جلس بجانبي على طاولة الإفطار في العاصمة التركية أنقرة…شاب طويل بملامح حادة جدا وغليظة.
سألني بإنكليزية مدمرة: من أين أنت ؟…قلت له: من الأردن… فسأل مجددا: تقصد من فلسطين ؟..فأجبت: فلسطين والأردن واحد نعم من فلسطين.
طرح علي السؤال الثالث فورا: هل أنت مسلم ؟..عندما هززت رأسي طلب مني ان أردد العبارة التالية «الحمدلله على نعمة الإسلام».
حتى الآن التساؤلات طبيعية والحوار يمكن ان يحصل مع اي زائر ومواطن في اي بلد بالعام.
المفاجأة كانت بالاستنتاج الرابع الذي وصل إليه الشاب التركي عندما علم بأني مسلم وأحمد الله على نعمة الإسلام وبلادي هي الأردن وقريب من فلسطين.
ابتسم الشاب وبدا راضيا وهو يصل للخلاصة وهذه المرة باللغة العربية «..حمدا لله إذا أنت مجاهد».
لم أفهم بطبيعة الحال أي صنف من الجهاد يقصده فالشاب نفسه كان ينظر بحدية لرجلي اعمال أجانب صعدا معنا في المسجد.
ثلاث صفات تجعلني مجاهدا برأي الشاب التركي وهي جذوري الجغرافية وبلدي وموافقتي على عبارة «حمدا لله على نعمة الإسلام».
في الوجدان الشعبي التركي ينطوي الأمر على تكريم من طراز خاص وصاحبنا يريد تصنيفي فورا في مستوى «مجاهد» رغم أني لم أفكر بمسار جهادي في حياتي بالمعنى التقليدي المأثور حتى هذه اللحظة.
هل مفردة «مجاهد» تنزع عني صفات إنسانية ومهنية أخرى ؟..هل الجهاد «مهنة» ام فكرة ام هوية سياسية هذه الأيام ؟..هل ينبغي ان تثير عبارة «أنت مجاهد» حميتي لأندفع في وصلة حماس تجعل الجهاد بأنماطه التي يعرفها الجميع أولويتي المطلقة؟
لماذا كتب على أهالي المنطقة الاسترسال في التحول لحطب يغذي الصراع الديني؟
بأمانة وموضوعية اثار في الفتى التركي هذه التساؤلات خصوصا عندما يتعلق الأمر بانطباعات الآخرين ومقاصدهم من التصنيف اللغوي، وأنا هنا أنقل التساؤلات للأصدقاء والقراء والكتاب لأغراض التحليل.
شخصيا لا تزعجني ولا تقلقني مفردة «مجاهد» إلا إذا كان المقصود فيها اني ذلك الشخص المسلم الذي يندفع لارتكاب جرائم كراهية ضد الآخرين فقط لأنهم يختلفون معي دينيا او عقائديا.. لا تقلقني إلا إذا كان المقصود بها تحويلي إلى مادة مشتعلة تتحكم بها أجهزة استخبارات غربية لاغراض ومصالح سياسية أنا أجهلها.
وطبعا لا تقلقني إلا إذا كان المقصود تحويلي إلى كتلة غبية من اللحم مهيأة للانفجار وسط أبرياء في بلد أجنبي زرته او ولدت فيه أو تحويلي إلى شخص مهووس بالخطاب الطائفي الانقسامي على حساب الانشغال في تحرير فلسطين وبالعلم والتقدم والتنمية.
طبعا أفهم في السياق أن المجاهد هو «إرهابي» بامتياز بتصنيف الكثيرين في العالم بما في ذلك الحكومة التركية.
وأفهم من نفس السياق بان الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين ينبغي ان يحشر 12 مليون فلسطيني في العالم بدائرة «المجاهدين» ومع الأخذ بالاعتبارات الدينية، فلبنان وسوريا والأردن بلاد «الحشد والرباط» وهذا يجعل مواطنيها أصلا من حملة لقب «المجاهد».
شخصيا أفهم الجهاد المسلح ضد الاحتلال الصهيوني..دون ذلك حمل السلاح والجهاد على طريقة الأفغان العرب، لدي شكوك كثيرة فيه من حيث الأصل والمنبع والهدف وبيئة التشكل والتشكيل والاختراق الاستخباراتي. وفقا لمنطق الشاب التركي لا حاجة لنا نحن في جوار فلسطين لأطباء ومهندسين وراقصات وعلماء وطلبة ورجال أعمال..فقط ينبغي ان نتكوم جميعا على شكل كتلة جهادية تتحرك وتنفعل وتشتغل على هذا الأساس فقط.
أكناف بيت المقدس ينبغي ان يتواجد فيها مواطنون منتجون في التعليم والطب والتجارة والتمريض والرعاية السياحية..حتى خلطات الإسفلت والإسمنت تحتاج لخلاطين لا يمكنهم التفرغ للملفات الجهادية المباشرة التي يتحدث عنها ضمنا صديقنا التركي.
الأوطان تتحرر والإنسان ينعتق بالعمل والمعرفة والمهارة والثقافة وليس فقط بالايديولوجيا الدينية التي تحض اصلا عندما يتعلق الأمر بالإسلام تحديدا على كل قيم العمل والتنوع وطلب العلم والجهاد بالصبر والإنتاج على اساس «كل راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
أؤمن تماما بان عدم إنصاف الشعب الفلسطيني، وإسرائيل هما الذريعة الأساسية في تبرير التطرف والتشدد الديني وأؤمن بان العالم لن يهدأ له بال وذهن ما دام يتواطأ مع جرائم إرهاب الكيان الإسرائيلي.
لكن ذلك لا يعني أن الفلسطيني تماما كذلك الطفل السوري ينبغي أن يتحول دوما إلى «مجاهد» ويمكنه كما قالت الملكة رانيا العبدالله ان يصبح طبيبا او مهندسا فضائيا او عازفا موسيقيا.
حتى تحرير فلسطين بالجهاد أو المقاومة يتطلب وجود أطباء وعلماء وفنانات ومدرسات وصحافيين وكتاب على أساس ان كل شخص يقاوم او «يجاهد» بوسيلته حتى يتحرر الشعب وتلحق به الأرض المحتلة.
عمليا تم خطف الدين الإسلامي من قبل جماعات هنا وهناك تنمو كالفطر وتزعم تمثيلنا جميعا نحن المسلمين وهي ترتكب بإسمنا أبشع الجرائم بحقنا قبل الآخرين، وحصل ذلك بطبيعة الحال بإسم كل الأديان، فإسرائيل تعتدي بإسم اليهود وبعض الجيوش الغربية أفسدت بلادنا بإسم الكنيسة والحرب الصليبية.
الاعتماد فقط على الخطاب الديني «الجهادي» في كل الأديان يعني الصدام والدم والقتل والجرائم، خصوصا عندما ترتفع نصوص المواجهة ورفض الآخر والدعوة لإستئصاله على حساب تلك النصوص التي تحرض على التعارف والتعاون بين الشعوب والقبائل.
خلافا لمنطوق تعاليم الدين الإسلامي كما يفهمها مسلم معتز بدينه يتم ضرب العديد من قيم التسامح..أكيد بعض القوى والأجندات النافذة في العالم والإقليم وتحديدا في مجال الاستخبارات تسهر على توفير الذخيرة الحية الصالحة لإدامة الشكل الديني في الصراع وترويج ثقافة الكراهية.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين