مساعٍ إيرانية من البوابة الأمنية لاستنساخ «المفاوضات النووية » مع دول الخليج العربية

حجم الخط
3

حتى مع رفض المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي استنساخ التجربة في الداخل وإيجاد مصالحة وطنية شاملة مع الإصلاحيين (أو تردده) من واقع «تشكيكه» في الأساس بصمود «الاتفاق النووي» بين إيران والغرب لأنه يكرر دائماً أنه لا يثق بـ «العدو الأمريكي» ويحذر من ابتسامته «الصفراء»، فان الرئيس حسن روحاني خطا خطوة جريئة بإرسال وزير الاستخبارات حجة الاسلام سيد محمود علوي الى الكويت حاملاً رسالة خطية منه الى الأمير الشيخ صباح الأحمد، وتتضمن رؤية إيرانية للبدء في مفاوضات شاملة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، لحل الخلافات وتحسين العلاقات.
وقد زار المبعوث الرئاسي الايراني الكويت في آذار مارس المنصرم، وقد اختاره روحاني وزيراً للاستخبارات ليكون جاهزاً للبحث بالتفصيل كل ما يمكن أن يثار حول اتهام إيران بزرع خلية تجسس في الكويت (خلية العبدلي)، أو ارسال «عملاء» وأسلحة ومتفجرات الى البحرين وغيرها، وحرص أيضاً أن تحاط الزيارة بسرية تامة كي لا يجري «تفجيرها» من قبل المتشددين الرافضين داخل إيران لتحسين العلاقات مع دول الخليج بأسلوب «المفاوضات النووية» نفسه الذين يعتقدون أن روحاني وفريقه المفاوض قدم «تنازلات» لا ينبغي أن تتكرر مع «الأعراب» في المنطقة!
وبدا واضحاً في طهران أن روحاني وطاقمه في الخارجية كانوا حريصين على عدم إثارة المتشددين بعد خسارتهم «الموجعة» في الانتخابات الأخيرة، خصوصاً وأنهم لا يزالون يمتلكون مفاتيح الكثير من القوة، في الحرس الثوري والقضاء وقوى خفية غير منضبطة، وبامكانهم قلب الطاولة،ما يعرقل محاولات نزع برر التوتر في علاقات إيران الاقليمية والدولية،غير أنهم إضطروا الى إعلان الرسالة بعد أن كشف وزير خارجية البحرين، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، يوم 31 آذار مارس الماضي لقناة «العربية»، عن إرسال إيران رسالة إلى القادة الخليجيين، من خلال أمير الكويت، تعبر فيها عن رغبتها في فتح حوار معها.
وذكر الشيخ خالد آل خليفة أن مسؤولاً إيرانياً رفيعاً زار الكويت أخيراً وطلب فتح صفحة جديدة مع دول الخليج، «وقد أبلغ أمير الكويت قادة دول مجلس التعاون رسالة من إيران تتضمن رغبتها في إجراء حوار معنا، ونحن غير رافضين لذلك». كما أكد الوزير أن «باب الحوار مع إيران مفتوح وكنا نلتقي بهم باستمرار».
وبعد أيام نشر مكتب المتحدث باسم الحكومة الايرانية محمد باقر نوبخت بیاناً الأربعاء 6 نيسان أبريل حول الرسالة التي وصفها بـ«غير المعلنة» التي أرسلها الرئیس حسن روحاني الى أمیر الكویت «وتتعلق برغبة إيران في إيجاد مصالحة مع باقي دول الخليج العربية وتحديداً السعودية والبحرين».
وكان نوبخت قد نفى قبل يوم في المؤتمر الصحافي الذي عقده الثلاثاء 5 نيسان أبريل أن یكون الرئیس روحاني قد بعث برسالة الى أمیر الكویت، عندما سأله أحد الصحافیین بشأنها، وقال: «لیس هناك شيء من هذا القبیل».
وأكد مكتب المتحدث باسم الحكومة في بیانه الأربعاء أن نوبخت أدلى بتلك التصریحات قبل أن تصله التقاریر بهذا الخصوص، ومن الطبیعي أن وزارة الخارجیة الایرانیة ستقدم المعلومات اللازمة والدقیقة حول هذا الموضوع في الوقت المناسب!
رسالة روحاني جاءت في إطار تحرك إيراني لافت في إطار المساعي نحو تخفيف حدة التوتر في علاقات بلاده الخليجية، وقد رحبت الكويت بالموضوع، وقامت بتكليف أرفع شخصية كويتية، وهو نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الشيخ محمد الخالد، بنقل رسائل الى قادة خمس دول خليجية للتباحث حول الموضوع.
وتؤكد مصادر أن أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، قام بإعادة طرح مشروع سابق عرضه حول إستضافة الحوار الإيراني ـ الخليجي، المرتقب في الدوحة، بعد أن كان قد طرح هذه الفكرة في شهر أيلول سبتمر الماضي.
وفي موازاة ذلك تستعد إيران لتقديم مشروع حول أزمة البحرين الداخلية، إذ يدرس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مشروع اقتراح لحل الأزمة الداخلية في البحرين، وقد تم تكليف وزير الخارجية محمد جواد ظريف وسكرتير المجلس الأميرال البحري علي شمخاني باعداد مشروع يعرض على دول الخليج العربية أثناء الحوار المرتقب والذي يفترض أن يُدشن بعد القمة الأمريكية الخليجية المرتقبة التي ستعقد في الرياض يوم 21 نيسان أبريل 2016 في إطار «الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين».
يأتي المشروع الإيراني في إطار تفاهمات عامة على حلول تشمل أيضاً الأزمات في اليمن وسوريا ولبنان. فبعد أن بلغت الأزمة بين السعودية وإيران ذروتها، وتأثرت بها بعض دول المنطقة، بدأت تلوح في الأفق مؤشرات حل للأزمات الإقليمية، خاصة بعد أن صمدت الهدنة السورية ونظيرتها اليمنية، وأعادت روسيا «موضعة» قواتها في سوريا، وتم تدشين محادثات «مميزة» بين المعارضة والحكومة في جنيف بشأن سوريا.
وتُظهر تطورات الأيام القليلة الماضية أن تغيّراً في اللهجة السعودية، وبالتالي البحرينية تجاه إيران، وسبقها اظهار السعودية مرونة فيما يتعلق بالأزمة اليمنية. ويتوقف المراقبون مطولاً عند تصريح رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق الأمير تركي الفيصل، الذي قال فيه إن المملكة مستعدة لإجراء محادثات مباشرة مع إيران، شريطة أن تبدي طهران رغبة في سحب قواتها من سوريا، مضيفاً في حوار مع تليفزيون «بي بي سي»، أن هناك مصالح مشتركة تربط السعودية وإيران، مستشهدًا بالتعاون بين الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، والعاهل السعودي الراحل الملك عبد الله.
وعلى الرغم من أن شرط المملكة بأن تنسحب إيران من سوريا يبدو بالنسبة للايرانيين بعيد المنال كثيراً، ويكاد يكون تعجيزياً، إلا أن تصريح رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق باستعداد المملكة للحوار مع طهران يُعتبَر سابقة في العلاقات بين البلدين، خاصة بعد أن شهدت توترات خلال الفترة الأخيرة، بلغت ذروتها من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، وبذلت المملكة جهدًا لتصدر قرار قطع علاقات بعض الدول الخليجية والعربية مع إيران، وما تبعه من تدويل القضية وإدخال بعض الدول على خط النزاع، وأولها لبنان الذي نال جزءاً كبيراً من العقاب السعودي، من خلال وقف المساعدات المالية للجيش اللبناني واعتبار حزب الله منظمة إرهابية.
وجاءت الرسالة السعودية الثانية من وزير الخارجية، عادل الجبير، في ختام اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الأخير في الرياض، إن بلاده لا تمانع في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران، إذا غيّرت الأخيرة سياساتها، وتوقفت عن التدخل في شؤون دول المنطقة. وأضاف الجبير «إذا تبنت إيران سياسات مختلفة عن التي تتبناها الآن، فلا يوجد ما يمنع من بناء أفضل العلاقات»، وقال «لنكن واضحين وصريحين، عندما تتغير السياسة، من الممكن أن تتحسن العلاقة بشكل إيجابي». وأعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مرة أخرى يوم الأحد 27 آذار مارس الماضي، أن على إيران تغيير سلوكها فى حال أرادت علاقات طبيعية مع بلاده.
تزامنت هذه التصريحات «رغم أنها متغيرة» مع انطلاق جهود وساطة بين السعودية وأنصار الله في اليمن، وإحياء الحديث عن المسار السياسي الساعي إلى حل الأزمة اليمنية، حيث التقى ممثلون عن الحكومة السعودية بممثلين عن أنصار الله في الرياض مرتين، وأثمرت هذه الجهود عن حالة من التهدئة في العمليات القتالية على الحدود السعودية اليمنية، وترافقت معها عمليات تبادل أسرى بين الطرفين، الأمر الذي يعزز الآمال في إنهاء الحرب الدائرة هناك منذ عام.
ويبدو أن القمة الأمريكية الخليجية المرتقبة في الرياض ستكون حاسمة في إطلاق حوار إيراني – خليجي يعوض أو يخفف من تأثير نية الولايات المتحدة الأمريكية في الانسحاب التدريجي من الشرق الأوسط، ورسائل الرئيس الأمريكي باراك أوباما المتكررة للزعماء الخليجيين منذ اجتماعه بهم في كامب ديفيد، العام الماضي، وحتى تصريحاته الصادمة لمجلة «ذا اتلانتك» عندما اتهم السعودية بتصدير الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة، قائلاً إن الصراع السعودي الإيراني أدى إلى نشوب حروب بالوكالة، ونشر الفوضى في كل من سوريا والعراق واليمن، وإن على السعودية وإيران إيجاد طريقة للتعايش والتوصل لعلاقات حسن الجوار، الأمر الذي دفع الرياض إلى تغيير بعض سياساتها الخارجية التي طالما كانت تتدثر بالعباءة الأمريكية.
الأطراف المتشددة في الحرس الثوري الايراني كانت وصفت تصريحات وزير خارجية البحرين حول «جدية» دول مجلس التعاون في مواجهة إيران بـ«السخيفة» بحسب وكالة أنباء تسنيم التابعة للحرس الثوري، التي قالت يوم السبت الثاني من نيسان أبريل «إن هذه التصريحات تأتي من وزير خارجية دولة صغيرة»، مشيرة الى مايجري خلف الكواليس حول التفاهمات، وأن رئيس وزراء تركيا أحمد أوغلو الذي زار طهران مؤخراً حمل معه رسالة واضحة للايرانيين مفادها: «حسنوا علاقتنا مع روسيا، نحسن علاقاتكم مع الرياض».
وبالفعل اعتبر الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان في تصريحات صحافية يوم الجمعة الأول من نيسان على هامش القمة الدولية الرابعة حول الأمن النووي في واشنطن أن بلاده هي الخيار الأفضل والأنسب للقيام بدور الوساطة بين إيران والمملكة العربية السعودية، لإنهاء التوتر بين البلدين، مضيفاً أن «المنطقة بحاجة إلى السلام والاستقرار».
وبيّن الرئيس التركي أنه تم «طرح موضوع الوساطة بين إيران والسعودية على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الذي زار أنقرة في نهاية آذار مارس الماضي». أي بعد زيارة أوغلو لطهران التي وصلها ليل الجمعة 4 آذار مارس. وأشار أردوغان الى الأزمتين السورية والعراقية ودور إيران وتركيا وكشف عن تفاهمات معرباً عن أمله في أن تؤدي المساعي الإيرانية والتركية إلى تحقيق الأمن والسلام في العراق وسوريا.
فهل ستنجح مساعي روحاني أم يفشل كما هو الحال مع مبادرة سابقة حملها الى الرياض وزير الاستخبارات الايراني السابق حيدر مصلحي لتبديد اللبس والتطرق الى المسائل الامنية مع المسؤولين السعوديين بعد «مخطط» لاغتيال السفير السعودي (وزير الخارجية الحالي) في الولايات المتحدة في تشرين الأول اكتوبر 2011 نسبته واشنطن الى طهران؟!

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية