تونس ـ «القدس العربي»: يؤكد جل الخبراء والمحللين على أن رفض خليفة الغويل رئيس حكومة طرابلس، المدعومة من قوات فجر ليبيا، التنحي بمعية فريقه لصالح حكومة فايز السراج المدعومة من المجتمع الدولي، يساهم في تأزيم الأوضاع في الساحة الليبية المفتوحة على جميع الاحتمالات. كما أنه يعطل الحل السياسي الذي تدفع باتجاهه القوى الإقليمية (دول الجوار على وجه الخصوص) والدولية منذ فترة لتجنيب البلاد حالة الفوضى والانقسام والتشرذم التي تعيشها.
فيما يذهب بعض المحللين إلى اعتبار أن رئيس حكومة طرابلس خليفة الغويل يغرد خارج السرب لا غير، وسرعان ما سيقبل بالأمر الواقع تحت ضغط الداخل وضغط الدول الداعمة لحكومة الوفاق. ولن تتعدى معارضة خليفة الغويل، بحسب هؤلاء، أياماً أو ربما ساعات معدودة ليعلن بعدها التنحي مقراً صراحة أو ضمنياً بدعم حكومة فايز السراج المنبثقة عن الحوار الليبي والمدعومة من منظمة الأمم المتحدة وبلدان غربية ودول الجوار.
مصالح متبادلة
ويذهب أصحاب هذا الطرح إلى اعتبار أن فايز السراج ما كان ليدخل طرابلس، قادماً من تونس على متن سفينة بعد أن أغلقوا في وجهه المجال الجوي الليبي، لو لم يكن قد حصل مسبقاً على ضمانات بأنه وفريقه لن يتعرضا لأذى من قبل القوى التي تهيمن على العاصمة الليبية. كما يبدو أنه حصل أيضاً على وعود من قبل جهات فاعلة ومؤثرة بتخلي حكومة خليفة الغويل عن مهامها بمجرد قدومه وتسلمه وفريقه الحكومي مقاليد الأمور في طرابلس.
فكلا الطرفين (حكومة فايز السراج وجماعة طرابلس) تجمع بينهما مصالح متبادلة وبحاجة لبعضهما خلال المرحلة المقبلة التي تبدو صعبة على الليبيين في ظل تمدد الخطر الإرهابي الذي ضرب ليبيا وبعض دول جوارها. فالسراج بحاجة إلى قوات مقاتلة على الميدان توفر له ولحكومته الدعم والحماية في بلد تنتشر فيه الميليشيات المسلحة – وتبدو قوات فجر ليبيا هي المرشحة للعب هذا الدورـ وجماعة طرابلس بحاجة لشرعية افتقدوها بعد انتهاء ولاية المؤتمر الوطني العام الليبي الذي تنبثق عنه حكومة خليفة الغويل، ويوفر لهم السراج شرعية يستمدونها من بلدان الجوار التي تعترف بهذه الحكومة وكذا القوى الغربية (بعض بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) والأمم المتحدة التي رعت الحوار الليبي.
وترفض جماعة طبرق، ممثلةً في مجلس النواب المنتخب الذي انبثقت عنه حكومة يترأسها عبد الله الثني مدعومة من الجيش الليبي الذي يقوده اللواء خليفة حفتر، الاعتراف بحكومة فايز السراج. فهذه الحكومة سحبت من تحت أرجلهم بساط الشرعية وكذا الاعتراف الدولي الذي كانوا يحوزونه بالرغم من عدم تمكنهم من الاستقرار في العاصمة طرابلس منذ أن تم انتخابهم بعد أن منعوا من ولوجها من قبل فجر ليبيا والمؤتمر الوطني العام وحكومتهما.
كما أن من أسباب رفضهم لهذه الحكومة، المقيمة داخل قاعدة عسكرية بحرية في طرابلس، هو اتهامها بعدم الحياد بين طبرق وطرابلس وأن رئيسها وكثيراً من وزرائها على صلة ما بفريق طرابلس. ويعود الرفض إلى أيام مفاوضات الصخيرات حين اعترضت جماعة طبرق على تركيبة حكومة الوفاق بعد أن تراءى لهم أن تمثيليتها غير متوازنة واعتبروها امتداداً للمسيطرين على طرابلس والأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لهم.
وأمام جماعة طبرق في الشرق الليبي خياران لا ثالث لهما، فإما الاعتراف بحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج رغم مساوئها وإن على مضض، ومن دون اقتناع، وإما الاستمرار في الرفض والتعرض للعقوبات الدولية ولمزيد من الحصار. وفي الحالتين فإن برلمان طبرق وحكومتها والجيش الليبي الداعم لها سيخسرون الكثير من النفوذ خاصة بعد أن أزيح عنهم غطاء الشرعية.
ويخشى كثير من الخبراء والمحللين من أن تؤدي هذه الوضعية إلى انقسام فعلي ونهائي في بلد عمر المختار بين الشرق والغرب (بنغازي وطرابلس) مثلما كان الحال قبل توحيدهما. كما يخشى وأمام هذه الحالة من التشرذم من مزيد تغلغل الجماعات الإرهابية وسيطرتها على أراض ومدن جديدة تكون قواعد لتهديد أمن واستقرار دول الجوار، خاصة وأن عملية بن قردان الأخيرة في تونس أثبتت أن الأمن الإقليمي المغاربي مترابط وأنه لا يمكن لأي بلد مغاربي أن يعيش بمعزل عما يحصل في جواره.
روعة قاسم