ثغرات قانونية تعيق تنظيم أمور «الهدم»: المدن المغربية العتيقة تشهد أكثر حوادث انهيارات المباني

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»:تكاد لا تمر فترة قصيرة إلا وتتصدر واجهة الاهتمام في المغرب من باب الفواجع أخبار إنهيار مباني ووقوع عمارات سكنية تخلف في العديد من المرات خسائر في الأرواح والممتلكات. وتزداد نسبة هذه الحوادث حين تتواطأ الطبيعة والمناخ وقدم المباني مع الغش في إنشائها، وتشتد الخطورة مع الأمطار الغزيرة التي تتطور أحيانا إلى فيضانات وانهيارات بالجملة كما حصل في بعض المدن والمحافظات مثل كلميم وتزنيت تيغمرت وأسرير في الجنوب المغربي قبل سنتين حيث خلفت أكثر من 31 قتيلا في حين انمحت تماما أحياء سكنية كانت متهالكة وآيلة للسقوط وتضررت أجزاء كبيرة من عشرات الأحياء الأخرى. وما زال المغاربة يتذكرون فاجعة عمارات حي بوركون وسط الدار البيضاء فجر أحد أيام شهر رمضان 2014 حين تهاوت ثلاث عمارات ساعة السحور على رؤوس قاطنيها وخلف الحادث 23 قتيلا وعشرات المصابين، وهو الحادث الذي أثار موجة حزن واستياء عكستها ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة المغربية بسبب ما تبين من ان الغش وارتشاء بعض المسؤولين المحليين المشرفين على إعطاء رخص الاستصلاح وإضافة الطوابق كانت من أسباب الكارثة. وفضلا عن الاهتمام الكبير الذي وجدته هذه القضية زار مكان الحادث أيضا عدد من المسؤولين الحكوميين على رأسهم العاهل المغربي الملك محمد السادس. وكانت محكمة الدار البيضاء الابتدائية حكمت بخمس سنوات سجنا في حق من ثبت أنه كان سببا في الكارثة سواء في البناء غير المرخص أو السماح في حصول تجاوزات وذلك بتهم منها التسبب في القتل والجرح غير العمد والإدلاء بوقائع غير صحيحة. حيث ثبت أن مالك إحدى العمارات الثلاث قام بإضافة طوابق غير مرخصة وهدم أحد أعمدة الدعم الرئيسية الخرسانية للمبنى في الطابق السفلي في أشغال توسعة. وفي مدينة الدار البيضاء لوحدها تشير إحصائيات إلى أن تاريخ بناء حوالي 79 في المئة من المنازل يعود إلى أكثر من 50 سنة.
وتشهد المدن المغربية العتيقة أكبر حوادث الانهيارات والبنايات الآيلة للسقوط مثل فاس ومراكش وتارودانت، ومنها حادثة انهيار منارة مسجد «باب البردعاين» التي يعود إنشائها إلى حوالي أربعة قرون في مدينة مكناس المغربية وسط البلاد والتي أدت إلى وفاة 41 مصليا وإصابة العشرات حيث حصل الحادث أثناء إلقاء خطبة صلاة الجمعة.

إحصائيات تنذر بحجم الخطر

في أرقام رسمية أعلنتها وزارة الداخلية في آخر إحصاء رسمي سنة 2012 تم جرد 43 ألف و697 بناية مهددة بالانهيار، تشغلها حوالي 141 ألف أسرة معظمها في مدينتي فاس والدار البيضاء، وقامت الدولة بإجراءات تدخل استباقي بمبلغ يناهز 1.35 مليار درهم «الدولار الواحد يساوي حوالي 9 دراهم» خلال الفترة الممتدة من سنة 2003 إلى سنة 2011 استفادت منه 87500 أسرة.
فيما أطلقت الدولة عددا من الاتفاقيات والمبادرات التي تستهدف معالجة الظاهرة لأجل حماية الأرواح والممتلكات من جهة، ولأجل الحفاظ على المدن العتيقة والمعمار التاريخي الذي صنف الكثير من معالمه من طرف منظمة اليونسكو كتراث مادي إنساني عالمي.

تجربة فاس نموذجا

القيمة الحضارية والتاريخية التي تحظى بها مدينة فاس العاصمة الروحية والعلمية للمغرب التي تأسست قبل 12 قرنا وهي أحد أهم الوجهات السياحية التي تستقطب ملايين السياح من محبي التراث والمعمار والأسواق القديمة، فهي تتوفر على بعض أهم مزارات البلاد التاريخية مثل جامعة القرويين ودار البطحاء ومدارس الصفارين والبوعنانية والعطارين وباب فتوح وباب بوجلود، كلها أسباب عجلت في احتضان هذه المدينة لأهم تجارب ترميم وإعادة تأهيل المآثر التاريخية على شكل وكالات ومؤسسات نجحت في الكثير من الأحيان حسب شهادة الخبراء في إنقاذ مدينة فاس ورد الإعتبار لقيمتها التاريخية ولأسوارها ومدينتها العتيقة التي يقطنها حوالي 150 ألف نسمة، ومن ضمنها وكالة التخفيض من الكثافة السكانية وإنقاذ مدينة فاس والتي أنجزت عشرات المشاريع القديمة التي تحيط بالمدينة العتيقة وأيضا التدخل المسبق لإنقاذ وترميم منازل سكنية وصلت درجات متقدمة من التدهور بفعل الزمن وتدخلات قاطنيها.

الفراغ والتشتت القانوني
يعيق معالجة الظاهرة:

في حديثه إلى «القدس العربي» يحلل محمد الهلالي مدير الشؤون القانونية في وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة، الظاهرة من زاوية قانونية قائلا: أن المغرب في وضعه الراهن صحيح أنه يتوفر على قوانين وهي حوالي 8 نصوص ما بين نص قانوني أو «مرسوم» موزعة في مجالات متعددة منها قوانين متعلقة بالجماعات وتحديدا الفصل 91 المتعلق بإعادة الاعتبار للمدن العتيقة، وهناك أيضا القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات واختصاصات رئيس المجلس الجماعي فيما يتعلق بالشؤون الإدارية، هناك الظهير المتعلق باختصاصات العامل «المحافظ» وقانون المالية الذي وسع صلاحيات صندوق التضامن للسكن وأدخل فيه بند الاندماج الحضري وهناك قانون الالتزامات والعقود الذي ينظم مسؤولية المقاول والمهندس وهناك قانون التعمير المتعلق بالضمانة العشرية وهناك مرسوم لاختصاصات وزير السكنى وهناك مرسوم يعود لسنة 1980 يتضمن الشروط التي ينفذ بها التدابير الرامية إلى استتباب الأمن وضمان سلامة المرور والصحة. غير أن الإشكال الحقيقي في هذه القوانين أنها نصوص مشتتة والكثير من المقتضيات تقادمت ولم تعد تناسب الواقع الحالي، وهناك فراغات قانونية كثيرة لتنظيم أمور منها قرار «الهدم» فهو غير منظم في المغرب وليست هناك رخصة خاصة بالهدم. مثلا هناك بدلا عنها «الرخصة الضمنية» وهي التي يتم الحصول عليها لأجل الشروع في البناء مكان بناء قديم تتم إزالته، هناك أيضا غياب لقانون معالجة مشكلة الإيواء المؤقت لأصحاب العقارات الآيلة للسقوط الذين يتم إفراغ بيوتهم، وأيضا الترحيل وتنظيم حالات الاستعجال. هناك أيضا مشكلة تعدد المتدخلين، فالجميع مسؤول لكن لا أحد مسؤول أيضا. هناك طول وتعقد مساطر التدخل وغياب الآليات المؤسساتية الخاصة بالتدخل. إضافة إلى هذه الأرضية غير المناسبة قانونيا لإزالة الخطر الداهم يطرح محمد الهلالي صعوبات أخرى عملية وميدانية، فهناك حالة تدهور للمشهد الحضري على مستوى التشخيص وبنايات آيلة للسقوط وبناء عشوائي وصفيحي، والمدن العتيقة المهددة وتحالف الطبيعة والطقس مع مشاكل الغش في البناء الذي يتسبب في انهيار عمارات شيدت حديثا. من جهة أخرى هناك ثرات تاريخي عمراني قديم هو بمثابة إرث ثقافي قيم لكنه في غياب الصيانة والتعهد يتدهور ويتلاشى. ويضيف عنصرا يجب أن نقف إزاءه بشكل جماعي ونعتبره ظاهرة وليس مجرد حوادث متتالية وكثيرون لا يعلمون عنه شيئا ويتعلق الأمر بوجود مبان شيدت بإسمنت معين كشفت دراسات وأبحاث أن له عمر افتراضي لا يتجاوز 100 سنة وهو على الخصوص البناء المشيد زمن الحماية الفرنسية. وهذا يعني أننا قريبا سنكون أمام انتهاء العمر الافتراضي للبنايات التي شيدت في زمن الحماية فلا يجب أن ننتظر حتى تنهار على رؤوس ساكنيها، بل وجب التدخل بشكل تدريجي لتفادي الأسوأ.

مشروع قانون جديد

بناء على التشخيص القانوني والاجتماعي للوضعية الراهنة يقول محمد الهلالي: قامت وزارة السكنى وسياسة المدينة بتحضير مشروع قانون جديد يتضمن ثلاثة أبعاد رئيسية: أولا المعالجة الفورية الآنية وإزالة الخطر وإنقاذ الأرواح. البعد الثاني يتضمن التدخل الاستباقي لمعالجة هذه البنايات قبل انهيارها بطرق علمية وتقنية ووسائل تدخل حديثة، وهنا طرحنا مشروعا جديدا يسمى «التجديد الحضري» وهو تحديد مكان معين يكون متلاشيا أو متداعيا أو نريد تغيير وظيفته كأن يكون مجالا خاصا بالسكن ويتم تغييره لمنطقة تجارية.

مشروع إنشاء وكالة وطنية للتجديد الحضري

ويضيف أن البعد الثالث للمشروع يهم إرساء آليات مؤسساتية خبيرة ولديها إمكانيات للتدخل في البعدين الأولين معا وهي الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، وستكون أهدافه الرئيسية وضع قواعد تؤسس لمعالجة المباني الآيلة للسقوط عبر مسطرتين، واحدة عادية وفي الحالات القصوى يتم اعتماد مساطر إستعجالية، والوكالة هي من سيتدخل بشكل مباشر سواء تعلق الأمر بملاك خواص أو مباني دولة أو مؤسسات جماعية.
ويتم ذلك عبر لجنة يرأسها العامل «المحافظ» وتنجز تقريرا يستند إلى خبرة ميدانية تشخص وضعية البناية ودرجات تضررها. ثم يوجه هذا التقرير لرئيس المجلس وآنذاك يتم التقدير هل هي حالة عادية أم استثنائية؟ ثم يتم إخبار المواطن بفحوى التقرير وأيضا يخبر كيف عليه أن يتصرف، فإذا اقتنع المواطن بالتقرير تستمر مسطرة التدخل بشكل عادي، وإذا رفض أو لم يقتنع بتقرير اللجنة عليه أن يبرر رفضه بخبرة مضادة عن طريق مهندس ما. آنذاك إذا اقتنع رئيس اللجنة قد يغير رأيه جزئيا أو كليا وإذا لم يقتنع تصر السلطات المحلية على التقرير الأول. وهنا قد يلجأ المواطن للقضاء لينصفه أو ليخبره أن عليه تطبيق قرار اللجنة. أما في الحالات الاستثنائية الإستعجالية التي يكون فيها خطر على الأرواح فلا يمكن إتباع كل هذه المساطر بل ينبغي التوجه مباشرة نحو إفراغ المساكن ونقل الناس إلى أماكن آمنة ولائقة. لهذا وبالتنسيق مع الوكالة الجديدة والسلطات المحلية يتم تدارس حل مؤقت مع المواطنين في حال لم تسمح ظروفهم المادية بتدبير سكن جديد. أما في حالات التدخلات الإستباقية المتعلقة بالتجديد الحضري فتجتمع اللجنة لتحديد المنطقة المستهدفة بالتدخل ويتم إنجاز تصميم حضري ثم تشرع الوكالة في تحضير التصاميم والإعتمادات المالية وما جاور ذلك قبل البدء في أشغال الترميم والإصلاح.
ويشير محمد الهلالي أن مشروع القانون قطع أشواطا مهمة في مساطر وضعه حيث مر بالإجماع في مجلس النواب في البرلمان بعدما اعتمدته الحكومة حزيران/يونيو 2015 وصودق عليه بالإجماع في البرلمان وسيتم قريبا المصادقة عليه في مجلس المستشارين.
ورغم الآمال العريضة التي تعقدها الدولة على مشروع القانون غير أن المهتمين يلقون بكرة الخطر الملتهبة في كل أركان البلاد ووزارتها. مثل وزارة الثقافة المسؤولة عن ترميم والعناية بمعمار وآثار المدن المغربية العتيقة وأيضا وزارة السياحة والأوقاف والشؤون الإسلامية، في مرمى المسؤولين المحليين في الميدان من أصغر فرد «كمقدم الحارة» إلى عمدة المدينة أو محافظها وذلك عبر محاربة مظاهر الرشوة والبناء العشوائي وتفشي قيم الغش والتزوير التي تسببت في إزهاق أرواح وتشريد أسر وإقبار بعض معالم التاريخ والحضارة المغربية.

أحلام يحيى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية