شخصيا، ورغم جرعات السموم الطائفية، التي تبثها بعض المحطات الفضائية التي حظرت مؤخرا على «نايل سات» ما زلت أصوت للرد على الإعلام بإعلام مهني مفحم ومقنع ومتميز بدلا من الحجب والمنع والتحكم في فضاء الناس.
قد أتفهم مسوغات ومبررات الحرب، التي يشنها بعض الأخوة العرب على حزب الله اللبناني، بعدما شن بدوره حربه على جميع من يعارض ديكتاتور دمشق.
لكن لا يمكنني تفهم حجب خدمة شاشة ما، مهما كانت، عني.. ذلك سلوك لا يمكنه أن يكون مقنعا وأفضل الردود على تحرشات ومناكفات وسموم محطات مثل «المنار» و«الميادين» أو غيرهما هو العودة لمربع الرد المهني المقنع المتميز بالمصداقية أو العمل على تطوير تلك البقالات الفضائية البائسة السقيمة التي تنطق باسم النظام العربي الرسمي.
لست مع الحجب والمنع .. تلفزيونيا أنا مع الرد على الفرية بحجة مقنعة وعلى الرواية المسمومة المندسة بأخرى من نوع «لا تخر منها المياه».. الحجب مع احترامي لأصحابه وتقديري لأسبابه سهل وبسيط وغير مكلف ولا يحتاج لجهد كبير، أما تشخيص أداء الذات وتطوير أذرع الإعلام الوطنية فهو المجهد… والله من وراء القصد.
استئصال الانتخابات
الإطلالة الأولى للدكتور خالد كلالده على شاشة تلفزيون الحكومة بمناسبة تكليفه ملكيا برئاسة الهيئة العليا لإدارة الانتخابات تؤشر على أن الفرصة قد تتوفر – نقول قد – لرؤية هيئة مستقلة فعلا تدير العملية الانتخابية وتستطيع السيطرة على إيقاع غرف العمليات أثناء عملية الانتخابات، حيث تجري «المصايب» كلها.
تلفزيون الحكومة وضع صورة ملونة للكلالده، وعاد إلى الأرشيف وهو يؤدي اليمين الدستورية قبل أن يبشر الشعب بالخبرين .. مجلس مفوضين جديد للانتخابات وإلغاء ضريبة المبيعات على أطباق البيض، مما يوفر على كل عائلة شهريا 38 قرشا عدا ونقدا، حسب الصديق المسيس يونس دوايمه.
البيض والانتخابات في الأردن لهما الرائحة نفسها عمليا ..عموما نترك البيض لنتكلم في السياسة والانتخاب.
احتفلت كغيري من المواطنين بوجود ثلاثة أطباء جراحين «طقة واحدة» في مجلس مفوضي الهيئة مشكلين ما نسبته 50 % من قرار ومجلس الهيئة… هل يعني ذلك شيئا؟
معنى الكلام كما افترضه أن «غرفة عمليات» مركزية على أسس طبية ستقام بعد اليوم في الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات ردا على تلك الغرف المغلقة التي تدير المسائل، والتي اعترفت المحامية أسمى خضر أمام الملأ بأن الهيئة لم تكن تصلها ولا تدري ما الذي يحصل فيها.
يوجد اليوم ثلاثة جراحين بالمعنى المهني الطبي المباشر في إدارة المستقلة للانتخابات أحدهم وهو الرئيس متخصص في جبر الكسور والعظام وثانيهم يدرب الأطباء في الأمراض النسائية وثالثهم جراح عام يفهم تماما كل متطلبات الجراحة.
تحشيد كل هذا العدد من الجراحين الأطباء المعروفين في البلد بهيئة سياسية دستورية يوحي بأن «جراحة ما كبيرة» في طريقها للولادة…هل سيتم استئصال ورم السرطان؟ طبعا الورم هنا هو عبقرية «تزوير» الانتخابات.
الساخر الكبير يوسف غيشان له رأي مختلف نشره على صفحتي الـ «فيسبوكية» عندما قال: سيتم استئصال الانتخابات لإنقاذ «الورم».
هل نتحدث عن مولود جديد فعلا قد يولد مكسورا مما يتطلب وجود إستشاري كبير في الجراحة النسائية ورئيس متخصص بالعظام وجراح ثالث يراقب ويمسح ويخيط الجرح؟ سألني صديق خبيث: أين طبيب التخدير، الذي يعتبر وجوده أساسيا قبل العملية؟ وقال لي آخر: أنت تحلم.. على الأقل دفعتني اطلالة الكلالده التلفزيونية لأن أحلم قليلا… لننتظر النتائج ونرى فقد يكون مقصودا جدا غياب طبيب التخدير على أساس أن الجراحة ستجري بصورة بدائية وبدون تخدير بسبب طبيعة المرض وتركيبة الورم.
ميثاق للزملاء العرب
خلافا لما يحصل في الصحف الورقية قررت شاشة الجديد اللبنانية عدم تمرير قرار زميلتها فضائية «العربية» بخصوص إغلاق مقراتها ومكاتبها في بيروت، مما نتج عنه «تشريد» نحو 30 عاملا في النطاق الإعلامي.
طبعا أتعاطف وأتضامن مع الزملاء الذين وجدوا أنفسهم في الشارع وبلا وظيفة فجأة بعد عمل 20 عاما مع كاميرا «العربية»، لكن الأجندات السياسية عندما تدير الإعلام لا ترحم وكل صحافي وإعلامي عربي يعمل في مؤسسات النظام الرسمي العربي هو على الأرجح مشروع شهيد وشخص وضع رزق عائلته في مرمى التبدل المحتمل في كل الأحوال.
ضحايا إغلاق مكاتب «العربية» في بيروت حظهم سيىء ويعملون كغيرهم من آلاف الزملاء بدون ضمانات تقاعدية وحقوقية وهم قبلوا ذلك، ومن المرجح أن خصومهم المهنيين في محطات حزب الله اللبناني قد يواجهون المصير نفسه في أي لحظة.
الإعلامي العربي في حاجة لوثيقة جماعية تضمن – ليس فقط شرط الضمير – بل عدم الإلقاء به وبأطفاله في الشارع بدون حقوق تكفيهم السؤال جراء تبدل البوصلة السياسية…هذا ما يحصل تماما عندما تتحكم الحكومات بوسائل الإعلام… للأسف الشديد.
مدير مكتب «القدس العربي»
بسام البدارين