في الشعريات المتألقة، تصبح لغة الأنا النصي وبشكل تلقائي، قابلة للتخلي عن صلفها ونرجسيتها، كي تجاهر باستعدادها الفعلي، للتواصل مع لغات الأنا الكاتب، وهو ما ساهم في تحقق تلك المصالحة الاستثنائية، بين قطبين غالبا ما يُراد لهما أن يكونا متباعدين، ومتنابذين.
تحقيق هذه المصالحة، هو مصدر ثراء القول الشعري، باعتبار أنها حالة من المصاهرة الممكنة، التي تتمكن الكتابة بموجبها، من مضاعفة مساحات فضاءاتها، مفسحة بذلك، المجال للحديث عن الاجتراح المشترك، بما هو فعل تنقيب وبناء، يتبلور عبر ذلك التناوب المتزن والمتوازن في تنشيط لعبة الإضاءة. إنه الانتساب التزاوجي، إلى أرض التساؤلاتِ، ذات الهوية المزدوجة والمتفاعلة، حيث تتحقق جمالية تبادل الإنصات، والبوح، فضلا عن تبادل متعة وخطورة إضرام نار السؤال.
في قلب هذا التصالح/المصاهرة، يتم أيضا الترسيم المتبادل للحدود الخاصة بكل من الطرفين، في إنطاقهما للفراغ، من حيث هو كتابة مؤجلة، ومهيأة للإعلان عن تمرئيها فور اكتمال شروط إطلاق شرارات التطريس، من قلب هذه الجهة أو تلك، حيث ليس للغة الأنا النصي أن تستسلم لغوايتها الذاتية، فتهيمن على فضاء القول، كما ليس للغة أنا الكاتب/ الشاعر أن تستأثر بأنحائه. إن هذه العلاقة ذات البعد الجدلي، تؤثر في تطوير شرط قراءة الكثير من النصوص التأسيسية لتجربة الحداثة، على ضوء ما يكتنفها من تفاعل، من أجل وضعها في إطارها السليم والموضوعي. وهو ما يحتاج إلى مقاربات، متمكنة من آليات الحفر، وعلى درجة عالية من دربة التواصل الدلالي والجمالي.
إن سلطة المغايرة الجمالية الحاضرة في نصوص الحداثة، وبالنظر إلى تجاوزها لرؤية النصوص الكلاسيكية، كانت من بين أهم مبررات البحث عن قوانين جديدة وجذرية، لتفعيل هذه الجمالية، حيث ستكون الضحية الأولى والأخيرة في هذا المنحى، أي الخاصية التي ترسخ الاقتناع بوجوب التخلص منها، وإلى الأبد، هي لغة الأنا الكاتب، لأنها، ومن منطلق ما تتمتع به من هيبةٍ وتسلطٍ على لغة الكتابة، ولأزمنة طويلة، تحولت إلى قوة متحكمة، تمارس هيمنتها على كل مستويات القول، لتحرمه في نهاية المطاف، من أي إمكانية للاستقلال بفضاءاته الدلالية والتعبيرية. وهو الموقف الذي أدى إلى التفكيك التام والنهائي لسلطاتها، سواء من حيث هي لغة «أنا» ذي خاصية فيزيولوجي، أو من حيث هي لغة محايثة لهذا الأنا، كما أدى في الوقت نفسه، إلى الانتقال بتسلط الأنا الخارج نصي، الذي يتجسد عادة في مواقف، ومسلكيات هيمنية، إلى فاشستيةٍ ذاتِ طبيعةٍ لغويةٍ صرفة.
وهو الانتقال ذاته، الذي مكَّن الأنا النصي، من استعادة حريته الكاملة، كي يمارس بدوره حضوره الفاشيستي المضاد للغة أنا الكاتب، منتزعا بذلك حقه التام والمطلق، في ممارسته لسلطة القول والتفكير، دونما حاجة لأي سند خارجي، منتميا كان إلى أنا الكاتب، أو إلى محيطه. والملاحظ أن تأويل جمالية النصوص الكبيرة، من قبل نسبة عالية من المقاربات المتعاطفة معها، يتم عبر التأكيد على توظيفها لميكانيزمات هذه الفاشستية الجمالية، كما لو أن منهجية التفسير، المعتمدة، في مقاربة مكتوبها، تتحقق عبر حتمية وضع حد لتبعية الأنا النصي لأنا الكاتب، حيث يمكن القول، وبغير قليل من التمحل، إن هاجس استحضار المكون الجمالي للنصوص، لم يكن هو الهدف المركزي، بقدر ما كان أداة للبحث عن تبرير موضوعي، لتنحية أنا الكاتب من الصورة، علما بأن المغالاة في تحييده، هو الذي ضاعف من سلطات الأنا النصي. وعلى الرغم من إقرارنا الضمني بسحرية ما يمتلكه هذه الأخير، من فاعلية جمالية، ومن قابلية على مباغتتنا بفتوحاته اللامتوقعة، إلا أننا ومع ذلك، لا يمكن أن نستهتر بالإمكانيات الفكرية والتعبيرية، التي يمكن أن تساهم بها الأنا الخارج نصي، في تنظيم هذه العلاقات، القائمة بين الوحدات اللغوية ودلالاتها، ولو على مستوى الحد الأدنى من حضوره، في قلب ما يحدثه نسيج النص من تشعيبات، وتفريعات.
بمعنى أنه وفي حالة التزامه بالحد الأقصى من الحياد الفكري والتأملي، أي في حالة انسحابه الضمني من المشهد، فإن ذلك سيكون سببا وجيها في الإخلال بحركية تقاطع رموز الكتابة مع دلالاته، مادامت بنياتها اللغوية والدلالية – ومهما تكاملت جاهزيتها التحبيرية- تظل دائما، في حاجة إلى حضور أنا الكاتب، الذي تؤول إليه، مهمة تحيين، وتوجيه مسارات الخطاب، كي يظل الأنا النصي تبعا لذلك، محروسا رمزيا بظل أنا الكاتب، الشيء الذي يضعنا مباشرة، في قلب ذلك الإشكال المركزي، المتعلق بجمالية توليد وتنسيل الدلالات النصية، التي لا تتحقق إلا من خلال ذلك الحوار المزدوج والمضاعف، الموسوم بقلقه وبتوتره، لأنه حوار يتمحور حول الإشكاليات الوجودية، الفكرية والإنسانية، التي تتحكم في توجيه مسارات الكينونة، من خلال تمظهره في أسلوب الحجاج، البرهنة، والاستدلال. علما بأنه لا يأخذ مسارا خطيا، أو أفقيا، باعتبار أن جوهر حركيته، يتمثل في تلك الاهتزازات والتأرجحات المتقاطعة والمتداخلة، المنعكسة على شاشة التلقي، والناتجة عن تفاعل مجموع الانحباكات القائمة بين مختلف البنيات، المحكومة هي أيضا بقوة تضاداتها وتناقضاتها، بما هي إثبات ونفي، ظن وتخمين، وحدس باحتمالات ما. وكما هو ملاحظ، فإن
هذه الانحباكات الموحية بحضور تفكك دلالي، يحيل إلى صياغة هذيانية المنزع، هي التي تنقلنا من الحد الملتبس، لجمالية هذا الهذيان، والمنبثق حتما، عن إسراف اللغة في استقلاليتها بذاتها، إلى شعرية هذيان موجه بضوئه الداخلي، الذي تتشابك فيه نداءات أنا الكاتب، مع نداءات الأنا النصي، حيث يفضي الهذيان الخالص في الحالة الأولى، إلى إنتاج متعة تخديرية، تسري في أوصال الحروف، وهو أمر يتحقق عبر البعد الخطي للكتابة، التي غالبا ما تخلو في هذا السياق، من أي حضور لحدة التوترات والارتجاجات الدلالية، مقتصرة في حركيتها، على طول النفس الامتدادي، الناتج عن توظيف الجمل ذات الوحدة الإيقاعية المتتالية، وأيضا عن زخم البنيات التعبيرية، التي تُحكم التفافها على القراءة، مبتلعة تلك المسافة الفاصلة عادة بين الكتابة والتلقي، التي يعود لها فضل التخفيف النسبي أو الكلي، من سلطة ذات الكتابة، ومن استحواذها التام والمطلق على ذات القراءة.
هذه الوضعية اللاشعرية من حيث العمق، هي التي يحرص المجرى الهذياني الموجه على تجاوزها، من خلال إنضاجه لحالة التفاعل الجدلي، القائم بين ما ينكتب، وبين ظل ما ينحدر عنه فعل الانكتاب، طبعا، على أرضية تشذير الرحابة السائبة والمترهلة، وتضييق مساحة الرسم، كي لا يتسع بالكاد، سوى لذلك التقطير الدلالي الذي ينجح مع ذلك، في طمأنة الأنا القارئ، في أفق تملك قابليته للإنصات، حيث يمكن القول، إن الخطاب المتضمن لشعرية الهذيان الموجه، لا ينتظر وقوف القراءة على عتباته، لأنه هو الذي يتقدم باتجاهها، مثقلا بهبات الغواية والمفاكهة، علما بأن القراءة حينما تكون مكرهة على الذهاب إلى الكتابة، تكون مؤرقة باحتمالات ما سيحدث، ومؤرقة بتعدد أسئلتها، وبشهوتها في الكشف والمعاينة. وهي الشهوة ذاتها التي يمكن أن تتحول في أي لحظة، إلى حالة مزمنة من القرف والسأم، المفضيين إلى حالة مملة من التثاؤب. إلا أن الأمر يختلف كلية بالنسبة للهذيان الموجه، الذي يقتحم على التلقي خلوته، وهو في الدرجة الصفر من جماليته، التي لا تتجاوز عادة حدود التلقي المعتاد في تواصلاته اليومية. الشيء الذي يسمح له بالانفتاح التلقائي على لغة الكتابة، بعيدا عن ذلك التحفظ الموغل في تساؤلات، قد تؤثر سلبا على تفاعلهما المنتظر، حيث لن يكون التلقي في هذا السياق، مرغما على تغيير آلياته البسيطة والعفوية، في اجتراح المكتوب، التي يساهم توظيفها، في تسريع عملية التواصل، كما هو الشأن بالنسبة للتلقي الشفوي، أو العادي، كي يخلق حالة من الألفة بينه وبين الكتابة، كما يلغي كل الحواجز المعرفية التي يحدث أن تفصل بين الكتابة والقراءة. إن الكتابة بهذا المعنى، وقد تحررت من استقلاليتها المطلقة، توحي جماليا بانفلاتها من سلطة الكتابة المغلقة على ذاتها، وبقابلية انصهارها في بوتقة القول المقبل من جهة أنا الكاتب، والمؤهل لاستمالة كلٍّ من المقيم في السهل، أو على قمة الجبل. والأمر هنا، لا يتعلق باستراتيجية استقطابية، بقدر ما يتعلق باختيار جمالي وأسلوبي، ينهض من عمق تلك العلاقة الجدلية، القائمة بين الأنا الخارج نصي الحاضر في النص، والناطق بأسمائه، وبين الأنا النصي.
إنها جدلية البحث عن مشترك جمالي، لا علاقة له بمعادلة الغموض والوضوح، بقدر ما له صلة بمنطق اشتغال الأشياء، التي تتشكل فيها وبها، كينونة الكائن، عبر تبادلهما للقول، للسؤال، وللإنصات. إن دينامية هذا التبادل الحي، هي التي تؤثر في إشراقة ذلك الضوء، الذي يحدث أن يعمي البصيرة، فيصدها عن تفقد الطريق إلى مضارب الدلالة، كما يمكن أيضا، أن يضيء الطريق أمامها، كي تفرح بالرؤية والرؤيا.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني