«سجن المجتمع» بين بورقيبة وأولاد أحمد

بعد مدة وجيزة من اندلاع الثورة الشعبية شاهدت الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد يتحدث، على التلفزيون، عن شدة قسوة الجميع على الجميع في تونس، حيث قال إن من شواهد الجحود المتبادل بين التونسيين وعدم اعترافهم بالفضل لأهل الفضل من أبناء بلادهم أن الزعيم الحبيب بورقيبة كان، مثلا، يحقّر من شأن أبي القاسم الشابي، أشهر شاعر تونسي في القرن العشرين، فيقول عنه، كلما أتى ذكره في مجالسه الخاصة، «ذاك الولد بلقاسم».
وواضح أن التحقير، إن صحت الرواية، لا يكمن في مفردة «بلقاسم»، بل في مفردة «الولد». ذلك أنه لا يوجد في العامية التونسية والمغاربية عموما اسم «أبو كذا». ولذلك فإن من اسمه أبو بكر يدعى «بوبكر»، ومن اسمه أبو القاسم يسمى «بلقاسم»، بحيث أنه لا شك في أن أهل أبي القاسم الشابي ومعارفه كانوا ينادونه بلقاسم. أما العادة العربية العريقة التي لا تزال منتشرة في المشرق حتى اليوم والتي تقضي، بأن أن تكون الأبوة والأمومة أساس الكنية لدى الرجل والمرأة، بحيث يكنّيان باسم الابن البكر، فهي عادة لم تتأصل في المغرب. ظاهرة يجدر أن تلقى اهتماما من المؤرخين الاجتماعيين وباحثي الانثروبولوجيا.
ولست أعلم المصدر الذي استقى منه الشاعر الراحل، رحمه الله وغفر له، هذه الرواية، إذ أني لم أقف لها على أثر في أي من المصادر المتعلقة بتاريخ الحركة الوطنية أو بسيرة الزعيم بورقيبة. ورغم أن تحديد مدى أهمية الصغير أولاد أحمد في المنجز الشعري التونسي المعاصر مسألة من اختصاص النقاد، فإن الذي لا مراء فيه أن اسم أولاد أحمد قد اقترن جماهيريا باسم تونس وبـ«حب البلاد» اقترانا لا يضاهيه فيه من الشعراء أحد. أما أن «يصادف» (وهذا تعبير نستخدمه تجوّزا لأن مفهوم المصادفة إشكالي، وقد يكون القول به أو اللجوء إليه مجرد عادة من العادات الذهنية، تماما كما كان الاعتقاد بأن الأرض مسطحة، حسب قول مالك بن نبي رحمه الله، مجرد عادة ذهنية لدى البشر) يوم جنازته يوم إحياء ذكرى وفاة الزعيم بورقيبة الذي صار اسمه، منذ حوالي سبعة عقود، مرادفا لاسم تونس، فإن في ذلك تساوقا دلاليا لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تعزيز هذا الاقتران الاسمي، في الوعي الشعبي، بين الشاعر والبلاد.
إنسان غير قابل للتفاوض، وشاعر طاعن في فن الألم. تلك هي الصورة التي أحملها عنه منذ القديم. لم أقابله سوى مرة واحدة، حيث كنت مع الصديق العزيز محمد كريشان الذي يعرفه منذ أيام جريدة «الرأي» المعارضة، على ما أظن. أذكر أنه قال، على سبيل المزاح، كلاما مليئا بالترميز عن التملق والتسلق و»كتابة التقارير»، وكيف أن النذالة بلغت حد الاحتراف، بحيث صارت تقتضي كفاءة وجدارة! ولكني أذكر أني رأيته في ندوة شعرية في دار الثقافة ابن خلدون، أي قبل إصدار ديوانه الأول «نشيد الأيام الستة»، يقول إنه يقرأ شعر درويش يوميا ولا يرى أي إشكال في عشق شعر أهم شاعر عربي معاصر، وذلك في رد على من انتقدوا تأثره الواضح بدرويش.
وكان من منتقديه من خاطب الشعراء التونسيين آنذاك قائلا: لماذا تكتبون عن الأمة العربية وعن القضايا البعيدة؟ لماذا تكتبون عن بيروت؟ أليس الأجدر أن تكتبوا عن جندوبة، وطبرقة وسيدي بوزيد؟
أما أهم ما قاله الصغير أولاد أحمد في تلك الندوة، فهو أن السلطة تبني سجونا تحبس فيها الناس لكي توهم من هم خارج السجون بأنهم ينعمون بالحرية!
فهل تكون هذه فعلا هي الكذبة المركزية في دول الاستبداد؟ فرضية يمكن أن تؤخذ مأخذ المقول الشعري النزّاع إلى المبالغة والإطلاق، ولكنها يمكن أيضا أن تحمل محمل المقولة الفكرية الجادة: مقولة «السجن الاجتماعي»، إن جاز التعبير.
مقولة جديرة بأن تبحث في كتاب فكري عميق مثل «باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل» الذي أصّل فيه الفيلسوف اللبناني ناصيف نصار فلسفة تكاملية تدور حول رباعية الحرية والسلطة والعقل والعدل، والذي «صادف» أنه اتخذ في فصله الأخير أسلوبا فيه حكمة وإشراق يفتحان على الشعر.

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية