حتى في الزمن السابق لانتشار الانترنت كان مبيع الصحف الورقية الصادرة في بيروت، محدوداً، وحدّه الأقصى لا يجاوز العشرة آلاف نسخة لأكبرها، في الأيام الاعتيادية. رغم انّ لبنان لم ينكب بـ»تأميم الصحافة والرأي» أسوة بسوريا وغيرها من البلدان العربية، ورغم الصيت الثقافي لصحافته، الا أنّها منذ وقت طويل تعاني تشويهات عميقة، ليس أقلها عدم انتشارها في المناطق اللبنانية «الداخلية» أو الطرفية، وهو بالطبع ما فاقمته الحرب، والطابع العائلي البطريركي لمالكيها، حين لا تكون صحفاً لأحزاب آيديولوجية (وحده الحزب السوري القومي الاجتماعي ما زال يصدر يومية ورقية من بين الأحزاب). وكما يكبح لبنان حرية التجارة من خلال «الوكالات الحصرية» للموردين، كذلك مالكو الصحف، وهم على طريقتهم «كمبرادور» او موردون، يأتي «امتياز اصدار صحيفة»، ليمنع تعدداً أكبر للصحف اللبنانية، وخصوصاً تطورها بعيداً عن المركز، وهو صنو «الوكالة الحصرية».
كذلك تنامى في العقود الماضية اتجاهان: واحد يجعل من «الصحافي» مهنة ليس لها أي مدلول اجتماعي قائم بذاته، ما دامت المداخيل متفاوتة بشكل نافر، تتراوح بين 400 دولار و150000 دولار بين الزملاء في المؤسسة الواحدة. والثاني يجعل الصحف أقل تفلتاً أكثر فأكثر من مؤشر بيع الجريدة، وتعتمد على سوق الاعلانات من جهة، وعلى التمويل السياسي من أنظمة عربية، أو «عطايا» رجال الأعمال المسيسين منهم أو الأقل تسيساً، ترويجاً لمشاريع بعينها، منها طبعاً مشاريع دخول هؤلاء عالم السياسة، وهذه «العطايا» منها طبعاً ما يستفيد منها «أوليغارشيو المهنة» أي الفئة المترفة من الصحافيين والاعلاميين المحتفل بهم كوجوه عامة، والذين يسعى أو ينجح قسم غير يسير منهم في التأهل من ثم الى النادي الذي يوصف بـ»الطبقة السياسية»، أي أساساً الى كرسي النيابة أو الوزارة.
يحاول ملاك الصحف المأزومة في بيروت اليوم الايحاء بأن المشكلة الأساسية ذات طابع تقني، تتصل بالنقلة من الورقي الى الشبكة الافتراضية. وتعميم هذه النظرة يساهم في التعتيم على واقع الصحافة اللبنانية وأسباب ضمورها. ولا مكابرة في القول ان الصحف الورقية واقعة في مشكلة جدية على امتداد العالم، وان كان الجدال لم ينقطع ايضاً ان كان هناك اتجاه تراجعي حتمي أو دورة تراجع فانتعاشة من جديد، لكن الوضع اللبناني يختلف، لأسباب عدة. فكما ظهر يوم أعلنت «السفير» احتجابها، ثم عدلت عن القرار أقله مؤقتاً، لم يجر تمييز الورقي عن الالكتروني، بل شمل قرار الاقفال والعودة عنه الاثنين معاً. ثم ان تجربة المواقع الالكترونية اللبنانية من دون سند ورقي اتسمت كلها بحيوية في الشهور الاولى ثم بركود، ورغم كل مشاكل الصحافة المكتوبة، بدت هذه المواقع أكثر ركاكة، وأبعد عن الاستثمار الجدي لما يمكن ان يتيحه الانترنت من فرص جدية لتطوير أنماط من الريبورتاجات المصورة. الريبورتاجات تراجعت في الصحافة اللبنانية بعامة، وكثير مما يدرج في هذه الخانة مقحم عليها بشكل فظيع وممل.
الى حد كبير، الانترنت، ممثلاً بمواقع التواصل الاجتماعي، او اساساً الفيسبوك، أكل في حال بلد كلبنان، من حال المواقع أو الجرائد الالكترونية نفسها، فهو ان تحول الى «ساحة مركزية» لـ»تشيير» المقالات والمواد، الا انّ مئات من المدونين والمقبلين على «تويتر» و»انترنت» ممن لا يتقاضون أتعاباً على ذلك، برعوا أكثر من المصنفين في المهنة.
لكن المفارقة الأساسية ليست هنا. تكمن أساساً في كون كتّاب المقالات السياسية في الجرائد الأهم كانوا يكتبون أساساً لـ»الطبقة السياسية»، وكانت هذه الطبقة السياسية الى حد معتبر، لا تزال تقرأ، وكانت لا تزال مهتمة باجتذاب صحافيين اليها، وضمناً تحييد الأخصام منهم ما استطاعت، في حال تعذر الاجتذاب. الآن، هذه الطبقة السياسية لم تعد تقرأ الصحف. والأسماء المكرسة في هذه الصحف منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي تشكل مالياً «أوليغارشية المهنة»، اضافة الى مالكي الصحف أنفسهم، هي أيضاً فئة منعت التداول الجدي بين الأجيال ضمن هذا القطاع، وهذا ما ساهم أيضاً في التبلد الذهني العام.
اشتهرت «النهار» و»السفير» كأهم جريدتين في بيروت في العقود الماضية. الجريدتان يختلف اللون الايديولوجي المستحب عند مالكي كل منهما، ويختلف اللون الطائفي والمناطقي، وكذلك عمر التجربة الصحافية، لكن ما يجمعهما هو الطابع العائلي للمصلحة، والطابع التوريثي للجريدة، من جبران الجد الى غسان فجبران فنايلة التويني في «النهار»، ومن ناشر جريدة «السفير» الى ابنته، سوى انه يظهر ان الحلقة الاخيرة من التوريث، وهي الحلقة الرابعة في «النهار» والثانية فقط في «السفير» لا تبعث على التفاؤل من منطلق حسابي، وتجعل فكرة «حصر الارث» واردة اكثر، سيما وان العائلتين كونتا نفسيهما مالياً وعقارياً في هذا المعترك، والأنسب عدم تضييع ما كونتاه باجترار التجربة الورقية، أو الصحافية بعامة، بلا طائل، ان كان هناك مضمار أنسب للحفاظ على المكتسب.
وسام سعادة