معروفة بنهجها التحكمي.
إن ممارسة العربدة وأشكال «البلطجة» لبعض الأطراف السياسية، لن يفيد في إضعاف حكومة محصنة بالدستور و القانون و سند الناخبين، إلا إذا قررت الجهات التحكمية تحطيم منطق الدولة والانتقال إلى منطق الفوضى وتوظيف مؤسسات الدولة لمحاصرة اتجاه سياسي بعينه..فتلك قصة أخرى…

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية