رضوان كاراجيتش ـ نهاية رجل سفاح ودروس للطغاة العرب

حجم الخط
5

■ بالاعتذار أولا من الروائي العظيم المرحوم حنا مينه لتقارب في المبنى وليس في المعنى مع رائعته «نهاية رجل شجاع»، فنحن أمام مشهد نهاية رجل سفاح لم يتوان عن حصد آلاف الأرواح البرئية من مسلمي البوسنة وكرواتها.
ففي الرابع والعشرين من شهر مارس الماضي صدر عن محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة :حكم بالسجن لمدة أربعين سنة على مجرم الحرب رضوان (أو رادوفان) كاراجيتش الصربي المسؤول عن المجازر البشعة التي ارتكبت أثناء الحرب الأهلية في جمهورية البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995.
جاء الحكم على 10 تهم من مجموع 11 تهمة، من بينها جريمة الإبادة البشرية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها ميليشياته خلال الحرب الأهلية. لقد كان لا يتورع أثناء الحرب عن أن يطلق التصريحات الرعناء بعزمه على إبادة جميع مسلمي البوسنة، إذا لم يرضخوا لشروطه ويعلنوا استسلامهم غير المشروط. وكان يستخدم يديه وسبابته وهو يهدد ويتوعد ويرعد ويزبد وكأن بعض الطغاة العرب تعلموا من كاراجيتش وقلدوه في تكتيكاته وحركاته. بعضهم لقي المصير نفسه أو أسوأ، وبعضهم ينتظر، فمصير الطغاة غالبا ما يتشابه كما كانت تتشابه أفعالهم أثناء سنوات الحكم، وتعالوا معي لنحكي حكاية هذا السفاح من أولها.

نهاية الحرب الباردة والحروب الأهلية

بعد نهاية الحرب الباردة بين عامي 1989 و1991 وتفكك الاتحاد السوفييتي تغير الوجه الأكبر للصراعات، فانتقلت الحروب عبر الحدود إلى حروب داخلها. وقد شهد العالم مجموعة من الظواهر التي جاءت نتيجة مباشرة لانتهاء الحرب الأهلية:
– أولها تفكك الدول الكبرى التي كانت مكونة من مجموعات عرقية ودينية غير منسجمة، فما أن ضعفت الدولة المركزية حتى تناثر العقد وانفرطت حباته كل واحدة منها في اتجاه. تفكك الاتحاد السوفييتي وخرجت من عباءته 14 دولة، وانفرط عقد يوغسلافيا إلى ست دول، بالإضافة إلى كوسوفو، وتشيكوسلوفاكيا أصبحت دولتين.
– وثانيها توحد الدول التي كانت منقسمة على نفسها مثل ألمانيا واليمن.
– وثالثها حل مشاكل ونزاعات مستعصية بقيت مفتوحة لسنوات طويلة وتمت لملمتها بعد نهاية الحرب الباردة، مثل نيكاراغوا والسلفادور وناميبيا وكمبوديا وإرتيريا وتيمور الشرقية وليبيريا وسيراليون وغيرها الكثير.
– ورابعها انطلاق الحروب الأهلية بين مكونات البلد الواحد، كما جرى في كرواتيا والبوسنة وبين أرمينيا وأذربيجان حول قطاع ناغورنو كراباخ وبين روسيا والشيشان وداخل جورجيا مع أبخازيا وأوسيتا وفي الصومال وداخل رواندا بين الهوتو والتوتسي وهايتي والصومال وغيرها.
لقد كانت الحرب الأهلية في جمهورية البوسنة والهرسك الأعنف والأكثر دموية والأكثر تعقيدا، بسبب تداخل الفئات الثلاث المكونة لسكان الدولة، حيث يشكل المسلمون نحو 48 في المئة يليهم الصرب بنحو 35 في المئة ثم الكروات بنحو 14 في المئة. أعلن عزت بيغوفيتش استقلال البلاد يوم 7 أبريل 1992 أسوة بما جرى في سلوفينيا وكرواتيا، وقبلت عضويتها في الأمم المتحدة يوم 22 مايو 1992. لكن الصرب بقيادة كاراجيتش ومجموعة من الضبا ط المتعصبين صمموا أن يمنعوا هذا الاستقلال بالقوة، وأن تبقى البوسنة والهرسك تابعة لما تبقى من يوغسلافيا وأعلنوا الحرب الشاملة على المسلمين والكروات، التي استمرت لنهاية عام 1995 حصدت مئات الألوف من الأرواح وارتكب فيها العديد من المجازر وانتهكت أعراض أكثر من 50 ألف امرأة مسلمة، وكان أحد قادة الإجرام فيها رضوان كاراجيتش ومالديتش وراديسلاف كنزيتش، الجنرال الصربي الذي حكمته المحكمة نفسها بالسجن لمدة 64 عاما لدوره في مقتل أكثر من 7 آلاف من مسلمي سربرينتسا.

كاراجيتش وإطلاق حرب الإبادة

انتخب صرب البوسنة كاراجيتش رئيسا للبلاد وقلد المنصب بتاريخ 13 ايار/ مايو 1992. وكان انتخابه بمثابة تفويض لشن حرب إبادة على المسلمين والكروات، ليس من صرب البلاد فحسب، بل من صربيا نفسها وزعيمها الأكثر تعصبا سلوبودان ميلوسوفيتش. لقد كان مسنودا بميلشيات صربية مدربة وأفراد من الجيش المنتمين للعرق الصربي، الذين انشقوا عن الجيش الوطني، وكذلك مسنودا باحتياط إستراتيجي كبير يتمثل في نظام ما تبقى من يوغسلافيا السابقة والمقصور على جمهوريتين صربيا الجبل الأسود التي استقلت لاحقا بطريقة سلمية يوم 3 يونيو 2006. وينص دستور جمهورية الصرب البوسنية على أن يكون الرئيس، أي كاراجيتش، القائد الأعلى للجيش ويملك صلاحيات غير محدودة في زمن الحرب.
قرر كاراجيتش ورئيس أركانه ملاديتش والقائد الميداني كينزيتش أن يمنعوا استقلال البلاد بالقوة حتى لو كلفهم ذلك إبادة المسلمين جميعا. وقد عرض في محاكمته عددا من التسجيلات التي نطق بها ومنها: «سوف تتحول سراييفو إلى مرجل أسود يموت فيه كل المسلمين». وتسجيل آخر: «سوف يختفون عن وجه هذه الأرض». وفي مرة أخرى وأمام عدسات التلفزيون قال، إما أن يقبل المسلمون بشروطي بدون قيد أو سيواجهون حرب التصفية النهائية. وقال في مناسبة أخرى «لتمارس أوروبا الرذيلة (كلمة مخففة من الأصل) مع نفسها وتعود إلينا بعد أن نكون قد أنهينا المهمة (إبادة المسلمين)».
لقد كان بالفعل ينوي إبادة جميع المسلمين والكروات من البوسنة. فأطلق المليشيات المعبأة تماما على طريقة من دخلوا مخيمي صابرا وشاتيلا أو دير ياسين أو مجزرة الحولة قرب حمص وبروانة في محافظة ديالى. وقد حمل شخصيا مسؤولية مقتل 7500 مسلم داخل سراييفو أثناء حصارها، كما حمل مسؤولية مذبحة سربرنيتسا في يوليوعام 1995 حيث قال في توجيهاته «إخلقوا جوا من انعدام الأمن بحيث لا يبقى أمل لأحد أن ينجو». بكلمات أخرى «أقتلوا كل إنسان». وقد أدين بخمس حالات مصنفة «جرائم ضد الإنسانية»، وثلاث حالات مصنفة «انتهاكا لقوانين الحرب»، وحالة واحدة مصنفة انتهاكا فظيعا لاتفاقية جنيف الرابعة تحت بند القتل العمد، وحالة واحدة بتهمة «ترحيل المدنيين من أماكن سكناهم بسبب انتمائهم الديني». وهذه الجرائم في أي بلد في العالم يمارس حكم الإعدام تقود إلى المقصلة. لكن من الأفضل أن يقضي بقية أيامه في زنزانة طولها خمسة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار.

الاعتقال والمحاكمة

اختبأ كاراجيتش كالفأر المذعور وغير اسمه وشكله وأصبح اسمه دراغان ديفد دابيتش ويحمل بطاقة مزورة بهذا الاسم، ويقدم خدمات طبية فيما يسمى «الطب البديل» تحت اسم شركة وهمية اسمها «هيومان كوانتم إنيرجي» مدعيا أنه طبيب نفسي متخصص في الأمراض العصبية، وأطلق لحيته وأطال شعره الأبيض وأبقى نظارات طبية على عينيه وبقي يغير أماكن سكنه مطمئنا ألا يتعرف عليه أحد، بل أصبح يتردد على المقاهي والبارات ويزور مقهاه المفضل في بلغراد «كفانا» ذات الأصول العثمانية، التي تقدم القهوة ممزوجة بالكحول مع بعض الحلويات على أنغام الموسيقى. وفي أحد تلك المقاهي كان صاحب المقهى يعتز بصربيته، حيث علق على الجدار صورة لكاراجيتش وملاديتش مجرم الحرب الأشرس. وعند ارتفاع صوت الموسيقى وبعد أن يبدأ مفعول الكحول كان يقفز إلى الساحة لممارسة رقصته الشعبية المفضلة المسماة «كولو».
وتمادى أكثر عندما نشر مجموعة مقالات عن الطب البديل تحت توقيع دابيتش في مجلة «الحياة الصحية»، حيث التقى به محرر المجلة وأعجب بثقافته ولغته الصربية الخالية من أي لكنة بوسنية، ثم انتقل إلى فيينا وعاش فيها فترة تحت اسم كرواتي «بيتر غلوماتش»، ادعى أنه موزع أعشاب طبية. وقد تعرض له البوليس في مايو 2007 أثناء غارة حول جريمة قتل، لكنه فشل في التعرف عليه بعد الاطلاع على جواز سفره الكرواتي. ووصل به الأمر أن زار البندقية بجواز سفره الكرواتي وحضر مباريات كرة القدم.
وأخيرا وقع في الشرك، حيث أعلن رئيس صربيا بوريس تاديتش يوم 21 يوليو 2008 أن قوات الأمن اعتقلت رضوان كاراجيتش بدون تقديم تفاصيل عن كيفية الاكتشاف. وقيل إن صديقه ملاديتش القابع في السجن قدم معلومة ساهمت في اعتقاله بدون التأكد من هذا الخبر. تم تحويله إلى لاهاي لتقديمه للمحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة، والتي وضعته في زنزانة سلوبودان ميلوسوفيتش نفسها، آخر رؤساء يوغسلافيا الموحدة الذي وجد ميتا في زنزانته يوم 11 مارس 2006.
وعلى طريقة زعيمه ميلوسوفيتش رفض كاراجيتش أن يمثله أي محامٍ مصرا على أن يدافع عن نفسه بنفسه. لقد أنكر كافة التهم الموجهة إليه وعددها 11 تهمة مدعيا أن الميليشيات التي ارتكبت هذه المجازر تصرفت بدون أوامر منه، وهي حجة مرفوضة في القانون الدولي. رفض أن يعتذر عما فعل واعتبر ذلك مؤامرة دولية عليه وعلى يوغسلافيا، واعتبر أن المحكمة هي أحد أذرع الناتو، وقد نصحه أحد قضاة المحكمة بتعيين محام لعله يأخذ حكما مخففا، لكنه رفض ذلك حتى سمع الحكم بأذنيه.

دروس للطغاة العرب وغيرهم

يكاد ينتهي حكم الطغاة من جميع أنحاء العالم، إلا من منطقتنا العربية. أنظر أين كان مصير طغاة أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية. من ساموزا إلى الفونسين ومن شاوشسكو إلى هونيكر ومن موبوتو إلى شارلز تايلور ومن القذافي إلى علي عبد الله صالح ومن عيدي أمين إلى بول بوت في كمبوديا. كلهم إلى مزابل التاريخ الأحياء منهم والأموات. لكن منطقتنا العربية هي الاستثناء فما زال بعض الطغاة يوغلون في دماء شعوبهم بل ويفرطون في سيادة بلادهم ويعززون الطائفية ضد المواطنة المتساوية ويتحالفون مع أعداء الأمس ضد إخوتهم في العروبة أو الإسلام أو الاثنين معا. لعل أحدا منهم يعتبر بمصير كاراجيتش. والكيّس من يتعلم من أخطائه هو، والأكثر كياسة من يتعلم من أخطاء غيره قبل أن يندم ويتذكر قول المهلهل بن مالك «ندم البغاة ولات ساعة مندم».

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز

د. عبد الحميد صيام٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية