تراجع التمويل السياسي يخنق الإعلام اللبناني : الصحافة تدفع ثمن الحرية التي حولتها إلى أداة للصراعات الإقليمية

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: يعاني الاعلام اللبناني، الذي لطالما تميز بكونه منارة لحرية التعبير والصحافة، أزمة مالية خانقة بسبب تراجع التمويل السياسي والدخل الإعلاني. وقد تطورت هذه الأزمة في ظل الشلل السياسي والانقسامات الداخلية التي تفاقمت بسبب الحرب السورية المجاورة، إضافة إلى التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة.
ولأن نبض الإعلام في لبنان مرهون بالخارطة السياسية، فقد بات، هو الآخر، منقسماً في توجهاته، ما أثر على سلطته وقوة تأثيره خاصة مع استمرار الفراغ الرئاسي وإرجاء الانتخابات النيابية لأكثر من مرة، وعدم قدرة البرلمان أو ”الحكومة” على اتخاذ قرارات حاسمة. وقد تجلى واقع هذا الوضع على لسان طلال سلمان، رئيس تحرير صحيفة السفير اللبنانية حين قال «هناك خواء في الحياة السياسية في لبنان.. ولا صحافة في غياب السياسة، ولا سياسة في لبنان اليوم».
وقد انبثق عن هذا التراجع في القوة والتأثير تراجع مصالح الانظمة العربية التي كانت تمول الإعلام اللبناني. ويقول عميد كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية جورج صدقة ان احد اهم اسباب ازمة الصحافة اليوم يكمن في «تراجع المال السياسي والدعم من الانظمة العربية اللذين كانا يمولان قسماً كبيراً من الاعلام اللبناني».
وبالإضافة إلى تراجع التمويل السياسي، تأثر الإعلام اللبناني بتراجع سوق الإعلانات التي تساهم في تمويله بشكل كبير. واستناداً إلى معلومات شركة ابسوس لابحاث الاسواق، فقد تراجعت الاعلانات في الصحف اللبنانية 10،7 في المئة بين 2014 و2015. ويرجح رئيس المنظمة الدولية للاعلان – فرع لبنان- ناجي عيراني سبب هذا التراجع إلى إدراك شركات الاعلان ان «اهتمام اللبنانيين بالصحف والمجلات التقليدية تراجع لصالح وسائل التواصل الاجتماعي او حتى التلفزيون». ويقول الاستاذ في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية أحمد زين الدين ان الصحافة اللبنانية لم تتأقلم مع السوق الاعلامي الجديد، ولم تستشرف الازمة، مشيراً الى ان الحل اليوم يكمن في «اعادة تنظيم الصحافة لنفسها والتعامل مع التحولات الجديدة». وقد تجسدت تداعيات هذا التراجع عملياً على صحف وقنوات لبنانية في الأشهر القليلة الماضية كان آخرها حين واجهت صحيفة «السفير» اللبنانية الواسعة الانتشار في لبنان والعالم العربي خطر التوقف عن الصدور. وكانت الصحيفة التي تأسست عام 1974، أي قبل سنة واحدة من بدء الحرب الاهلية (1975-1990)، أبلغت العاملين فيها قرار الإغلاق، لتعود فتتراجع عنه بعد أيام قليلة، معلنة استئناف الطباعة إثر حصولها على تمويل مجهول المصدر. وقد قال طلال سلمان، مؤسس ورئيس تحرير «السفير» حينها لوكالة فرانس برس، «لم يعد لدينا بارود»، مضيفاً أنه يبحث حالياً عن ”شريك لتعزيز الرأسمال مع ضغط المصروف… سنبذل اقصى جهد ممكن وحتى آخر قرش». إضافة إلى صحيفة ”السفير”، نفت مؤخراً إدارة صحيفة «النهار» اللبنانية التي تأسست عام 1933، شائعات عن اقفال وشيك لها. إلا أنه من المشاع ان العاملين في صحيفة «النهار» لا يتقاضون منذ حوالي السنة رواتبهم بشكل منتظم. وكذلك هي الحال بالنسبة الى صحف ومحطات تلفزة اخرى، بينها مؤسسات تابعة لرئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري، احد اكبر اثرياء العالم. كما تعاني صحيفة «المستقبل» وتلفزيون «المستقبل» المملوكان من الحريري، منذ حوالى عامين، صعوبات جمة في تسديد رواتب موظفيهم، وبلغ بهما الأمر مرة الى التوقف عن الدفع لاكثر من عشرة اشهر متواصلة. ولا تنحصر مشكلة التمويل على الصحف فقط، فقد صرفت محطتا «ال بي سي آي» و»الجديد» في العام 2015 عدداً كبيراً من الموظفين.
ويدفع لبنان منذ زمن طويل، ثمن حرية التعبير التي يتغنى بها. فقد حولت هذه الميزة هذا البلد الصغير المضطرب إلى أداة للصراعات السياسية والاعلامية بين الأنظمة المتصارعة. فخلال حرب لبنان الأهلية، كانت ليبيا والعراق وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية من ابرز الجهات الممولة للصحافة اللبنانية بسبب الأحداث التي كانت تشهدها المنطقة انذاك. وبرزت بعد هذه الحرب كل من السعودية وقطر وايران كقوى بديلة تلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية الحافلة في لبنان.
يقول الاستاذ في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية احمد زين الدين في هذا الصدد إن «الصحافة العربية عموماً واللبنانية تحديداً ليست صحافة جمهور ولكنها صحافة تمويل.. يأتي من جهات سياسية او اقتصادية ودول اخرى”.
وتتصارع هذه القوى فيما بينها عبر الساحة اللبنانية باعتبارها أداة ضغط. وقد شهدت العلاقة مؤخراً بين السعودية ولبنان توترا ملحوظا بسبب إتهام المملكة حزب الله بمسؤولية «مصادرة» القرار اللبناني وغضبها من نفوذه المدعوم من ايران . وقد انعكست تداعيات هذا التطور على الصعيد الإعلامي عندما أعلنت قناة العربية، التي تملكها السعودية، اغلاق مكاتبها في بيروت «حرصاً منها على سلامة موظفيها» في حين نقل مصدر اعلامي لبناني عن العاملين ان «اسباباً امنية» تقف وراء القرار. وأكدت الوكالة الوطنية للاعلام ان 27 موظفاً تبلغوا صباح يوم الجمعة قرار الصرف. وفي تعليقه على القرار، تساءل وزير الاعلام اللبناني رمزي جريج «هل القرار نابع عن موقف سياسي بسبب توتر العلاقة بين لبنان ودول الخليج، لا سيما السعودية؟». وبعد بضعة أيام، اوقفت الشركة المصرية للاقمار الاصطناعية «نايل سات» الاربعاء بث قناة «المنار» التابعة لحزب الله اللبناني، بحجة بثها برامج «تثير النعرات الطائفية»، الامر الذي اعتبره حزب الله يأتي في سياق «هجمة تشنها بعض الأنظمة العربية على المقاومة بكل قطاعاتها ومن ضمنها القطاع الإعلامي».
واعتبر مدير عام قناة «المنار» ابراهيم فرحات في حديث لوكالة فرانس برس ان القرار سياسي وليس مهنياً، مضيفاً «هذا جزء من المشكلة في المنطقة يعكسونها على الاعلام، وهذا القرار ضد الاعلام وضد حرية التعبير. ولا يجوز ان نسكت عليه».
ويذكر أنه في صيف 2015، اظهرت وثائق نشرها موقع «ويكيليكس» ان محطة تلفزيونية لبنانية مؤيدة لقوى 14 اذار حصلت على مساعدة سعودية بمليوني دولار، وهو «عشر ما كانت تطلبه» المحطة، بحسب الوثيقة.
ومن جهة أخرى، نشرت تقارير مختلفة تتحدث عن مشاكل مالية يعاني منها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وصولاً الى تساؤل البعض عما اذا كان السياسي ورجل الاعمال، نجل رفيق الحريري الذي صنع ثروته في السعودية، قد خسر شيئاً من دعم الرياض، في وقت تشهد العلاقات اللبنانية السعودية فتوراً متنامياً.

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية