فيلم «باريسية» ينقل تجارب حرّة لفتاة لبنانية في عاصمة النور

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» من زهرة مرعي: تلقت الفتاة اللبنانية «لينا» بغبطة قرار المحكمة بالحصول على الإقامة الفرنسية، بينما كان صديقها الفرنسي «جوليان» يبحث عن الحرية في الولايات المتحدة الأمريكية. كل يبحث عن حريته بمقاس أكبر ربما مما له في الواقع، أو بنكهة يفتقدها.
«لينا» بطلة فيلم المخرجة اللبنانية دانيال عربيد، في صالات لبنان بدءاً من الخميس، يعرض سيرة ذاتية لفتاة أرادت متابعة دراستها الجامعية في باريس. فتاة تحمل عيناها المفتوحتان على مداهما سؤالاً، استطلاعاً وترقباً، بدأت اختبارات الحياة الصعبة لحظة وصولها. من بيت خالتها حيث كان يفترض أن تكون إقامتها بدأت الحكاية. زوج خالتها أراد استغلالها والتحرش بها جنسياً. فرّت ليلاً خالية من أي سند. وبدأت الاختبارات الشخصية لفتاة لم تغادر المراهقة ولم تدخل عمر الرشد. تشردت لزمن قليل، جاعت وسرقت فطوراً من مقهى، حاولت العمل والدراسة معاً، وتعقدت أمورها. تحولت من دراسة الاقتصاد إلى تاريخ الفنون. وجدت في بيئتها الفرنسية في الجامعة من يمد لها يد العون، ومن يتعامل معها بعنصرية. خاضت تجارب حب مع فرنسيين ثلاثة، من مستويات اجتماعية متنوعة، ومن أصحاب الأفكار المختلفة كذلك. في كل حضورها على مدى 120 دقيقة وهو زمن الفيلم، تمكنت «لينا» من وضع شخصيتها الخاصة في مكان مسوّر، فلم تكن ذلك العربي الذي يتفرجون عليه، مستكشفين. غريبة نعم، لا أوراق إقامة لديها، لكنها تتعامل بندية مع محيطها. لم يكسرها تشردها في البدايات، ولم يكسرها كونها من عائلة مفككة في لبنان.
هذه حكاية بطلة المخرجة دانيال عبيد في شريطها الدرامي الثالث. مشاهد الفيلم في الغالب فرنسية المكان، نطق شخصياتها باللغة الفرنسية. وحضور لبنان كمساحة جغرافية وعائلية وشكل عمراني محدود. صورة الأب اقتصرت على فراش الموت مع غياب للوجه.
حمّلت عربيد شخصيات فيلمها أحمالا طبيعية أو لنقل عادية. تخلّت عن البارافانات تماماً، حيث لم تقف بطلتها متخفية خلف أي منها. عاشت اختباراتها العاطفية والجنسية، إنسانياً، بدون تفلّت، يجعل من الحرية التي استحصلتها لنفسها وجسدها كائناً مستباحاً. بطلة عانت وتشردت ولم تسقط. تمكنت عربيد في بدايات شريطها من تقديم بطلتها في غربة داخلية مقروءة في عينيها. شقت طريقها بالتدريج وسط أتراب يحاولن سبر أغوار شخصيتها.
إلى الجامعة حيث الاستاذة «غابيان» أدت الدور الممثلة دومينيك بلان، تقدم لطلابها محاضرة في تاريخ الفنون المعاصرة غاية في التشويق. تبحث معهم في حوار حيوي للغاية عن معنى القبح. وتفاجئهم بالسؤال: من يعتبر نفسه قبيحاً في هذا الصف؟ معلمة مرحة تأخذ بيد طلابها في رحلة بالدليل العملي على طريق سحق القبح. بالتدريج تتمكن «لينا» من سبك وعيها من خلال المجتمع المحيط بها، من محاضرات أساتذة الجامعة، ونقاشاتها مع الزملاء وعملها. هي في باريس التسعينيات حيث لا قطيعة مع الستينيات. التأثر بثورة 1968 لا زال موجوداً، إنما بنيان اليمين المتطرف بدأ يضع أسساً له. و»لينا» تدور بين أصدقاء، بينهم الشيوعي، النازي ومن هم حتى من أنصار الملكية. في كل هذا الأفق المفتوح صارت لديها قناعات بأن «الحاضر ليس النهاية». لم تكن لها لحظات هباء. علاقاتها وتجاربها كانت تخرجها إلى الحياة أقوى، وتفتح لها مزيداً من الأبواب. فهي من البداية لم تترك للفرنسيين النظر إليها كعنصر يشكل مفاجأة ما بالنسبة لهم، بل هي من ترك علامات السؤال.
في جديدها قدمت دانيال عربيد صوراً ومشاهد مشغولة بجهد، فوصلت مقنعة وقوية. وجاء السيناريو مبنياً بحيوية الشباب الذين حكى عنهم، وحمل شغفهم، وهو ثلاثي التوقيع «دانيال عربيد، جولي بير وبيار شولر». تعاونت عربيد مع الممثلين فانسان لاكوست، بول هافي، داميان شابل وكثيرين غيرهم. أما منال عيسى التي هي مفاجأة الفيلم كونها حملت ثقله كاملاً، علمنا أنها ربما كانت الرقم 601 في عدد الفتيات اللواتي مررن في الكاستينغ. هي ليست بممثلة، بل مهندسة تعمل في تخصصها. قد يكون «باريسية» خطوة على طريق تغيير مسار حياتها فقد وقّعت على فيلم فرنسي. وقد تكون لها أفلام أخرى لكونها أظهرت حرفية، ولاشك أن دانيال عربيد أتقنت إدارتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية