اردوغان و’ثيموس’ أفلاطون!

حجم الخط
0

قبل حوالي ألفين وخمسمئة عام، طرح أفلاطون فكرته حول الروح، فقال ان للروح ثلاث قوى: الرغبة، العقل، والثيموس أو الهمة والشجاعة (تقدير الذات أو عزة النفس)، حسب الكاتب فوكوياما.
ويتركز دور كل من الرغبة والعقل في البناء الإقتصادي، بينما تهتم القوة الثالثة (الثيموس) في التوجه نحو طريقة الحياة (حرية الفرد والعدالة الإجتماعية). لذلك فبناء إقتصاد جيد ونيل التقدير والإحترام سيؤديان إلى إيجاد أرضية لعدالة إجتماعية نسبية، فحسب هيغل ستقود إلى دولة ليبرالية، وحسب ماركس ستؤدي إلى مجتمع شيوعي ينتفي فيه وجود الطبقات، وتنتهي عملية إسغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
هل ما يجري من أحـــــداث في تركــــيا، بداية لصــيف تركي حار، ينهمر عليه شتاء الربيع العربي بحلوه ومره؟ وهل الحراك الشعبي التركي سيهيئ الأرضية لإنقلاب أبيض؟ وهل القوة الأفلاطونية الثالثة هي المحرك الرئيس لهذه الإنتفاضة؟
لقد نهضت تركيا إقتصادياً خلال العقد المنصرم، وإزداد معدل النمو (حوالي 8 ‘) ومعدل دخل الفرد، ولكن التفاوت الإجتماعي بقي متسعاً، فيعتبر الإقتصاديون أن وجود الرساميل الأجنبية الضخمة في تركيا، ورغــــم ثقـــتها بالإقتصاد التركي ـ الموجود في بيئة صفر مشاكل ـ إلا أن هذا يـــبقي الإقتصاد في دائرة الخطر عند حدوث أزمات متنوعة، فتكون تركيا كالباخرة العملاقة التي يجرها خيط الرساميل الأجنبية. أما السياسة التركية الداخلية، ورغم الخطوات التبريدية مع حزب العمال الكردستاني، فلا زال الكثير لإنهاء هذا الملف، علاوة على المشكلة القبرصية المستمرة المجمدة. والسياسة التركية الخارجية تعيش تناقضاً صارخاً: معاداة سورية حالياً (قبل العامين كانت العلاقات مع سورية ممتازة ومبدأ صفر مشاكل مع الجيران)، تواصل ثم قطيعة ثم تواصل مع إسرائيل (قبل حادث إقتحام السفينة التركية مرمرة وبعدها)، إرتباك في التعامل مع الوضع الفلسطيني.
إن الوضع التركي لن يكون خارج هذا الكون، والربيع العربي ماثل أمام أعين الأتراك، وخاصة عندما ينتقد معارضو حزب ‘التنمية والعدالة’ الحاكم، بعض الخطوات الإنفرادية لهذا الحزب وخاصة في التحولات المصيرية، وترافقها مع ‘أسلمة’ الحياة العامة في البلاد. والخشية من تساقط بذور الديكتاتورية على الحالة التركية (حيث ينتقد البعض تفرد اردوغان) .
إن الإنقسام المجتمعي بين التيارات غير الإسلامية والإسلامية، في بلدان الربيع العربي يشكل تحفيزاً كبيراً لخميرة الدولة العلمانية المتأصلة في تركيا، ويضاف إلى هذا الحافز ما تشهده ساحات وميادين وحواري وأزقة وبيوت وفضائيات الربيع العربي من تخبط وتخوين متبادل، بعــــد إستـــئثار التـــيارات الإسلامية بالحكم. ورغم أن الأتراك كانت حياتهم السياسية مستقرة، خلال حكم حزب العدالة والتنمية، إلا أن تراكــــم الإنتقادات على الحزب الحاكم، مترافقة مع الخطوات التدريجية التي يقوم بها الحزب، على طريق إقامة الدولة الإسلامية، ويضاف إلى ذلك إهتمام اردوغان بدولة السلاطين العثمانية، كل هذا ساهم بإشعال الشرارة.
إن المحرك الرئيس لما تشهده تركيا، هو حاجة الفرد التركي لتقدير أكثر لذاته، من خلال توسيع فضاء الحرية الفردية التي إعتاد عليها عشرات السنين، وهذه الحاجة تفوق الحاجة الإقتصادية، التي لم تصل لمرحلة الخطر في فترة قصيرة أججت الشعلة. أما فترة الحكم العسكري، فلا أفق لعودتها، وكل الأمر سيؤدي لإنتخابات مبكرة، يتراجع بنتائجها حزب التنمية والعدالة (بسبب الظروف الداخلية والخارجية الإقليمية الآنفة الذكر)، ويأتي مجلس تشريعي جديد، آخذاً بعين الإعتبار العبرة والموعظة من أحداث المنطقة، ومتوجاً هذا المجلس بإكليل من القرنفل المتعدد الألوان!
عبدالله أبو مازن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية