هل كانت مدينة الإسكندرية عاصمة الأسرة البطلمية التي حكمت مصر خلال القرون الثلاثة السابقة على الميلاد مدينة – يونانية؟
كانت الفكرة السائدة حتى القرن الثامن عشر تقول إن الحضارة اليونانية اعتمدت في أصلها على الحضارات الشرقية القديمة، إلى أن ظهرت مدرسة جديدة في عصر التنوير الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ذهبت إلى وجود حضارة للأجناس الهند-أوروبية، مستقلة في نشأتها عن حضارة الشرق الأوسط، وهي التي أنتجت الحضارة الهيلينية. واستخدم المفكرون الأوروبيون – خصوصا الألمان منهم – هذا التفسير لدعم رأيهم القائل إن الجنس الشمالي الآري الذي يعتبرونه أكثر تطورا من الناحية البيولوجية، هو الذي أنشأ الحضارة الهيلينية، وأنكروا دور الشرق في هذه الحضارة. ولما كانت الدول الأوروبية بعد عصر الثورة الصناعية تستعد لغزو واستعمار مناطق الحضارات القديمة في الشرق، فقد لاقت هذه الآراء نجاحا كبيرا بين الباحثين الكلاسيكيين، الذين استخدموها لتبرير سيطرتهم على العالم القديم. إلا أن الحضارة التي اعتبرها التنويريون هيلينية لم تخرج من أي بقعة في بلاد اليونان، وإنما جاءت من مدينة الإسكندرية. لذلك قرر رجال التاريخ الكلاسيكي – من دون استناد إلى أي دليل من التاريخ – اعتبار الإسكندرية القديمة مدينة يونانية وليست مصرية.
ورغم كذب هذا الإدعاء، نجد أن القائمين على مشروع مكتبة الإسكندرية الجديدة يتمسكون بمزاعم التنويرين الخاطئة. ولهذا فنحن نجد أن بناء المكتبة الجديدة تم في منطقة السلسلة في الشاطبي، في موقع الموسيون (المتحف) القديم الذي كان بمثابة بيت للطلبة اليونان في الحي الملكي المطل على البحر بالقرب من قصر البطالمة، بينما كانت المكتبة التي حرقها الرومان عام 391 تقع أسفل معبد السرابيوم في حي راخوتس المصري، عند عامود السواري بالقرب من كوم الشقافة الحالي. ومما زاد الطين بلة أن القائمين على مشروع المكتبة قرروا وضع نماذج من الآثار اليونانية إلى جانب تمثال الإسكندر الأكبر عند مدخل المكتبة، لتأكيد الهوية اليونانية للبناء. ويؤكد عادل أبو زهرة، وهو أستاذ العلوم السلوكية في جامعة الإسكندرية، على اعتقاده بالطبيعة اليونانية للمكتبة فيقول: «لم تجد الثقافة اليونانية ملجأ لها خيرا من مصر… وبين فتح الإسكندر لمصر في القرن الرابع قبل الميلاد والفتح العربي الإسلامي في أواسط القرن السابع، ازدهرت في مصر ثقافة إنسانية جديدة… هي الثقافة الهيلينية التي ظلت حية في المدارس والأديرة إلى نهايات العصور الوسطى، وكانت مصدرا من أهم مصادر الفكر الإسلامي».
كان الباحثون القادمون من مناطق مصر المختلفة ومن جميع بلدان العالم، يأتون إلى مكتبة الإسكندرية للاطلاع على المراجع ومناقشة أساتذة المكتبة في موضوعات الدراسة المختلفة، مما جعل المكتبة بمثابة أول نظام للدراسات العليا والتعليم الجامعي في العالم كله. إذ كان الباحثون يلتفون حول الأساتذة – تماما كما حدث بعد ذلك في جامعة الأزهر عند نشأتها – يناقشونهم في موضوع الدراسة، ثم ينفضون عنهم للبحث، كل منهم يحاول إثبات نظريته عن طريق تجميع المعلومات من المخطوطات الموجودة في المكتبة، والاستدلال بها لإثبات قضيته.
وهكذا أصبحت مكتبة الإسكندرية في معبد السرابيوم أول جامعة في العالم، فالفارق بين التعليم المدرسي والدراسة الجامعية هو أن المعلم في المدرسة يقوم بتلقين المعلومات للتلاميذ، الذين يصبح عليهم فهمها وحفظها. أما في الدراسة الجامعية فإن الأستاذ يثير القضية ويستعرض جوانبها، ثم يترك للطلاب أنفسهم مهمة البحث في المراجع لإثباتها أو نفيها، كل حسب إدراكه الشخصي. وهكذا لم تكن هذه المؤسسة بمثابة مكتبة تضم حلقات للدراسة، وإنما هي عبارة عن جامعة تضم مكتبة، ومما لا شك فيه أن مكتبة الإسكندرية خرّجت غالبية علماء العالم الذين عاصروها طوال سبعة قرون، ما بين القرن الثالث السابق للميلاد ونهاية القرن الميلادي الرابع. وأدى حرق الرومان للمكتبة عام 391 إلى ضياع النصوص التي تحتوي على جميع العلوم القديمة، من فلك وطب وهندسة وفيزياء، إلى كيمياء وتاريخ وجغرافيا وأدب. كما أن الكتب التي تم حرقها اشتملت كذلك على خلاصة معارف الحضارات القديمة إلى جانب المعارف المصرية، بما في ذلك العلوم البابلية والفينيقية والفارسية واليونانية. ولهذا اختفت جميع هذه العلوم بعد ذلك منذ القرن الخامس مدة عشرة قرون من الزمان، تمثل العصور الوسطى المظلمة. وهكذا نرى أن أساتذة عصر التنوير هم الذين زعموا أن الإسكندرية لم تكن مصرية بل يونانية، وهم الذين حاولوا لصق تهمة حرق المكتبة بالمسلمين، بينما لم تكن هناك مكتبة في الإسكندرية عند وصول عمرو بن العاص إليها في القرن السابع الميلادي.
رغم أن المكتبة الجديدة تتسع لما يصل إلى 8 ملايين كتاب، فهي لا تضم الآن سوى مئتي ألف مؤلف في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وتخلو من دراسات العلوم الطبيعية والفيزيائية. فبدلا من قيام هيئة من الأكاديميين المصريين بتحديد أهداف المكتبة بناء على احتياجات المجتمع المصري والمجتمع العربي بشكل عام، وتتولى اختيار الكتب والموضوعات التي يجب الحصول عليها، ووضع برنامج للنشاط البحثي الذي تقوم به، ترك الأمر لشخص واحد غير متخصص لا في البحث ولا في المكتبات. فمحسن زهران المهندس المعماري الذي أشرف على بناء المكتبة، هو الذي تولى هذه المهمة بمساعدة خبراء من اليونسكو. وقرر زهران استبعاد المواد العلمية والتكنولوجية، على أن تركز المكتبة عملها على المجموعات المتعلقة بالحضارة المصرية وحضارات الشرق الأوسط والحضارة اليونانية والرومانية، ونشوء القبطية والتراث الإسلامي. ليس هذا فحسب، بل إنه رغبة منه في خفض النفقات، تم تجميع غالبية المؤلفات التي حصلت عليها المكتبة بطريقة عشوائية، على شكل هدايا من مختلف الدول الأجنبية، من دون وحدة لا في اللغة ولا في الموضوع.
هناك هدايا من اليونان وإسبانيا وروسيا وألمانيا وبريطانيا والبلدان الآسيوية والأفريقية والعربية، كل بلغة بلاده، ضمن 200 ألف مجلد موجودة في المكتبة. وبينما شهدت مكتبة الإسكندرية القديمة مولد العلوم الحديثة في الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والطب والفلك والرياضيات، تعود المكتبة الجديدة بلا علم ولا بحث أو دراسة. وفي وقت يقوم فيه الباحثون في أوروبا وأمريكا بتفجير الذرة واستنساخ الإنسان والحيوان والنبات، بينما وصلت المركبات الفضائية إلى كافة أنحاء مجموعتنا الشمسية، وتم الكشف عن خريطة الجينوم البشري وبدأ إنتاج أجهزة للكومبيوتر تقوم ببعض عمليات التفكير، تبدأ مكتبة الإسكندرية نشاطها بعيدا عن مجالات العلوم والتكنولوجيا. وعلقت جريدة «الفينانشيال تايمز» البريطانية في أول أغسطس/آب 1998 على مشروع مكتبة الإسكندرية، بقولها إن رؤية المصريين تبدو غير واضحة بخصوص تراثهم القديم وإن: «ما بدأ على أنه تشوق رومانطيقي لإعادة بناء العظمة القديمة (للحضارة المصرية) واجتذب ميزانية (تبلغ) 167 مليون دولار من الحكومة المصرية واليونسكو ومتبرعين آخرين، يجري استهلاكه (الآن) عن طريق خداع النفس». ربما كانت غيبة الرؤية لدى القائمين على مشروع مكتبة الإسكندرية الجدية هو السبب الرئيسي في عجزها عن القيام بدورها الحضاري، من استعادة الذاكرة الحضارية للمصريين ونشر المعرفة الحرة في بلادنا. ولو كانت المكتبة الجديدة قد قامت بدورها التاريخي لما تمكن الفكر الإرهابي من النمو والترعرع في بلادنا، ولكانت شعلة النور الحضاري قد عادت من جديد إلى عقولنا. ولا أدل على هذه من عجز مفكرينا عن تشخيص ظاهرة الفكر الإرهابي، والاستجابة لنداء الرئيس السيسي في إعادة صياغة الفكر الديني.
ففي مؤتمر عقد في مكتبة الإسكندرية بعد دعوة السيسي – ضم عددا من المفكرين العرب للبحث عن استراتيجية لمواجهة الإرهاب- لم يتحدث المشاركون فيها عن أثر الانهيار الفكري والثقافي في بلادنا في نمو الفكر الإرهابي، بل اعتبروا أن الإرهاب جاء نتيجة طبيعية لما تقوم به أمريكا وحلفائها من حروب في المنطقة، ودعمها إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين. وقال نبيل حلمي: «إن الإرهاب هو الوسيلة الحديثة والجديدة للحرب بين الدول، والهدف الأساسي منه هو إفشال وانهيار وتقسيم الدول العربية، ونشر التطرف والإرهاب أصبح الوسيلة الحديثة التي تستخدمها الدول الكبرى – وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية – في الشرق الأوسط، من أجل تفكيك دولها»، أي أن الإرهاب في رأي مفكرينا سببه الغرب المنفتح، وليس بلادنا التي أغلقت جميع منافذ الفكر الحر. ونحن لدينا قانون غريب – مثل قوانين العصور الوسطى – اسمه «ازدراء الأديان»، ولا يدري أحد ماذا يعني هذا الازدراء، الذي يمكن بمقتضاه سجن أي مفكر يختلف في الرأي مع رجال الدين. وهكذا جاء رد مفكرينا على مطالبة السيسي لهم بـ»تجديد الفكر الديني»، إلى تمسكهم بما نحن فيه، ومطالبة العالم بتصحيح مواقفه.
من المؤكد أننا نحن مسؤولون عن حالة الانهيار الفكري التي نعيشه الآن، لا أمريكا ولا الغرب أو حتى إسرائيل. فالثقافة هي التي تؤكد القاعدة الحضارية للأمة، وتغذي النقاء الروحي وتدعم القيم الإنسانية لدى الأفراد. نحن ننتج الإرهاب في بلادنا، ونصدره ليهدد جميع بلدان العالم المتحضر، ثم نبكي بكاء الضحية التي تعاني من الاضطهاد. فهؤلاء الإرهابيون الذين يقتلون البشر، هم جميعا من أبنائنا الذين تربوا في مجتمعاتنا العربية – حتى لو ولدوا في بلد آخر – وتعلموا في مدارسنا وتلقوا معلوماتهم من إعلامنا، وعرفوا الإسلام من مساجدنا. فإذا كانوا قد توصلوا بعد ذلك إلى أن قتل أنفسهم وتحطيم حضارة الآخرين هو وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن هويتهم، فلا بد أن هناك خطأ ما في فكرنا نحن، وليس في أفكار الضحايا الأجانب.
كاتب مصري
أحمد عثمان