شبهات كثيرة تثار حول علاقة بعض رجالات السياسة بأموال المخدرات، وتزداد هذه الشبهات حينما يصر اتجاه حزبي معين على إثارة إشكالية التطبيع مع زراعة نبتة القنب الهندي التي تعتبر النبتة الأصلية لصناعة المخدرات..
منذ مدة تواترت المحاولات الخفية والمعلنة الرامية إلى تحصين تجار المخدرات من المتابعة القضائية، وصلت إلى درجة ادعاء إمكانية توفير الحماية لهم بل والتهديد بإعلان التمرد على مؤسسات الدولة..هذه المرة، كشف مشروع التحكم في المغرب عن أدوات جديدة للاحتيال على المواطنين من جهة وللنصب على الدولة من جهة أخرى، وذلك عبر المطالبة الصريحة برفع التجريم عن زراعة الكيف وتسويق منتجاته واستهلاك مخدراته، بذريعة أن من شأن هذا التقنين رد الاعتبار لمناطق «الريف وجبالة» بشمال المغرب التي عانت تهميشا اقتصاديا واجتماعيا، وجبر ضرر ساكنتها التي عانت في الماضي من الاضطهاد والإقصاء..
وقد بلغ هذا الاحتيال ذروته بادعاء إمكانية تثمين منتجات الكيف في المجالات الطبية والصحية والمعمارية والصناعية!!
نعم، ينبغي القول بأنه من الناحية النظرية يمكن استعمال نبتة الكيف لصناعة بعض الأدوية وكذا بعض المنتوجات الصناعية، لكن استراتيجية النصب والاحتيال تقفز على توفير الجواب المقنع عن كلفة الاستثمار في هذا المجال بالمقارنة مع توفر هذه المنتوجات بأسعار ضئيلة دون حاجة للمرور عبر نبتة الكيف، وهو ما يفسر انعدام أي طلب للاستثمار في المنطقة..
إن المطالبة بشرعنة الزراعة والحيازة والاستهلاك لنبتة «الكيف» تصب في النهاية لمصلحة التجارة، والتجارة المقصودة هي تجارة تحويل نبتة «الكيف» لصناعة المخدرات، والمستفيد الأول هم تجار المخدرات، ومن يستفيد من أموالهم من السياسيين الفاسدين..
وهنا مربط الفرس، ضرورة توضيح العلاقات المشبوهة بين المخدرات والسياسة، وضرورة الانتباه إلى مخاطر تسرب أموال المخدرات للمجال السياسي… ينبغي الإقرار بأن المتابعات القضائية التي تستهدف الزراع الصغار خلقت مناخا مناسبا لبعض الممارسات الابتزازية، التي جعلت هؤلاء البسطاء يسقطون ضحايا للنصب والاحتيال أمام تجار بيع الوهم والاستغلال الذين يوهمون الساكنة بإمكانية تحويل وضعيتهم من مطاردين بمتابعات قضائية إلى مزارعين أحرار!!
إن المطالبة بنزع الطابع الجرمي عن استهلاك المخدرات بزعم محدودية المقاربة الزجرية، لا يمكن أن يساهم إلا في المزيد من انتشار المخدرات وتدمير الرأسمال البشري للمغرب وهو ما لا تخفى انعكاساته الاجتماعية والتربوية على أحد.
ينبغي الانتباه إلى التحول الذي حصل في خطاب الأحزاب السياسية، فأن يقف مسؤول سياسي لإقناع المواطنين بمشروعه السياسي وببرنامجه الانتخابي، فهذا من صميم وظيفة الأحزاب السياسية، لكن أن ينحصر خطاب حزب تُلاحقه نشأته غير الطبيعية، وقربه من دوائر نافذة داخل السلطة لينظم الأيام الدراسية حول «تقنين زراعة واستهلاك القنب الهندي» ويضع مقترحات قوانين لإقرار العفو العام في حق المتابعين بتهم ذات علاقة بنبتة الكيف، بل وأن ينتقل إلى التحريض المباشر لساكنة المنطقة على زراعة الكيف، وما يستتبع ذلك من تشجيع على تجارة المخدرات كنتيجة طبيعية للتأصيل السياسي لزراعة المادة الأولية لها، بدعوى الانتقام من الدولة والحكومة لأنها حرمت سكان الريف وجبالة من الشغل والطرقات والمتاجر الفاخرة على غرار ما هو موجود في العاصمة الرباط، وعدم تحملها لمسؤوليتها في بناء الطرق والمدارس والمستشفيات والبنيات التحتية كما في المدن الكبرى..!! فهذا ما يمكن اعتباره تحريضا مباشرا للتمرد على الدولة وتهديد العيش المشترك للمغاربة، ولِمَ لا يمكن اعتباره مقدمة لمطالب انفصالية في شمال المغرب، وذلك عبر تقوية بذور ثقافة حاقدة تجاه المدن وتجاه سكان الداخل..
الرسالة الأساسية التي يريد القائمون على هذا المشروع المدمر هو أنهم مستعدون لتوفير الحماية لتجار المخدرات وتحصينهم من المتابعات القضائية، شريطة تحالفهم معهم في الانتخابات المقبلة ودعمهم لحزبهم بالمال والرجال، وتذكير تجار المخدرات بقدرة هذا الحزب على معاقبة كل من يرفض الانصياع منهم والدخول إلى بيت الطاعة والأمثلة شاهدة على التنكيل ببعض «المتنطعين» منهم.
الجميع مطالب بتحمل مسؤولياته ووقف سياسة التحكم التي تلعب اليوم بورقة المخدرات التي لا تخفى انعكاساتها السلبية على جوهر التنمية، وهو الإنسان..
فلننتبه.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين