لندن- «القدس العربي»: أعلنت الولايات المتحدة عن ضم المقاتلة «بي-52 ستراتوفورترس» للعلميات في الحملة ضد تنظيم «الدولة». وهو تطور معنوي مهم في الحرب ضد الجهاديين في العراق وسوريا. وتم نقل ثلاث مقاتلات من الطائرات الحربية المخضرمة التي استخدمت لأول مرة أثناء الحرب الفيتنامية في ستينيات القرن الماضي إلى قاعدة العديد القطرية.
وهذه هي أول مرة تتمركز فيها طائرات حربية من هذا النوع في منطقة الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الأولى عام 1991.
وكانت الطائرات هذه تقوم أثناء الحرب الباردة بنقل الأسلحة النووية أما اليوم فهي تستخدم في الهجمات الدقيقة وتقديم الدعم من الجو للقوات البرية والقيام بدوريات.
وقال قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط الجنرال تشارلس براون إن مقاتلات بي- 52 تتميز بقدرة «التحمل والمرونة» وتستطيع تقوية الحملة التي يقوم بها التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة».
وقال إنها تقدم رمزية قوية عن القدرات الأمريكية المتفوقة وترسل رسالة لتنظيم «الدولة» عن إصرار الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها على تدمير التنظيم الجهادي وإنهاء ما يطلق عليها «الخلافة».
وأكد المسؤولون الأمريكيون أن الطائرة لن تقوم بعمليات قصف «سجادية» لتنظيف القوات المعادية كما فعلت مع القوات العراقية أثناء حملة تحرير الكويت وضد مقاتلي الفيت كونغ في الحرب الفيتنامية، مشيراً إلى أن قوات تنظيم «الدولة» لا تتجمع في أمكنة محددة. ونقل عن مسؤول أمريكي قوله إن «الدقة مهمة جداً في هذه الحرب خاصة في ظل امتزاج مقاتلي التنظيم مع المدنيين».
وتقول صحيفة «التايمز» إن صواريخ توماهوك كروز كانت السلاح المفضل للرؤساء الأمريكيين السابقين إلا أن المقاتلة التي دخلت الخدمة العسكرية في خمسينيات القرن الماضي لم تستخدم حتى الآن في الحملة الجوية ضد تنظيم «الدولة».
واستخدمت القوات الأمريكية نوعاً محدثاً من الطائرات «بي -1 بي» إلا أنه تم سحبها من العمليات الجوية في كانون الثاني/يناير لإجراء تحديث على آلاتها.
وكان بإمكان وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مواصلة العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة من خلال عدد من المقاتلات المختلفة مثل إف15 إي وإف-16 وإف إي- 18 وطائرات بدون طيار «بريدتير وريبر» ولكنها قررت نقل بي-52 نظراً لقدراتها على حمل القنابل.
وجاء القرار متناسقاً مع أوامر الرئيس باراك أوباما لزيادة الغارات الجوية ضد تنظيم الدولة. والنسخة المتبقية في الخدمة من مقاتلات بي-52 هي مقاتلات بي-52 أتش وهي قادرة على حمل 31752 كيلو غراماً من الذخيرة وتحمل على متنها صوارايخ كروز وقنابل دقيقة وألغاماً ويمكنها التحليق على ارتفاع 50.000 قدم.
وتم استخدام مقاتلات بي -52 ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان وفي الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
وتتمركز هذه المقاتلات في لويزيانا ونورث داكوتا وشارك بعضها في المناورة العسكرية التي تمت في الأردن العام الماضي.
وتشير الإحصائيات إلى أن سحب مقاتلات بي-1 بي بداية العام الحالي أثر على وتيرة الغارات التي انخفضت لحدها الأدنى في شهر شباط/فبراير ورغم قيامها بنسبة 7% من المهام في العراق وسوريا إلا أنها اسقطت النسبة الأكبر من القنابل وكانت تتميز بقدرات قتالية مهمة، فهي تستطيع التحليق في الجو ولمدة 10 ساعات وبدون توقف وتستطيع التحليق فوق سرعة الريح مما يعني أنها تستطيع وصول أي هدف في العراق وسوريا وبدقائق معدودة. وعليه تعتبر طائرات بي-52 هي البديل المناسب لها خاصة أنها تتمتع بقدرة على التحليق 12 ساعة متواصلة.
أيقونة ملوثة بالدم
وتشير صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إلى المكانة المميزة «الأيقونية» للمقاتلة البالغ عمرها 60 عاماً حيث أطلقت أول مرة في عهد ايزنهاور وكانت أول مقاتلة تسقط قنبلة هيدروجينية على جزائر بكيني أتول عام 1956.
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن ما يميز المقاتلة بي-52 أنها ضخمة الحجم وظلت في الخدمة رغم قرار سحبها من الخدمة اتخذ قبل سنوات إلا أن تصميمها وحجمها يسمحان بنشرها في أي مكان من العالم. ونقل عن أوين كوتي المحاضر في شؤون الأمن بمعهد ماساشوسيتس للعلوم والتكنولوجيا أن محاولات تصنيع طائرة عابرة للقارات فشلت.
وقال «كلما حاولنا تحسين بي-52 واجهنا مشاكل ولا زلنا نحتفظ ببي-52». إلا أن تاريخ المقاتلة ليس كله عن القدرات فهو مضرج بالدم. ففي أعياد الميلاد لعام 1972 قامت المقاتلة بقصف وتدمير أجزاء كبيرة من العاصمة الفيتنامية هانوي- في شمال فيتنام وهو ما أدى إلى سقوط آلاف المدنيين.
ودفع الشجب العام لاستخدام الطائرة في النزاعات البنتاغون لإجراء تغييرات مهمة على طريقة استخدامها. وتمت إضافة معدات ليزر إلى أجنحة المقاتلة كي تسمح بإسقاط القنابل بدقة.
جوع في الفلوجة
وبانتظار ما ستقدمه المقاتلة للحرب ضد تنظيم الدولة في العراق خلفت الحرب وراءها آلافاً من الضحايا والمشردين ودمرت الحملات المتكررة على المناطق التي سيطر عليها التنظيم وأخرج منها مدناً وبلدات وقرى بأكملها كما هو الحال في الرمادي التي دمر القصف الجوي نسبة 80%.
ويدور هذه الأيام حديث عن التحضير لحملة استعادة مدينة الموصل وهي أكبر تجمع سكاني لا يزال تحت حكم تنظيم الدولة. وفي الوقت الذي تواصل فيه القوات العراقية حملاتها ضد مقاتلي التنظيم في الأنبار تعيش مدينة الفلوجة حصاراً مستمراً أجبر السكان على أكل الحشائش والحبوب.
وفي تقرير لمراسل صحيفة «التايمز» توم كوغلين أن عشرات الألوف من المدنيين في المدينة يواجهون خطر التجويع في مشهد يذكر بمعاناة البلدات السورية التي وقعت تحت حصار القوات التابعة لنظام بشار الأسد.
وتقول مصادر من داخل المدينة إن سكانها يعيشون على الحساء المصنوع من الأعشاب والخبز المصنوع من دقيق نوى التمر.
وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» انها تلقت تقريراً من مسؤول عراقي يتحدث عن وفاة 140 رجلاً مسناً وطفلاً وأمراة بسبب نقص المواد الطبية والغذائية.
وتقول مصادر طبية إن الأطفال الجوعى يصلون يومياً إلى المستشفيات. ونظراً لندرة الطعام زادت أسعار المتوفرة منه بأرقام فلكية حيث يتم تبادل 50 كيلوغرام دقيق بسعر 750 دولاراً والسكر بحوالي 500 دولار مقارنة مع 15 دولاراً و 40 دولاراً للدقيق والسكر في بغداد. وجاءت المأساة الجديدة بسبب قطع القوات العراقية المنافذ من وإلى الفلوجة التي تبعد 50 ميلاً عن العاصمة العراقية.
فيما قام المقاتلون التابعون لتنظيم «الدولة» بقتل المدنيين أو من حاول الهروب إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. ولم تستطع منظمات الإغاثة الإنسانية التفاوض مع تنظيم الدولة والسماح بمرور المواد الغذائية إلى العالقين في الحصار.
ووصف موظف إغاثة الطريق إلى الفلوجة بأنه انتحار. ونقل عن جوي ستورك، نائب مدير مكتب الشرق الأوسط في «هيومن رايتس ووتش» قوله «تحاصر القوات العراقية سكان المدينة وهم عالقون تحت حكم تنظيم الدولة ويموتون جوعاً».
وبالإضافة للجوع تفتقر المدينة للإتصالات التي تحدث بشكل متقطع ويقوم التنظيم بعقاب كل من تسول له نفسه بالخروج منها. وكان عدد سكان الفلوجة قبل سيطرة تنظيم «الدولة» عليها عام 2014 حوالي 300.000 نسمة.
وفي نهاية العام الماضي سقطت مدينة الرمادي القريبة بيد القوات العراقية وهو ما أعطى هذه القوات وقوات مكافحة الإرهاب والميليشيات الشيعية الفرصة لقطع آخر ممر تهريب إلى الفلوجة الشهر الماضي.
إعدام فوري
ويشير الكاتب هنا إلى التشابه بين معاناة السكان السوريين الذين عانوا من وطأة حصار القوات التابعة لنظام الأسد ووضع أهل الفلوجة مذكراً بأن مواثيق جنيف تحظر استخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين.
ويقول محام عراقي إن تنظيم «الدولة» أعدم بشكل فوري رجلاً توسل للخروج من المدينة في 22 آذار/مارس.
ونقلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن المحامي قوله «ذهب إلى نقطة التفيش وأخبر مقاتلي تنظيم «الدولة» بأنه لم يعد يتحمل الوضع، فما كان من داعش إلا أن نقله لمركز المدينة وأعدمه». وزعمت مصادر أخرى أن عائلة لاقت المصير نفسه بعدما حاولت الفرار في شباط/فبراير وهو ما أدى لاندلاع ثورة محلية لم تعمر طويلاً وتبادل لإطلاق النار بين عشيرة الضحايا ومقاتلي التنظيم.
واعتقل الجهاديون على إثرها 100 شخص لهم علاقة بالحادث. وقالت ليز غراند من الأمم المتحدة إنه يجري منع من يحاول الخروج. وفي الشهر الماضي فتحت القوات العراقية ثلاثة ممرات لهروب المدنيين ولم يصل أحد لمناطق الحكومة.
وزعمت وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم أن أكثر من 1523 شخصاً ماتوا جراء الحصار. وأخبر مسؤول طبي المنظمة الإنسانية عن جرح 5769 مدنياً ومقاتلاً منذ سيطرة التنظيم على المدينة فيما قتل حوالي 3455 شخصاً معظهم من الأطفال.
ونشرت مواقع التواصل الإجتماعي صوراً لجثة إمرأة رمت نفسها في بحيرة ماء صغيرة لأنها لم تستطع توفير الطعام لأبنائها.
واعترف مسؤولون عراقيون لـ»هيومن رايتس ووتش» وإن تلميحاً بأن الميليشيات الشيعية التي تحاصر المدينة تقوم وبشكل مدروس بتجويع السكان.
الطائفية والاستبداد
وهذا يقود لموضوع يتعلق بالطائفية والإستبداد حيث لاحظت صحيفة «فايننشال تايمز» موجة حنين بين بعض العراقيين للاستبداد في ظل انتشار الطائفية.
ففي تقرير أعدته إريكا سولومون قالت فيه إن ضحايا العنف في العراق مثل أم علاء فالسنوات ليست علامة على مرور الوقت ولكنها حقب زمنية «قبل الطائفية» و»في أيام الطائفية».
فهذه المرأة التي تلبس الملاءة السوداء تتذكر يوماً بالتحديد في عام 2003 عندما غزا الأمريكيون العراق وأطاحوا بالرئيس العراقي صدام حسين وهو العام الأخير الذي كانت فيه عائلته متماسكة.
ففي عام 2004 قتل تنظيم «القاعدة» زوجها وفي الأعوام التي تلت مات أبناؤها في تفجيرات انتحارية نفذها تنظيم «الدولة». وترى أن الوضع لم يتغير وتسأل أحد قادة ميليشيا شيعية جاء كي يقدم لها العزاء «ماذا قدم لنا هؤلاء القادة؟».
مضيفة أنها كانت تستطيع مشاهدة أبنائها قبل ما جرى من احداث. وتضيف سولومون أن هناك شعوراً بالإحباط لدى الشيعة والسنة والأكراد من أن الديمقراطية التي جلبتها الولايات المتحدة عاجزة تماماً، فالعراق الذي يطفو على بحر من النفط يواجه منظور انهيار اقتصادي وذلك بسبب فساد النخبة الحاكمة التي استخدمت نظام الرعاية الطائفية لملء جيوبها بدلاً من تحسين الخدمات العامة والنظام الصحي وتوفير الماء والكهرباء. وهناك من يلمح للعودة إلى أيام صدام إن لم يكن الديكتاتور نفسه.
وحتى في مناطق كردستان التي يتهم النظام السابق باستخدام السلاح الكيميائي ضد سكان بلدة حلبجة يقول البعض إنهم استمعوا لبعض الأصدقاء وهم يعبرون عن حنين للأيام التي سبقت عام 2003.
وتقول سولومون إن التجار في بغداد يعبرون عن تذمرهم من تراجع مواردهم المالية بنسبة 50% وينسبون مشاكلهم إلى نهاية الديكتاتورية في العراق.
ويقول بائع حلوى متذمراً «صدقاً، تعتبر أيام صدام أفضل من الآن، فماذا لدينا الآن؟ لدينا أزمة اقتصادية ولدينا داعش. وعوضاً عن حاكم فاسد واحد لدينا العشرات».
ويقول البائع الذي يعمل في سوق الشورجة الشعبي إن حجم المبيعات تراجع بنسبة 50%. ويضيف آخر «ليس صدام ولكن أعيدوا الملكية لنا». ويقول أحمد علي المحاضر في الجامعة الأمريكية في السليمانية إن هذه المشاعر يجب أن تدق أجراس الخطر لدى القادة العراقيين.
وقال إن الطبقة السياسية لم تعد قادرة على كسب السكان. ويشير رعد منصور الباحث في وقفية كارنيجي أن الظاهرة النوستالجية هذه تعود إلى حزيران/يونيو عندما بدأ الناس يخرجون إلى الشوارع ويطالبون بالتغيير.
ففي تلك الأيام بدأ الناس يشعرون بالحنين لأيام الديكتاتور عبد الكريم قاسم الذي أطاح بالملكية عام 1958 وأطاح به البعث عام 1963.
وقال إن العديد من المتظاهرين كانوا يحاولون البحث عن أسباب الأزمة، فهم لا يريدون عودة البعث ولكنهم رأوا في ذلك الشخص العراق الذي يحنون للعودة إليه. ويرى منصور أن حنين العراقيين للديكتاتور هو إيجابية تخرج من سلبيات كثيرة، فهو تحول من الهوية الطائفية إلى القضايا السياسية.
وبالعودة للمقدادية فأم محمد وأم حوراء هما ضحيتان للعنف الطائفي من الجانب الشيعي. فقد اختفى ابن أخي ام محمد على يد الميليشيات الشيعية. ولهذا تخفي أبناءها داخل البيت خشية تعرضهم لأعمال انتقامية من قبل الميليشيات الشيعية. وما يجمع ضحايا العنف الطائفي من السنة والشيعة هو التعب من الطائفية.
وتقول أم محمد «الأمر لا علاقة له بالسنة والشيعة، بل عن قادة لديهم القدرة على وقف العنف ويسمح للناس التفكير بحياتهم». وتقول أم حوراء «لا أريد أن يموت ابناؤنا الأعزاء شهداء وأن نحصل على المال من اللجان المحلية وأن تقام حملات تأييد لنا عبر التلفزيون، ما أريده هو حل جذري للعراق». وتقول «امتلأت مقابرنا» بالموتى.
إبراهيم درويش