لو أني عُلّقتُ بين السماء والأرض

حجم الخط
2

 

حديث الحسّ
حدّثت ريحانة قالت:
مرض أبو هريرة حتى أشفقت عليه. وكنت لا أبرحه ساعة وأبكي وأوجع لألمه حتى كأني منه. فيهمس: ابكي ما لذّ لك البكاء، ويومىء أن ضمّيني إليك. فأضمّه ضمّاً خفيفاً، فيلقي بأذنيّ كالحنين ويقول: وجعت أن لستِ في علتي.
ثم ذهب عنه بعض مرضه فدخل إلى الإبلال. سألته: هل عاد لك من الصحة ما كان قد ذهب؟ قال: إنه قد استوى عندي أن تذهب أو أن تبقى، بل كدت أختار العلة.
يمرض الناس يا ريحانة فيطلبون الشفاء، فيثقل المرض فيضني فيذهب سدى. وقد طلبت الشفاء مثلهم ساعة مرضي الأولي. ثم وجدت في علتي ما لم أجده في الصحة وتمّت لي بها حياتي، فخشيت أن تعاودني الصحة والاستقامة فأموت. كذا نحن. ولعله لا يبلغ العلة من الناس إلا القليل. قلت: وهل في العلة غير الإمحال وذهاب الماء يا حبيبي؟ قال: لا أدري، فقد يكون. وقد تكون العلة من محببات الحياة. بل انظري ـ قالت: وكان في صوته كصدى غَيْب بعيد ـ إني أجد في جسدي وهو عليل كيف يرقّ حتى كأنه عود كلما جسسته أنّ، وكيف تدقّ الحاسّة وتحتدّ. وقد ذهبتْ لي والله ساعات وأنا أقفو أثر الروح تنتقل من يدي إلى رأسي أو منه إلى صدري، وتتردد على الأعضاء والقلب والأمعاء تردّد الفجر، فكأني أسبح في دمي يجري. ولذّ عندي، فيلدغني الألم في كتفي أو صدري أو رأسي فأنا آكل حنظلاً لا كحنظل الناس، فيه مرارة وحموضة وألوان مختلفة ونار تضطرم وتحسنُ في العين. فكأن مقدار القوة والحياة يزداد للعلة، وكأن قرب الفناء خلاق.
ترين؟ ألا تكون الدنيا من خلق الآلهة عند النزع يا ريحانة؟
ثمّ تنفس فمدّ نفسه. ثم قال:
وددت من زمن بعيد لو أني عُلّقت بين السماء والأرض، أو أني جلست على قمة جبل وقد طلّقْته الأرض فطار. فلم أصب في ذلك إلا علّتي تفكّ الجسد وتميّز الأوصال فيخفّ اللحم والدم فكأني في الخُلد. إنه لا تكون الحياة أبدع مما تكون بين العدم والكيان، ولا أقرب من طمأنينة السعيد.
قالت ريحانة: ثم ابتسم وسكن. فنظرت فإذا دموعه كقطر الندى على خده، وقال: ألمني أن يكون نصف متاع الدنيا في حال لا يصيبها الإنسان إلا حيناً بعد حين، إذا سَلِمَ من كثافة الصحة. وضممته إلىّ وضمّني إليه. رحم الله أبا هريرة.
حديث الشوق والوحدة
حدّث أبو المدائن قال:
لم يكن أشدّ شوقاً إلى صديق لم يُخلق من أبي هريرة. كنت أقول في بعض الأيام: عِمْ صباحاً يا أبا هريرة. فيلقاني بعينين كأنهما الغيب ويقول: من أنت؟ أو: ممّن أنت؟ ويمرّ كالخيال.
حديث العمى
((فأرجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرّتين
ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير))
(قرآن)
حدّث أبو إسحاق عمرو بن زيادة السعدي قال:
خرج أبو هريرة مشرّقاً. فضرب في الأرض زمناً. ثمّ ردّته علينا بعض قوافل الغرب كثيرَ الغبار فانيّ العصا. فسألناه في رحلته فابتسم. وقال: لو كنتم عشتم في مستقبل الدهر لقرأتم ما سيكتبه ابن بطوطة عن خرافات الصبيان. وكان يقول: لقد ماتت الجهات الستّ. أو يقول: من ضاعت قِبلته فليسرْ ولا يطلب شرقاً أو غرباً.
فكأنما ضاقت عن الدنيا وفاض عنها أو وقع عليها فأفناها.
حديث الهول
حدّث حرب بن سليمان قال:
إنّا لعلى بعض طريق الحاجّ نقضي مناسك الحجّ ـ وفينا أبو هريرة وهو يومئذ من عمره في مطلع الفجر، يصلّي فكأنما يلهو، ويدعو فكأنما يغنّي ـ إذْ مرّت بنا جنازة. فقمنا لها فإذا أبو هريرة قد أرسل ضحكة آذن بها الناس جميعاً. فأخذته من طرف ثوبه. فإذا هو لا يتمالك عنها، فهي تهزّه هزّاً.
ولم يُتمّ الحجّ إلا وهو كالساهي عمّا يفعل.
حديث الشيطان
«ما من أحد إلا وله شيطان….»
(حديث نبوي)
حدّث ابن مسلمة السعدي قال:
كان أبو هريرة كالماء يجري. لم نقف له في حياته على وقفة قط. كالمستعدّ إلى الرحيل لا ينقضي عنه الرحيل.

حديث الجمود
حدّث أبو المدائن قال:
جئتُ أبا هريرة ليلةً فإذا هو في جمود الصخرة لا يشكو ولا يستطيع إليه سبيلاً ولا يبكي. فقلت: أوَ كالرحى تدور على قلبها ولا طعام وترحى؟ قال: إنه يا أبا المدائن ليس في الناس إلا ساهٍ عن أخيه. خرجتُ ليالي عدّة أهيم على وجهي وأنا أتوسّل إلى كلّ عابر طريق ألقاه أن يلطمني لطمة تذهب بي فتحييني، فلم يرحمني ولا أدركها مني أحد. حتى ليستحيل عليّ في النوم حلمي. فأنا الليلة على ذلك.
ألا قُلْ ويلٌ للذين يموتون ثم لا يُبعثون.
قال أبو المدائن: وكان ذلك في آخر أيامه.
من «حدّث أبو هريرة قال»، 1939

حامل الصخرة التونسي

كان أبو القاسم الشابي هو أديب تونس الأوّل، وشاعرها الرائد، بل أحد كبار شعراء العربية في العصور الحديثة؛ وأمّا (1911 ـ 2004) فقد كان ساردها الأشهر، وبين الأعلى قامة في النثر التونسي والعربي. لغة رفيعة متينة ونادرة، لكنها في الآن ذاته طلية رشيقة، طافحة بمجاز ثرّ غير متكلف؛ وبلاغة مركّبة، تجمع بين التأمل الفلسفي والشعرية العفوية؛ وفصحى خاصة تدخل مفرداتها في علاقات دلالية مستحدثة، طازجة وغير مألوفة، بل هي تباغت القارىء فعلاً، على نحو أخاذ يشدّه إلى مكامن المعنى وظلاله، قبل سطوحه القاموسية.
في كتابه الأول، «حدّث أبو هريرة قال»، شاء المسعدي استدعاء شخصية تراثية إشكالية، ليستنطق من خلالها سلسلة معضلات تخصّ الحياة التونسية في العقود الأولى من القرن العشرين، وكذلك الوجدان العربي عموماً؛ ثمّ، بصفة خاصة، مواجهة الماضي في ضوء الحاضر، وإبصار الذات في مرايا الماضي، التي لا يتوجب أن تكون عاكسة نزيهة بالضرورة، كما تقول تأملات أبي هريرة.
ولقد كتب في المقدمة: «إذا كان لا بدّ له من جدّة وطرافة [الكتاب] فاعلم أنه ليس في نظري أطرف من جدّة القديم، كنفسك وأحلامك وأساك وحيرتك. ولعل أجدّ ما فيه بعد قصتك الباطنة، روح أبي هريرة، لأنها تنتسب إلى أقدم الأقدمين وتودّ أن تنتسب إليك. ولعله ليس شأن الكاتب الجدّة والطرافة، وإنما هو يفترق على يده الجوهر عن العَرَض والعارض».
«السدّ»، كتابه الثاني، كان مسرحية فلسفية بدورها، تعيد استلهام شخصية سيزيف ضمن مناخات تونسية، وعربية ـ إسلامية استطراداً. وتلك صيغة أصابت طه حسين، عميد الادب العربي، بالحيرة والشغف في آن معاً، فاعترف أنه لم يفلح في إدراك رسالة النصّ الفلسفية إلا بعد أن قرأه أكثر من مرّة.
ولقد أصدر المسعدي عدداً من الأعمال الأخرى، الإبداعية والتأملية والأكاديمية، بينها «مولد النسيان»، «من أيام عمران»، «تأصيلاً لكيان»، و»الإيقاع في السجع العربي». وتُرجمت أعماله إلى لغات عديدة.

محمود المسعدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية