خلال السنوات الماضية رافقت الحيرة وعدم الفهم كل متابعي السياسة الخارجيّة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وكان الخبراء السياسيّون يرجعون كل موقف قامت به الولايات المتّحدة، خلال فترة حكم أوباما، لسبب آني مباشر كالقول إنّ عدم التدخّل في سوريا، رغم كل ما حدث فيها من جرائم على يد جيش النظام كان عبارة عن رد فعل على سلوك إدارة الرئيس جورج بوش.
الإدارة التي ورّطت الولايات المتّحدة في حرب طويلة ومكلفة وخاسرة في النهاية، مّا جعل من أتى بعده يقوم بكل ما في وسعه لمنع تورّط الولايات المتحدة في أي حروب جديدة، أو تحليل الرد الأمريكي الناعم على احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وثلث أوكرانيا، بأنّ العقوبات الاقتصاديّة كافية لوضع بوتين عند حدّه، وأنّ الضغط الاقتصادي سيجبر روسيا على الرضوخ والانسحاب من أوكرانيا. وكذلك بالنسبة للسياسة الضعيفة أمام التمدّد الصيني في البحر الجنوبي على حساب حلفاء الولايات المتّحدة، أو التنازلات الكبرى لتمرير الاتّفاق النووي الإيراني وكثير من الأمثلة الأخرى. ولكن في الأيّام الماضية وخلال مقابلة طويلة مع الرئيس الأمريكي تمّ الإعلان عما سموه «عقيدة أوباما»، الّتي تلخّص رؤيته للعالم
الخارجي وقياداته وسياساته. وقد كانت هذه الآراء صادمة لكل حلفاء الولايات المتّحدة الأمريكيّة وقياداتها، الّتي نالت نصيبها من انتقادات وهجوم الرئيس أوباما، بعكس الأنظمة المحظوظة من قبل الرئيس وهي المعادية للولايات المتّحدة الأمريكيّة.
تصادف نشر «عقيدة أوباما» مع موسم الانتخابات الأمريكيّة الّتي كانت مختلفة تماما عن كل ما شاهدته الولايات المتّحدة الأمريكيّة من حملات انتخابيّة خلال تاريخها، وكان من أبرز المرشّحين السيناتور بيرني ساندرز، الّذي يعتبر ممثّلا ليسار الحزب الديمقراطي والليبراليين الأمريكيّين، يتميّز هذا المرشّح بدرجة من المباشرة في طرح بعض الآراء الّتي يختارها، وكان ما يلفت النظر في السياسة الخارجيّة لهذا المرشّح أنّه كان واضحا تماما في رفض التدخّل الأمريكي في كل مشاكل العالم بحجّة التركيز على حل المشاكل الداخليّة، ولكنّه في الوقت نفسه كان يظهر «ولو بشكل متحفّظ لأسباب انتخابيّة» إعجابه بالقادة الخارجيّين المعادين للولايات المتّحدة. مؤشّرات الإعجاب المتبادلة بينه وبين بوتين كانت واضحة، علنيّة من طرف بوتين ومبطّنة من طرف ساندرز لحساسيّة الوضع الانتخابي، مع العلم أنّ ساندرز اختار الاتّحاد السوفييتي ليقضي شهر العسل مع زوجته جين عام 1988، واليوم عند الحديث عن رأيه بعودة العلاقات مع كوبا عبّر ساندرز عن تأييده لهذه الخطوة «المتأخّرة» شارحا لجمهوره أنّ كوبا بلد متطوّر تعليميّا ولديه مدرسة متميّزة بالطب ويصدّر أطبّاء للعالم، وأمثالها من الأكاذيب الّتي كان اليسار يلقّنها لأتباعه في الشبيبة الشيوعيّة في القرن الماضي، عن تطوّر الاتّحاد السوفييتي العظيم وعن كونه جنّة الأطفال والنساء والطبقة العاملة، ولكن في الوقت نفسه كان مواطنو الاتّحاد السوفييتي هم أكثر من يعلم عن السجن الكبير والجحيم والبؤس والفقر الذي يعيشونه، والذي ثاروا بأنفسهم عليه وقاموا بتحطيمه، كما هو حال كوبا اليوم التي يرى السيّد ساندرز أنّ الإعلام الغربي هو الّذي يتجاهل منجزاتها وما تحقّقه لأبنائها، ولا يكلّف نفسه عناء سؤال الكوبيّين أنفسهم عن حقيقة واقعهم.
المرشّح الديمقراطي ساندرز يعبّر عما يجول في عقل كل أمثاله وإنّ ابتسامة وسعادة الرئيس أوباما التي لم تفارقه لحظة واحدة أثناء زيارته لكوبا كانت واضحة ولافتة للنظر، وفي مثال آخر أثناء مقابلة مع أحد هؤلاء السياسيّين اليساريّين أوالليبراليين الأمريكيين الجدد ولدى سؤاله عن سبب عدم وقوف الولايات المتّحدة كما يجب مع الشعب الأوكراني ضد العدوان الروسي كان ردّه: إن مئات الآلاف الّذين نزلوا إلى شوارع كييف ضدّ الرئيس الأوكراني الموالي لموسكو هم جميعا فاشيّون. وهي التهمة نفسها التي يطلقها الإعلام الروسي على الاستقلاليين الأوكرانيّين. وكذلك عند متابعة كل المقالات والتحليلات الّتي تتناول شخصيّة الرئيس
الروسي فلاديمير بوتين عند أمثال هؤلاء اليساريّين نراهم يصوّرونه كزعيم قومي يشعر بالمرارة على المهانة الّتي لحقت بوطنه بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي، وهدف سياساته الدوليّة هو إعادة أمجاد بلاده، مما يدفعنا للتساؤل إن كانت كل هذه الوطنية تتماشى مع ما يقال عن فساد واسع للرئيس وعائلته، وتحطيم مؤسّسات الدولة الروسية وربط مصير كامل البلد بشخص واحد. ينظر هذا اليسار الأمريكي لكل ديكتاتوريّي العالم الثالث بالطريقة نفسها، كقادة وطنيين «ربّما يشوب بعضهم الفساد» بينما تنظر لهم شعوبهم نفسها كلصوص، ولم تكن الشعارات الوطنيّة التي يرفعها هؤلاء الديكتاتوريين أكثر من لزوم الشغل للوصول للسلطة والبقاء فيها ومتابعة النهب. ولا يكتفي هذا «اليسار الأمريكي» بذلك، بل إنّه ينظر إلى كل القادة من حلفاء الولايات المتّحدة باعتبارهم عملاء «للإمبرياليّة» وهذا ما يفسّر الهجوم المتواصل والانتقاد الّذي يوجّه يوميّا عبر كافة وسائل الإعلام الأمريكي لأصدقاء الولايات المتّحدة في العالم، الّذي يتجاهل تماماً أعداءها، فبنظر هؤلاء الذين يقولون «الموت لأمريكا» هم قادة وطنيّون يدافعون عن مصلحة وطنهم. من الأمثلة الحديثة أنّ قناة «الحرّة» الّتي تتبع للحكومة الأمريكيّة كان خبرها الأوّل يوم 31 مارس 2016 عن الارتفاع الحاد في عدد الإعدامات في السعوديّة منذ بداية العام الحالي، كان عدد الإعدامات في السعوديّة قد وصل إلى 82 شخصا، 43 متّهمين بعمليّات إرهابيّة مرتبطة بـ»القاعدة» من السنة و4 متّهمين بأعمال تخريبيّة لها علاقة بإيران «شيعة» والباقين لأسباب جنائيّة. لوذكرت قناة «الحرّة» السعوديّة وإيران في الوقت نفسه لكان من الممكن أن نقول إنّ هدفها يتعلّق بحقوق الإنسان، فعدد الإعدامات في إيران أضعاف العدد في السعوديّة، وتعتبر إيران الدولة الأولى في العالم بعدد الإعدامات نسبة لعدد السكّان، كما أنّها البلد الثاني عالميّا بعدد الإعدامات بعد الصين، كما أن الأغلبيّة المطلقة لأحكام الإعدام في إيران سياسيّة، ويتركّز معظمها على الأقليّات الدينيّة والقوميّة، وبالإضافة لذلك فإيران لا تعلن إلّا نسبة بسيطة من إعداماتها. هذا مجرّد مثال على طريقة تعامل الإعلام الأمريكي مع أحداث العالم، وكذلك يوضّح الخلفيّة الفكريّة لهؤلاء الليبراليين الجدد أو اليساريّين الّذين يمثّلهم بوضوح المرشّح ساندرز، الّذي يساعدنا بإلقاء ضوء على حقيقة «عقيدة أوباما». ولإدراك هذه التيّارات وتلك الشخصيّات وبسبب الحساسيّة الشعبيّة تجاه بعض مواقفهم وآرائهم فإنّهم يتّبعون ما نسمّيه بثقافتنا «بالتقيّة»، حيث لا يكشف الشخص كل آرائه أو حتّى يتظاهر بعكسها، فلدى الحديث عن الموضوع السوري مثلا يقول جميع هؤلاء: نحن لسنا معجبين بالأسد ونعرف أنّه ديكتاتور وقاتل ولكن… ويبدأ كل محلّل منهم بشرح وجهة نظره الّتي تقود في النهاية إلى النتيجة نفسها، وهي السماح لمن يسمّونه الديكتاتور بمتابعة جرائمه، مرّة لأنّهم ليسوا شرطة العالم، ومرّة لأن الأولويّة الآن هي خطر الإرهاب، ومرّة لأنّ هناك أطرافا قويّة دوليّة تدعمه، ولكنّ حقيقة موقفهم هو أنّهم ليسوا ضد الديكتاتور من الأساس. هناك نقطة يجب ألا ننساها وهي انعدام الاعتبارات الأخلاقيّة والإنسانيّة عند هذا اليسار، الذي لا تحرّك مشاعرهم جثث المعتقلين أو النساء والأطفال أو مآسي ومعاناة المحاصرين واللاجئين، مثلهم مثل بقايا هذا الصنف من اليسار في منطقتنا العربيّة، فإن قلت لهم: الأسد قتل مئات الآلاف بالأسلحة الكيماويّة
سيقولون لك نحن ندين هذه الجريمة الكبيرة ضد الإنسانيّة، ولكن ماذا نستطيع أن نفعل فكل الخيارات سيّئة، بينما وجوههم جميعا شمعية لا يوجد فيها أي درجة من التضامن والإنسانيّة، وهم يرددون هذه العبارات، لذا لكي نفهم «عقيدة أوباما» دعونا نسمع ما يقوله المرشح الأمريكي الرئاسي بيرني ساندرز.
٭ كاتب سوري
د. عماد بوظو