رياضة صباحية: غالبا ما أحلم بالطريق الموصلة بين بيتي ومكان عملي، مفروشا على امتداده بالحدائق، العبقة بشذى الزهور، الباعثة للنسيم العليل، الغناّء بأعذب تغريدات الطيور. المزدانة بمرح العابرين..
لكنني في كل صباح أقطع طريقي هذه مشيًا كرياضة صباحية، وهي مصابة بالكسور الكونكريتية، الناشرة للروائح الكريهة، المزكمة للأنوف، المستقطبة لأنواع الحشرات بنشازاتها المختلفة، يقطعها المارّة بسحن كئيبة، وبأمزجة سوداء، يتقاتلون بينهم، عمن يرمي القمامة في الليل. اتهموني يومًا ما، فدافعت عن نفسي بأنني البريء الوحيد، والدليل شريط حلمي المصور، وأنا أسير في الشارع الأخضر. منذ ذلك اليوم كفّوا عن رمي القمامات، مبكرين للنوم، علّهم يحظون برؤية الشارع الأخضر.
* * *
رسائل لن تصل: أحبّها تعلقا بمرورها المثير لعواصف قلبه، والمذكي لعواطف وردية تجاه من هي منتصف عمره تقريبا، يمران متقاطعين صباح كل يوم، عجلين، ينظر إليها، منتظرًا رد فعل… لم يتم، لذا لن تسري القاعدة الذهبية: نظرة فابتسام فسلام فكلام، عادّا نظراته اليومية إليها رسائل لم تصل…
رسائل! إبحث في الفيسبوك عمن أكثر النساء تطابقها أوصافاً. بعد جهد كلّ فيه بصره، وجد المطابقة لها، حين وافقت على طلب صداقته.. فرح أيما فرح، وعدّ ذلك اقترابًا شبه نهائي منها. فأرسل لها رسالة مجملة لقصة حبّه لها، مؤكدًا نواياه الطيبة معها، وأنه أسعد رجل في العالم بمجرد أن تردّ على هذه الرسالة… انتظر أيامًا وأسابيع.. لم يتحقق ذلك.
شكَّ في أمر التأخير، فذهب إلى صفحتها.. وجد تحذيرًا قرب صورتها المستبدلة قريبًا…الحديث على الخاص ممنوع وإلا فالمصير الحظر.
* * *
كبرياء وكرم: كل يوم تبحث في أكوام القمامة، تاركة أولادها الجوعى بغرفتها المتصدّعة في حي الفقراء، تبحث وقد هدّها التعب وأسقمها الجوع وأمرضتها الروائح العفنة، مبعدة بيديها المتخشبتين، فضلاتهم، التي قد تصلح للاستهلاك البشري (بطرا، قالت).
في إحدى الأصابيح، وجدت بغيتها، حلية ذهب. سارعت إلى أحد الصاغة، كي يقيمها فنقدها بعد شكّ وبخسٍ، سارعت إلى حيّها، كي تسبتشر فقراءه بوليمة العمر.
* * *
منامة: كان يناجي فكرة أن تأتيه، كي ينسج لها رداء قصصيا، ومن ثم يخلد إلى سريره، جذلاً بمنتوجه اليومي، لم تأتِ، ومن ثم تأخّر عن النوم منتظرا مجيئها، كي لا يأرق من خوائه هذا اليوم، فظل ملازماً كرسيّه، بين طاردٍ لنعاسه تارة، ومستسلمٍ له أخرى.
هجس أنَّ كرسيّه تحوّل إلى سرير، كمن يدعوه للنوم، فليلبّ تلك الدعوة على سريره الأصلي، فقام يتمدد فيه، وإذا به يتحول إلى كرسي ومنضدة و(لابتوب) جديد مع مصباح منضدي وكتب وأقلام ومفكرة.. غاب الأصل وحضرت الفكرة، الكرسي قد يكون قبراً، والسرير نهراً، وهو قد لا يكون هو ذاته، فكر… وقبل أن يرسو على شيء من بغيته، اختفى كل شيء.. ها هو أمام مقبرة على ضفة نهر جارٍ بقوة، هجرها ومشى على مائه هادرا، مبتهجا، لم يفقْ إلا على صرخات زوجته على الضفة : أين ذاهب يا مجنون؟
كاتب عراقي
باقر صاحب