برلين- من إدريس الجاي: في إطار المهرجان الدولي «للدراما الحديثة»، الذي ينظمه مسرح «شاو بينو» من 7 إلى 17 من الشهر الحالي في مدينة برلين، قدمت ورشة العمل من حيفا ولأول مرة أمام الجمهور، عرضين لمسرحيتها «من مروا».
وهي من تأليف كل من الممثل الفلسطيني خليفة ناطور ومخرجة العمل الإسرائيلية أوفبرا هينك.
فقد اعتمدت المسرحية في بنائها الدرامي على سرد يستقي مادته الحكائية من يوميات الطفل خليفة وتجربته الذاتية أثناء إحدى رحلاته إلى اليونان. إنها حكاية الرحيل، الهجرة واللجوء القسري، المخضب بالخوف والرجاء والفرح النسبي في الوقت نفسه.
الخوف من المجهول مما تخبئه الأيام، من المنتظر غير المعلوم، الخوف من العالم والإنسان الآخر، الخارج عن دائرة التصور، من العالم، الذي لا علم لهذا اللاجئ عنه غير أسماء وعلامات وماركات لا تعني الكثير وعلى الأبعد إشارات إلى مواطن كأنها طالعة من عوالم الخرافات.
وعن الفرح المنوط بالرجاء في إيجاد مستقر ما، بقعة ضوء، تمنحه الشعور بالاستقرار، بالأمان، بالخروج من دوائر الشتات والضياع في أرض لا أحد.
ينفرج الضياء في المسرحية عن مساحات ضوئية، خالية، صماء من كل الديكورات إلا من كرسي عادي جدا يجلس عليه الممثل الوحيد في هذا العمل، الذي يستهل حواراته من نهاية المسرحية، وصول اللاجئين إلى ألمانيا أو إلى أي بلد آخر، حيث يكون عليهم تعلم لغة البلد المضيف بدلالاتها الغريبة النكهة لديهم والإيقاع غير المعهود عندهم.
فاللغة تصبح هنا هوية، أداة ترسم الفواصل، الفروقات، التحولات ردود الفعل بين الأمس واليوم.
إنها الحاضر، الذي يحول اللحظة الآنية أحيانا إلى إشارات، إيماءات وأخرى إلى عبارة وكلمات، يجعل منها الممثل من خلال التعبير الجسدي جسرا يصل بين الجمهور وأحاسيس اللاجئ.
كلمات ألمانية مقتضبة تلخص الحاجات الضرورية في مسار الحياة اليومية، أكل، شرب، الذهاب إلى الحمام، كم الساعة. . الخ.
فمن هنا يتحول هذا الكائن إلى شخصية يشبه البقرة النمساوية وهي تتعلم لغة الحروف والانضباط.
حتى إن كانت هذه البقرة مكتفية بذاتها، تأكل، تشرب، «تبلطع»، تتصرف على هواها، تبول كالشلال، إلا أن مشكلتها الوحيدة هي النحل، الذي يدخل عينيها «عين البقرة».
فالنحل يعود بنا إلى الماضي، إلى الحنين البلدي، إلى القرية، إلى طريق النحل وإلى العمة فضة، التي كانت تربي النحل وتعلم ناس القرية كيف يبنون بيوت النحل من خليط الطين والقش، كما كانوا يبنون حيطانهم.
الحنين إلى عسل العمة فضة، حكايات ساذجة، سهلة العبارة لكنها مغرقة في عمق الأيام، حين كان خليفة الطفل يمسك النحلة ثم يضعها على زنده لتلسعه وحين ينتفخ زنده يعرضه على أقرانه متباهيا بعضلات زنده القوية.
في ذلك الرحيل بالذاكرة عبر محطات وجسور الهجرة ، تلاقينا مساحات تنقلنا من القرية إلى العبارة، التي تحمل مئات اللاجئين وبينها هذا المثقف التراجيدي، الذي يلاقينا حلمه بالسفر إلى اليونان، ببحر اليونان وبجزره الخالدات عبر الفلاسفة والحكماء والدراما والشعراء الأغريقيين القدامى، سوفوكلس وجزيرة لسبوس، التي عاشت فيها الشاعرة صافو، التي كتبت أشعارا عن حبها للنساء. يلاقينا بمقاطع درامية لهذه الشاعرة أو أخرى من أوديب في لغتهما الأم.
كما لا تغيب الميثولوجية اليونانية حتى في الحديث عن عمل النحل المتواصل الدؤوب، الذي يشبه في تواتره وإصراره عمل سيزيف.
إنه المثقف، الذي يريد أن يساعد، ويطالب بحقه في المساعدة، فقد اتخذ قبل فترة قراره النهائي، بأن ينقذ العالم، «انتهت فترة النقاشات في المقهى في حيفا».
وبينما العبارة تعبر بين الجزر، يرى هذه الأخيرة كجيوش أغريقية، تحمي العبارة وعلى رأس هذه الجيوش أخيلس، الذي يرعاها.
لكن في النهاية وبعد أن قام بالترجمة بين اللاجئين والأطباء اليونانيين، ومعظمهم لا يتكلم غير اليونانية، تمنعه الشرطة من الوجود بين اللاجئين، لسبب واحد هو أنه يحمل جواز سفر وليس بطاقة لجوء، ففي لغة فنية عارية من المنمنقات تعبر المخرجة أوفيرا هنيك بنوع من الاختزال، يذكرنا بملامح مخرجين لامعين مثل بيتر بروك أو كروتوفسكي أو جورج طبوري، عن دلالات الفضاء وأبعاد الفراغ وقوته في جعل العلاقة بين النص والممثل والجمهور علاقة تجاوب يقظ، حيوي وجسرا لاستجابة بعيدة عن المؤثرات الخارجية، التي قد تلقي بالمشاهد في فراغات الإبهار والفرجوية. لقد اعتمدت أوفيرا لغة الصورة المتحولة في شخص الممثل والصمت في لحظات إلغاء الحركة، التي تقلص من هوة تراجيديا اللجوء وتجعله هما ماثلا أمامنا، «إذا رح تهجرني حبيبي ـ ورح تنساني يا حبيبي.
ظل تذكرني ـ وتذكر طريق النحل»، فقد وظفت أغنية فيروز القديمة طريق النحل، كجدار خلفي لقوة الحنين، وديمومة العلاقة بالوطن بالمنبع الأول للانتماء.
فباعتماد المخرجة مقاطع من دفتر «معلومات أولية للاجئين»، منحت العمل متنفسا مرحا، جعله ينحى في اتجاه الدراما الساخرة.
هذا الدفتر، الذي ينبه اللاجئين إلى أدق وأصغر الأشياء في السلوكات اليومية والعامة للإنسان الألماني.
فعن طريق لوحة الترجمة الإلكترونية باللغتين الإنكليزية والألمانية، استطاع الجمهور أن يواكب دلالات لغة عربية، ترشح بالاستعارات والسخرية المريرة، حيث أمكنه التفاعل مع الكلمات، سواء أكانت شعرا أو سردا.
إن المخرجة أوفيرا هنيك، حاولت في هذا العمل، كما تحاول دائما أعمالها، حيث تتعامل فيها مع مبدعين فلسطينيين، التعبير عن إنسانية الفن في منآى عن التحيزات العرقية أو القومية، ففي مزيج من اللغات العربية، الإنكليزية، الألمانية واليونانية قدمت مسرحية «من مروا» رقعة واسعة للقاء الثقافات والتلاقح الإنساني المتحرر من التبعيات الأيديولوجية.