«الموضوع خطير» هذا ما قاله سليم الرياحي لإذاعة محلية سألته مراسلتها عن رأيه فيما صار معروفا بفضيحة «أوراق بنما».
لكن الملياردير الذي سطع نجمه قبل اكثر من عام لما حل حزبه ثالثا في انتخابات البرلمان وصار واحدا من اعمدة الائتلاف الرباعي الحاكم في تونس، وجد الفرصة سانحة حتى يدحض شائعات قديمة ظلت تطارده منذ ظهوره المفاجئ في الساحة السياسية، خلال الشهور الاولى التي تلت هروب الرئيس المخلوع بن علي، ورأى أنه من الأفضل أن يضيف أنه «عانى شخصيا بسبب الأموال والشبهات»، مؤكدا لمراسلة المحطة وللرأي العام المحلي أن اسمه ليس موجودا في الاوراق البنمية، بسبب أن مصادر أمواله «مكشوفة وواضحة»، على حد وصفه.
ومثل كل السياسيين الموالين والمعارضين لم يغفل رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر الدعوة إلى فتح تحقيق و»التعامل بجدية مع الشخصيات التونسية التي وردت اسماؤها في الوثائق، والتي تتعلق بها تهم تهريب أموال مشبوهة» حتى «لا تمر القضية مرور الكرام» كما قال. ومن الواضح أنه لم تكن هناك حاجة أو مبرر حتى يذكر الملياردير الشاب ما الذي قصده بمرور الكرام، أو كيف يمر هؤلاء السادة المحظوظون عادة في تونس وكيف يحصلون على تلك الصفة وذلك الامتياز الحصري الذي يجعلهم قادرين على فعل كل شيء، بدون حسيب ولا رقيب. وما الذي يعملونه حتى تفتح في وجوههم كل الابواب الموصدة والصعبة، فلم يعد هناك ما يحتاج للشرح والفلسفة بعد أن صار الطريق لذلك مكشوفا والسؤال عن مصدر المال وطرق الحصول عليه وأوجه إنفاقه أشبه بالأسئلة الروتينية البسيطة، التي يطرحها الناس على بعضهم بدون أن ينتظروا لها جوابا، لا في الحاضر ولا في المستقبل. ولم يعد صعبا على التونسيين أن يلحظوا بأم العين وبدون الحاجة لأرقام أو احصائيات أن اعداد «الكرام» قد تزايدت بشكل لافت وأن أكبر المستفيدين من الثورة، أو الهبة الشعبية، أو حتى الانقلاب الذي أطاح بابن علي هم المهربون واصحاب الثروات المشبوهة، أو القطط السمان، كما يحلو للبعض تسميتهم، وليس المسحوقين والبسطاء والثوار، الذين خرجوا إلى الشوارع قبل خمسة أعوام هاتفين بشعارات الخبز والكرامة الوطنية.
لقد اعتقد الكثير من السذج والحالمين أن الفساد لا يستطيع العيش والتناسل إلا في حضن الاستبداد، وظنوا أن الانتقال الهش نحو الديمقراطية سيقطع بين يوم وليلة أذرع الاخطبوط المدمر وسيدخل الرعب والفزع في قلوب عصابات كان كل شغلها هو أن تمتص دم الفقراء وتشتري ذمم الناس وتلوث عقولهم وابصارهم. المفارقة هي ليست فقط أن كل ذلك كان أضغاث أحلام، بل أن ما جرى هو أن الديمقراطية فتحت الأبواب على مصراعيها أمام طبقة جديدة من الأفاقين والباحثين عن الثراء السهل والسريع وسهلت حركتهم وجعلتهم بمنآى عن المساءلة والحساب. لم يقوض ظهر الاقتصاد وتتهاوى أرقامه و مؤشراته إلى درجة جعلت السلطات تعترف بشكل رسمي بأن حجم صفقات ومعاملات السوق السوداء غير المشروعة، أو ما يسمى بـ»الاقتصاد الموازي» صار يمثل نصف الاقتصاد الرسمي فحسب، بل أن التجربة التونسية ذاتها وضعت على محك اختبار جدي وصعب حول طبيعة أهدافها وغاياتها، وعما إذا كانت الديمقراطية التي تنشد تحقيقها والوصول لها تصب في صالح الاثرياء القدامى والجدد تماما كما فعل الاستبداد في السابق. ما شوش الصورة وزادها غموضا وضبابية هي أن وعود السياسيين ودعواتهم للناس حتى يصبروا على الحرية وينتظروا سنوات وربما عقودا اخرى حتى تنضج ثمراتها وتتساقط فوق رؤوسهم، قوبلت دوما بحالة من الإحباط واليأس لم يكن صعبا ملاحظتها على وجوه العابرين لبعض الشوارع والاماكن العامة، كلما شاهدوا مظاهر البذخ والثراء الفاحش في دولة يروج إعلامها بشكل مستمر على أنها على أبواب الإفلاس. والغريب أن الحرية التي طالبت وناضلت لاجل نيلها اجيال من الحقوقيين والمنظرين لم تنتج مفكرين وديمقراطيين وكتابا وفنانين، بل كل ما افرزته في سنواتها الاولى هو المزيد من الاباطرة الصغار الذين حولوا البلد إلى ضيعة كبيرة يتقاسمون ريعها بنزق وصفاقة. لم يكن هؤلاء الاباطرة الصغار مجرد افراد منفلتين، بل عصابات وتنظيمات سرية تملك شبكات اتصال وعلاقات عامة في الداخل والخارج ودولا صغيرة لكن شديدة الفتك داخل دولة رسمية مثقلة بقيود بيروقراطية عريقة. لقد امتد نفوذهم إلى كل الاطراف والأركان ولم يسلم من سطوتهم لا إعلام ولا قضاء وتحولت الديمقراطية بوجودهم إلى ظاهرة صوتية يتبارى فيها جمهور هائج بالصراخ والهتاف في واد سحيق بلا قرار، فيما يستمرون هم في النهب وتقاسم الغنائم والثروات. هل صاروا بالفعل أكثر وزنا وقوة من الدولة نفسها؟ أم أن هناك أطرافا داخل السلطة تسهل عملهم وتباركه في السر، رغم كل ما تقوله وتصرح به علنا عن محاربتها للفساد والمفسدين؟
لقد قال سمير العنابي وهو الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لصحيفة «الصباح» المحلية انه وجد امامه سدا، أو ما وصفه بحائط الإدارة العامة واستدرك قائلا، إنه لم تكن هناك قوة كافية في السلطة السياسية للتغلب على تلك الادارة، إلى درجة انه اعتبر أن السلطة السياسية صارت رهينة لها. وهو ما يثبت قوة تلك الشبكات وتمددها الواسع واستحواذها على مفاصل مهمة وحساسة داخل إدارة يفترض أن تنصاع وتطبق السياسات العامة لا أن تعمل في الاتجاه المخالف لها. ولكنها النتيجة الحتمية للارتباط المشبوه بين دوائر المال و مصادر القرار. هل سيخاف هؤلاء الاباطرة اذن من «أوراق بنما» التي قد تكشف بعضا من الثروات التي هربوها خارج البلد؟ الأهم من ذلك هل سيغير ظهور تلك الاوراق شيئا في المشهد السياسي الحالي في تونس؟ هنا يجيب الملياردير الشاب أيضا في تصريح لمحطة اذاعية اخرى بالقول إن» العملية إن ثبتت ـ أي وجود اسماء تونسيين في الاوراق- فلن تؤثر على المشهد السياسي في تونس لانه ليس لكل السياسيين حسابات في بنما». لكن هناك تصريحا اعلاميا لافتا للشيخ راشد الغنوشي يناقض تصريح رجل الاعمال ويؤشر إلى أن هناك احتمالات قوية لحصول تداعيات داخل تونس جراء قضية الاوراق البنمية. فقد أكد الشيخ الذي يملك حزبه ثقلا مهما داخل البرلمان والحكومة أن» نتائج التحقيقات في أوراق بنما ستغير المشهد السياسي في تونس». ولم يوضح إن كان يقصد بكلامه طرفا أو أطرافا بعينها داخل السلطة أو خارجها، يرى أن الوقت قد حان لأخذ مسافة منها؟ أم أنه كان بصدد تهيئة الرأي العام في بلده لمرحلة جديدة قد تتزامن مع مؤتمر حزبه منتصف الشهر المقبل، وهي مرحلة الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي يصفها الكثيرون بالقاسية والأليمة.
لكن وبقطع النظر عن ذلك فلا يبدو أن ثقة الشيخ وحزبه بقرب حصول تغير في المشهد السياسي على ضوء فضيحة الاوراق جاء من فراغ. فما يلام على الإسلاميين الذين صاروا اليوم جزءا من الائتلاف الحاكم هو أنهم حاولوا مواجهة مظاهر الفساد بسياسة الاحتواء، بدلا من المواجهة المباشرة والمفتوحة، وهو ما جعلهم عرضة للانتقادات والاتهامات بالتواطؤ والتستر على المفسدين. والجديد الان هو تواصل تلك السياسات صار يهدد بشكل جدي ومباشر جوهر التجربة التي قرروا خوضها، ويفقدهم رصيدا انتخابيا وشعبيا بالغ الاهمية، خصوصا مع اقتراب المواعيد الانتخابية. لقد صمتوا طويلا على فحيح الافاعي ولم يقتربوا من جحورها حرصا على ألا ينهار السقف ويسقط فوقهم، ولكنهم يعلمون جيدا أن الاستمرار في الصمت لم يعد ممكنا، وأنه ينبغي عليهم في وقت ما أن يأخذوا قرار التحرك قبل فوات الأوان لقطع رؤوسها إن كانوا يطمحون بالفعل لتطوير تجربتهم وترسيخ أقدامهم داخل المشهد السياسي في تونس. يبقى هل أن كل الأوراق بأيديهم حتى يقدموا على ذلك؟ المؤكد انهم يملكون على الأقل جزءا مهما من الأوراق والمؤكد ايضا انهم يعلمون أن شعبهم لن يهتم كثيرا لا لاوراق بنما ولا لغيرها من الاوراق لانه ليس مولعا بقراءة شيء اخر غير اوراق المال والحظ. فهل يقبلون بعد ذلك على مغامرة صعبة قد تهز عرشهم وتزلزل الارض تحت اقدامهم؟ لعل ذلك هو «الموضوع الخطير» في تونس أكثر من كل المواضيع الأخرى التي يجري الترويج لها، بما في ذلك الموضوع الذي قصده الملياردير الشاب في تصريحه الاخير لمراسلة المحطة الاذاعية الخاصة.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية